أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / مستقبل الحداثة في ظلِّ ريادة أمريكا 6 من 6

مستقبل الحداثة في ظلِّ ريادة أمريكا 6 من 6

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

تراجُع الاقتصاد الأمريكي في الصحافة العالميَّة

يبدو أنَّ الإعلام الأمريكي بدأ يميل إلى الصراحة في الاعتراف بتراجع الاقتصاد الأمريكي عن موقع الريادة، لصالح الصين؛ وربَّما هذا ما شجَّع قناة CBS News على نشر تقرير في 20 يناير من عام 2018 ميلاديًّا، عنوانه China surpasses U.S. as world’s largest Economy-الصين تتجاوز أمريكا بوصفها أقوى اقتصاد في العالم، وفقًا لبيانات أصدرها صندوق النقد الدولي. احتلَّت أمريكا موقع الصدارة بين اقتصادات العالم منذ عام 1872 ميلاديًّا، حينما تجاوز ناتجها الإجمالي المحلِّي ناتج بريطانيا العظمى. غير أنَّ عرشها بدأ يهتزُّ مؤخرًا، مع الصعود المتواصل للصين، التي أشار التقرير أنَّها لن تسحب البساط من تحت أقدام أمريكا بالكامل إلَّا بعد فترة لا تقل عن 10 سنوات.

صورة 28-صعود اقتصاد الصين على حساب اقتصاد أمريكا (2018)

وبرغم استناد تقرير CBS News إلى بيانات دقيقة، عكست الحالة الاقتصاديَّة لكلٍّ من أمريكا والصين في بداية 2018، فهناك آراء تحليليَّة تشير في نهاية العام ذاته إلى أنَّ تجاوُز الصين لأمريكا قد تمَّ بالفعل، ومن بين تلك الآراء تقريرٌ نشره موقع بلومبرج الاقتصادي الشهير، في 18 ديسمبر 2018، بعنوان اعتادوا على ذلك أيُّها الأمريكيُّون: لم نعد رقم 1.

يشير التقرير إلى أنَّ الصين أوشكت أن تصبح الاقتصاد الأقوى في العالم، منتزعة الأرباح التي كانت الولايات المتَّحدة تجنيها في السابق، مضيفًا أنَّ الصين حاليًا أكبر مُصنِّع ومُصدِّر في العالم، وأنَّ فرصها في النمو أعظم بكثير من أمريكا؛ بفضل ارتفاع عدد سكَّانها، مما يزوِّدها بعدد هائل من العمالة. وستزداد نسب النمو الاقتصادي الصيني، إذا ما طُرحت عملتها للمضاربة بالنقد الأجنبي، مما يعني ارتفاع قيمة اليوان الصيني أمام الدُّولار الأمريكي. يعني ذلك، “إن لم تكن الصين الآن القوَّة الاقتصاديَّة السائدة في العالم، فتصبح هكذا قريبًا”، على حدِّ وصف التقرير، الذي يوضح أنَّ صعود الصين إلى الريادة الاقتصاديَّة يعني مزيدًا من التراجع الاقتصادي الأمريكي؛ حيث ستستفيد الصين، على حساب أمريكا مما يُعرف بـ “تأثير التكتُّل”، وهو ميل المستثمرين إلى الاستثمار في بيئة اقتصاديَّة واحدة. ستجتذب الصين مزيدًا من المستثمرين الأجانب خلال المستقبل القريب، مما يعني مزيدًا من التأزُّم الاقتصادي الأمريكي.

ويعيد موقع فوتشن الاقتصادي نشر تقرير بلومبرج في اليوم التالي تحت عنوان لماذا تحتاج أمريكا أن تدرك أنَّ الصين ستصبح رقم 1.

وكان موقع فورتشن قد نشر في 21 نوفمبر 2018، تقريرًا عن تنبُّؤ المحللين الاقتصاديين بتباطؤ نمو الاقتصاد الأمريكي في 2019، بل وبإمكانيَّة حدوث كساد في 2020.

وسبق موقع واشنطن بوست فورتشن في الإشارة إلى التنبُّؤات بكساد كبير في 2020، مما قد يشكِّل تحديًا أمام دونالد ترامب، إذا ما ترشَّح لفترة رئاسيَّة ثانية، خاصَّة وأنَّ أداءه النصفي كان الأسوأ لرئيس من الحزب الجمهوري، منذ نيكسون، بعد فضيحة ووترجيت في 1974.

