أخبار عاجلة
الرئيسية / حقوق وحريات / إضاءات سياسية (7)

إضاءات سياسية (7)

هيثم المالح

عرض مقالات الكاتب

ينفرد موقع رسالة بوست بنشر كتاب إضاءات سياسية للأستاذ هيثم المالح

المؤامرة المستمرة (3)

15/11/2006

سبق أن كتبت مقالين حول القضية الفلسطينية ، كشفت فيهما الغطاء عن تآمر حكام عرب على  هذه القضية فتاجروا فيها وأفرغوها من محتواها ، بينما غابت الشعوب عن قضيتها . 

ورحم الله الشاعر أبو الطيب المتنبي الذي قال :

نامَت نواطيرُ مصرَ عن ثعالِبها

فقد بَشَمنَ وما تُفنى العناقيدُ([1])

في حين كانت الصهيونية تسرع إلى أهدافها السياسية الأساسية ، التي رسمت لها في المؤتمر الصهيوني الأول عام 1897 ، قفزة وراء قفزة ، وقد ضربت صفحاً بكل ما عداها ، فهي عندها دستور ، وعقيدة ، وإيمان !

ومن غريب المصادفات أن -الدولة العبرية- منذ ذلك المؤتمر ، كانت تحقق كسباً هائلاً في كل عقد من العقود التي مرت حتى الآن .

ففي عام 1897 وضع المؤتمر الصهيوني الأول دستور الصهيونية العالمية .

وفي عام 1907 استطاعت الصهيونية أن تقنع أوروبا أن لا شيء يحمي الحضارة الغربية من الانهيار ، إلا إذا كانت دول الشرق الأوسط مفككة مجزأة ضعيفة ، وأن الضرورة تقضي بزرع قاعدة غريبة في قلب تلك المنطقة .

وفي عام 1917 صدر وعد بلفور المشؤوم .

وفي عام 1927 أثارت الصهيونية قضية “عربستان” لإفساد العلاقات مع إيران .

وفي عام 1937 حملت الصهيونية فرنسا على اقتطاع (لواء إسكندرون) لتركيا ، لإفساد العلاقات مع الأتراك .

وفي عام 1947 أقرت المنظمة الدولية -خلافاً لقانون الأمم المتحدة ونظامها الداخلي-  تقسيم فلسطين .

وفي عام 1957 انطلقت التجارة الإسرائيلية عبر مضيق العقبة إلى آسيا وأفريقيا ، نتيجة لمعركة السويس .

وفي عام 1967 وقعت المأساة التي لا نزال نعاني منها حتى الآن ولا نرى أي أفق للخروج منها .

في صبيحة يوم 05/06/1967 وجه “كوسيغين” رسالة عاجلة إلى “جونسون” عبر الخط الأحمر بين “الكرميل” و “البيت الأبيض” قال فيها : (إن الاتحاد السوفيتي لا ينوي التدخل في المعركة إذا تقيد الآخرون بذلك ، وهو يرى من الضروري التعاون مع أمريكا لإعادة السلام إلى المنطقة) .. وبعد ست وثلاثين ساعة من بدء القتال أرسل (كوسيغين) رسالة ثانية إلى (جونسون) قال فيها : (إن الاتحاد السوفيتي يقبل بأي قرار يتخذه مجلس الأمن لوقف إطلاق النار) ، وقد ظهر الرئيس الأمريكي على شاشة التلفزيون ليقول مساء
06/06/1967 : (إن موقف روسيا من أحداث الشرق الأوسط يتسم بالتعقل وهو موقف يبعث على الأمل) .

في أيام المعركة بقيت القوى الجوية السورية ساكتة دون حراك حيث لم تكن جاهزة للقتال ، فتم ضربها على مدارج المطارات ، ثم أُعلن عن سقوط القنيطرة قبل سقوطها فعلياً بأربع وعشرين ساعة . في حين قال الجنرال هود قائد سلاح جو العدو : (لقد قضينا ست عشرة سنة نستعد ونخطط لهذه الجولة ، وحققنا ثمرة جهدنا في ثمانين دقيقة! لقد عشنا خطتنا ، نمنا معها ، أفقنا عليها ، تمثلناها ، هضمناها ، وبالتدريج أدخلنا عليها الإصلاحات المتتالية حتى قاربت الكمال) .

كان  هرتزل قد عرض على السلطان عبد الحميد فكرة إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ، وسيكون من تأسيسه فوائد جمة للمملكة ، كما تعهد بتسديد ديون المملكة كلها وبتقديم مبلغ ضخم للسلطان خاصاً به لقاء هذا السماح ، فلم يكن من السلطان إلا الرفض الشديد للمشروع .

آمن “هرتزل” وأعوانه اليهود أن لا أمل لهم في الوطن القومي بفلسطين والسلطان على عرشه ، وأن خيرهم في بعثرة المملكة وتقويض أركانها ، فعملوا في ميدانين :

ميدان خارجي بما لهم من نفوذ ومؤسسات وتحكم في الدول الأوروبية . وميدان داخلي في  تغذية الروح القومية الانفصالية لعناصر المملكة من عرب وأكراد وشركس وأرناؤوط وأرمن .. الخ  وأحزاب وجمعيات سرية زودتها الصهيونية (بعقائديات) حسنة الظاهر ولها في الأمة فعل الديناميت المفجر حتى آتت الحركات والجهود المختلفة ثمارها .

فجعل حزب الاتحاد والترقي “اليهودي الماسوني” مركز عمله سراً في”سلانيك” اختارها لأن فيها “عدا الجالية الأجنبية الكثيرة ، عدداً من المحافل الماسونية كانت عوناً لهم على تشكيلاتهم وعلى كتمان مساعيهم” وآلت الخلافة لما آلت إليه ، وإيضاحاً للحقيقة وكشفاً لملابسات رانت على عقول الكثير من الناس ، ندرج فيما يلي كتاب السلطان عبد الحميد إلى شيخه محمود أبو الشامات :

(بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد رسول رب العالمين وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين إلى يوم الدين .

أرفع عريضتي هذه إلى شيخ الطريقة العلية الشاذلية ، إلى مفيض الروح والحياة ، إلى شيخ أهل عصره الشيخ محمود أفندي أبي الشامات ، وأقبل يديه المباركتين راجياً دعواته الصالحة .

بعد تقديم احترامي أعرض أنني تلقيت كتابكم المؤرخ في 23 أيار/مايو من السنة الحالية ، وحمدت المولى وشكرته أنكم بصحة وسلامة دائمتين .

سيدي

إنني بتوفيق الله تعالى مداوم على قراءة الأوراد الشاذلية ليلاً ونهاراً . وأعرض أنني ما زلت محتاجاً لدعواتكم القلبية بصورة دائمة .

بعد هذه المقدمة أعرض لرشادتكم وإلى أمثالكم أصحاب السماحة والعقول السليمة المسألة المهمة التالية كأمانة في ذمة التاريخ :

أنني لم أتخل عن الخلافة الإسلامية لسبب ما ، سوى أنني -بسبب مضايقة جمعية الاتحاد المعروفة باسم “جون ترك” وتهديدهم- اضطررت وأجبرت على ترك الخلافة .

أن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا وأصروا عليّ بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة “فلسطين” ورغم إصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف ، وأخيراً وعدوا بتقديم (150 مائة وخمسين مليون ليرة إنكليزية ذهباً ، فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية أيضاً وأجبتهم بهذا الجواب القطعي الآتي :

“أنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهباً -فضلاً عن (150 مائة وخمسين مليون ليرة ذهباً)- فلم أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي . لقد خدمت الملة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد عن ثلاثين سنة فلم أسود صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانيين . لهذا لن أقبل تكليفكم بوجه قطعي أيضاً” .

وبعد جوابي القطعي اتفقوا على خلعي وأبلغوني أنهم سيبعدونني إلى “سلانيك” ، فقبلت بهذا التكليف الأخير .

هذا وحمدت المولى وأحمده أنني لم أقبل أن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة “فلسطين” وقد كان بعد ذلك ما كان .

ولذا فإنني أكرر الحمد والثناء على الله المتعال وما عرضته كاف في هذا الموضوع الهام وبه أختم رسالتي هذه .