ونشرت قناة روسيا اليوم تقريرًا إخباريًّا بعنوان China surpasses US economically; Washington rages-الصين تتفوَّق اقتصاديًّا على الولايات المتَّحدة، وواشنطن تغضب، في 20 ديسمبر من عام 2018، تناول فيه المحللون أسباب تراجُع أمريكا اقتصاديًّا، والتي يرون أنَّ تفوُّق الصين في مجال الذكاء الاصطناعي من أهمِّها. حققت الصين تقدُّما هائلًا في المجال التقني في السنوات القليلة الماضية، وبالذات في مجال تطوير تقنيات معالجة البيانات، التي أحدثت الصين فيها طفرة نوعيَّة، بما تجاوَز إمكانات أمريكا في المجال ذاته. هذا وقد نشرت شبكة فوكس نيوز الإخباريَّة في 20 ديسمبر من عام 2018 مقالًا، أشارت فيه إلى اعتقاد المحللين أنَّ الولايات المتَّحدة تمرُّ بـ “لحظة سبوتنيك” فيما يتعلَّق بصراعها التقني مع الصين، أي لحظة إدراك لطبيعة التهديد الذي أصبحت الصين تشكِّله، وبخاصَّة في مجال الذكاء الاصطناعي، وإمكانيَّة أن تتجاوزها الصين في هذا المجال بحلول عام 2030 ميلاديًّا.

يضيف المقال ذاته أنَّ التنافُس بين القوى العظمى في العالم خلال الستين عامًا القادمة سيتحوَّل من مجال أبحاث الفضاء، إلى مجال الذكاء الاصطناعي والتعلُّم الآلي، لافتًا إلى أنَّ الصين تعمل على تطوير إمكاناتها؛ كي تلحق بالولايات المتَّحدة في 2025، ثمَّ تتجاوزها في 2030، مما يعني إصرار الصين على أن تصبح رائدة الذكاء الاصطناعي في العالم. هذا، وتذكر استراتيجيَّة الأمن القومي الأمريكيَّة أنَّ كلًّا من الصين وروسيا تسعيان إلى تحدِّي سُلطة الولايات المتَّحدة، ونفوذها، ومصالها، من خلال تبديد أمنها ورخائها. وتعتزم الدولتان الحدَّ من حريَّة اقتصاديهما ونزاهته، وتعظيم إمكانات جيشيهما، والسيطرة على المعلومات والبيانات؛ بهدف قمع مجتمعيهما وتوسيع نطاق نفوذهما…وهما الآن تريان في القدرات الإلكترونيَّة وسائل لتعظيم النفوذ، وتستخدمان وسائل إلكترونيَّة في حماية نظاميهما المستبدَّين؛ حيث أنَّ ” الهجمات الإلكترونية أصبحت عنصرًا أساسيًّا في الصراع الحديث” بين الأمم.

جدير بالذكر أن موقع سي إن إن الشهير قد نشر في 21 ديسمبر من عام 2018 عن اتِّهام وزارة العدل الأمريكيَّة صينيين اثنين يعيشان في الولايات المتَّحدة بتدبير هجمات إلكترونيَّة تستهدف الاستيلاء على بيانات حسَّاسة، تخصُّ مجال البزنس، وتتعلَّق بأسرار الشركات، مما يؤثِّر على الاقتصاد الأمريكي. يضيف المقال اعتقاد السلطات الأمريكيَّة أنَّ تلك الهجمات جزء من حلمة تديرها الحكومة الصينيَّة، وفقًا لما صرَّح به نائب المدعي العام الأمريكي، الذي أشار إلى استهداف الهاكرز الصينيين الاستيلاء على بيانات عسكريَّة تخصُّ أعضاء في البحريَّة الأمريكيَّة. واتَّهم نائب المدعي العام الصين، في مؤتمر صحافي، بتحقيق منفعة شخصيَّة، على حساب الشركات الملتزمة بالقانون، والدول التي تراعي القواعد الدوليَّة. وشدَّد نائب المدعي العام الأمريكي على أنَّ الصين لم يعد في مقدورها نفي ضلوعها بتلك العمليَّات الملتوية، واصفًا سرقتها أسرار الشركات الأمريكيَّة بـ “التعدِّي الاقتصادي”.