ألثم يديكم المباركتين ، وأرجو واسترحم أن تتفضلوا بقبول احترامي بسلامي إلى جميع الإخوان والأصدقاء .

يا أستاذي المعظم

لقد أطلت عليكم التحية ، ولكن دفعني لهذه الإطالة أن تحيط سماحتكم علماً ، وتحيط جماعتكم بذلك علماً أيضاً . والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته) .

في 22 أيلول/سبتمبر 1329           خادم المسلمين عبد الحميد بن عبد المجيد

وبعد أن كان الهدف هو استرجاع الوطن السليب ، وإعادة الحق المسروق ، أصبح المطلب الوطني إزالة آثار العدوان والدول الأجنبية ، حتى الصديقة التي تناضل معنا من أجل قضايانا ، لا تستطيع للآن أن تعلم ماذا نريد ، في كل يوم لنا خطة وإستراتيجية وهدف .. وفي كل حدث لنا حديث ، ودأبنا أن نقرن الغفلة بالارتجال ، والجهل بالافتعال ، والعدو إزاء هذا الواقع المحزن ، منذ نشأ حتى الآن يمشي وتيراً حيناً ، حثيثاً حيناً ، حسب الظروف ، في تنفيذ مخططاته التي لم تتغير ولم تتبدل منذ أكثر من مائة عام ، وهو يتحين الفرص ، ونحن نمهد له الفرص .. وهو يرقب المبرر ونحن نقدم له المبرر .. وهو يواجهنا بالتجمع والاقتحام ، ونحن نواجهه بالتبعثر والانهزام ، ولو أخلص حكام العرب وصدقوا العمل لعشر سنين .. فقط عشر سنين لما كان هناك مأساة ولما كان هناك إسرائيل .

إن الهزيمة التي منيت بها الأمة ليست معجزة سماوية تستعصي على التفسير . لو حدث العكس ، والحال هي الحال لكان ذلك مخالف لنواميس الطبيعة ومنطق الأحداث ، فليس من عجيب أن ينتصر العلم على الجهل ، والتخطيط على الفوضى ، والقلوب المؤمنة بقضيتها على القلوب الخواء .. لقد هزم العرب أخلاقياً قبل أن يهزموا عسكرياً .

ثم ماذا بعد ! صلح بين أقوى دولة عربية وبين الكيان الصهيوني في كامب ديفيد سعى إليه الرئيس المصري أنور السادات حثيثاً ، ثم آخر في وادي عربة مع الأردن ، وهرول عرب آخرون متزاحمون لإقامة علاقات دبلوماسية أو تجارية ، فوق الطاولة أو تحتها مع الكيان الصهيوني دون أن يراعوا ما يجري لإخوانهم في فلسطين ، من قتل وتدمير وتهجير وزج الفلسطينيين في السجون والمعتقلات ودون أن يرف لحكامنا جفن .

ثم جرت انتخابات ديمقراطية فازت بها حماس فتألب عليها الأهل والأقارب والأباعد حصاراً تآمرياً مع الدولة الأمريكية المارقة وإرضاء لشارون والكيان الصهيوني ، فضلاً عن البعض من الداخل الذي يؤازر في هذا الحصار ويوقع بين الإخوة في السلاح ، ويرنو للتنازل أمام العدو عن الثوابت في الحقوق الفلسطينية ممسكاً بكرسي الحكم حتى لا يميد من تحته ، وبرغم طرح حماس حكومة وحدة وطنية منذ بدء اعتلائها كرسي الحكم ولكن .. للأسف دون جدوى . 

ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم

دمشق في15/01/ 2006                                         


[1])) أي نام الذين يناط بهم حراسة الوطن وأغمضوا أعينهم عن الثعالب بسبب ما أصاب الحرّاس من تخمة من كثرة ما حطّوا بالبطون (فقد بشمن : أي أصابتهم التخمة) ، ومع ذلك فلا يزال هناك ما يُنهب (وهذا معنى : وما تفنى العناقيد) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

تأسيس التجمع الوطني العربي في المنطقة الشرقية

أُعلن اليوم ومن عدة مواقع عن تأسيس ” التجمع الوطني العربي في المنطقة الشرقية ” …