غير أنَّ الطَّفرة الاقتصاديَّة الصّينيَّة قد شهدت تراجعًا ملحوظًا خلال العام المالي 2019، فقد نشر موقع فورتشن الاقتصادي بتاريخ 17 يناير 2020م، مقالًا تحت عنوان “الحرب التّجاريَّة الأمريكيَّة تُبطئ الاقتصاد الصّيني إلى أضعف وتيرة له في 30 عامًا”. يشير المقال إلى أنَّ إجمالي الناتج المحلي للصّين قد تنامى بنسبة 6.1 بالمائة، وتلك كانت أضعف نسبة للنُّمو منذ عام 1990.

ووفق إحصاءات نشرتها صحيفة بيزنس إنسايدر الرَّقميَّة الاقتصاديَّة عن أضخم اقتصادات العالم خلال عام 2019، احتل الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة المركز الأوَّل من حيث إجمالي النَّاتج المحلّي، الذي بلغ 21 تريليون دولار، ما يعادل 20 بالمائة من النَّاتج العالمي، بينما حلَّت الصّين في المركز الثَّاني بفارق تجاوز 11 تريليون دولار

هذا وقد عانت الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة أكثر من كافَّة دول العالم من جرَّاء تفشّي فيروس كورونا التَّاجي، الَّذي انطلق من الصِّين، وانتشر في شتَّى بقاع الأرض مطلع عام 2020م، حيث تجاوَز عدد ضحايا الفيروس هناك 20 ألف شخص حتَّى النِّصف الأوَّل من شهر أبريل 2020م. وقد أصيب الاقتصاد الأمريكي بحالة من الرُّكود بعد التَّوقُّف شبه التَّام لعجلة الإنتاج في البلاد، وقد ذكرت شبكة سي إن إن الإخباريَّة، نقلًا عن خبراء اقتصاديين، أنَّ “النُّمو الاقتصادي انخفض بمعدل 2.4٪ في الرُّبع الأوَّل…وسوف ينخفض بنسبة تبلغ 26.5٪ في الربع الثاني”، كما نشرت بتاريخ 12 أبريل 2020م.

المفارقة أنَّ الصِّين، أوَّل دولة في العالم تضرَّرت من انتشار الفيروس فيها، قد اتَّهمت، على لسان ليجان زاهو، نائب رئيس إدارة المعلومات بوزارة الخارجيَّة الصِّينيَّة، الولايات المتَّحدة بنشْر كورونا في أراضيها لتعطيل نموِّها الاقتصادي.

بغضِّ النَّظر عن صحَّة اتِّهام الصِّين للولايات المتَّحدة من عدمه، فقد أدلى هنري كيسنجر، وزير الخارجيَّة الأمريكي الأسبق ومستشار الأمن القومي في عهد الرئيس ريتشارد نيكسون (1969-1974م)، بتصريح، نشرته عن لسانه صحيفة وول ستريت جورنال الاقتصاديَّة الأمريكيَّة، أثار تكهُّنات واسعة حول مستقبل العالم بعد انتهاء أزمة انتشار فيروس كورونا. فقد صرَّح كيسنجر بأنَّ العالم لن يعود إلى وضعه السَّابق، لما قبل انتشار الفيروس الخبيث، محذِّرًا من إمكانيَّة حدوث أزمة اقتصاديَّة عالميَّة طاحنة يستمرُّ تأثيرها لأجيال. وألمح المفكِّر السِّياسي اليهودي المخضرم إلى أنَّ نظامًا عالميًّا جديدًا سينشأ بعد انقضاء الأزمة، ما قد يهدِّد النِّظام اللِّيبرالي الِّذي يقود العالم، بزعامة الولايات المتَّحدة. والسُّؤال: هل تنتهي إثر أزمة كورونا زعامة أمريكا للعالم، مفسحةً المجال أمام زعامة جديدة، هي لدولة إسرائيل الكبرى؟ وهل يهجر اليهود أمريكا، حيث يجتمع غالبيَّتهم، إلى إسرائيل نتيجةً لذلك؛ فيصدق في ذلك قول الله تعالى “فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الآخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا” (سورة الإسراء: الآية 104).  

شاهد أيضاً

“جمال باشا السفاح” الخنجر المسموم في ظهر الأمة، والسبب المباشر لسقوط الخلافة الإسلامية 2 – 2

عامر الحموي نائب رئيس التحرير أحمد جمال باشا (1872- 1922): ولد في ميتليني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.