بحوث ودراسات

“المعذبون فى الأرض” لطه حسين – بين ضعف البناء وجمال الأسلوب 1 من 2

أ.د. إبراهيم عوض

كاتب ومفكر مصري.
عرض مقالات الكاتب

سبق أن تناولتُ بالنقد رواية الدكتور طه حسين “دعاء الكروان” قبل نحو عشرين سنة، وكان رأيى أنها ليست من فن القصة بمكانٍ يُذْكَر، وذكرتُ الحيثيات التى أقمتُ عليها هذا الحكم. وهذا النقد موجود فى كتابى “فصول من النقد القصصى”، فيمكن الرجوع إليه لمن يريد أن يطَّلع على رأيى فى هذه الرواية وتحليلى لها، فى الفصل الثانى منه. ومع ذلك فإنى لا أخفى أبدا حبى لقراءة طه حسين، فأنا فعلا أستمتع بكتاباته بوجه عام بما فيها قصصه ورواياته رغم رأيى السيئ فيها، فما السبب فى ذلك يا ترى؟ إننى دائم الرجوع لأعمال الرجل بين الحين والحين، وكلما قرأت له شيئا أجد أن متعتى بما أقرأ لا تزال كبيرة وقوية، بل أحيانا ما أجد أنها قد ازدادت قوة مع الأيام بفضل تنامى قدرتى على التذوق عميق واستطاعتى إبصار أوجه الجمال وتعليل هذا الجمال الذى تتمتع به رغم اختلافى العنيف مع ما يقوله الدكتور طه فى بعض القضايا التى تمس الدين والقومية والمعايير التى ينبغى أن تحكم علاقتنا بالغرب وحضارته. فما السر يا ترى؟ وبالمثل فإننى، رغم انتقادى الشديد لبعض قصص “المعذَّبون فى الأرض” لما فيها من سطحية وسذاجة فى الفن القصصى أو فى النظر إلى الحياة ذاتها على السواء، ورغم أنى أرى فى كلام من يُثْنُون عليها من النقاد من الناحية القصصية ويحاولون أن يُبْرِزوا أثرها مبالغة شديدة لا تنهض على أساس من الواقع، رغم هذا وذاك فإنى أقرؤها الآن وأجد فيها متعة، ومتعة كبيرة فى بعض الأحيان، لا كفن قصصى بل كأسلوب لغوى متميز وروح تهكمية وتصوير فنى ليس إلا. وهذا هو ما أريد أن أوضحه هنا.
لقد قيل كلام كثير عن أثر قصص “المعذبون فى الأرض” فى فضح التفاوت الطبقى الرهيب الذى كان سائدا فى بلادنا قبل الثورة، ذلك التفاوت الذى يقول طه حسين إنه جعل يلتفت إليه ويحس بما يترتَّب عليه “من هذه الفروق الهائلة بين الأغنياء المترفين والفقراء البائسين” منذ اتصل بــ”جريدة” أحمد لطفى السيد، وبمن حوله من الـمُطَرْبَشين أصحاب الثراء العريض والمنزلة الاجتماعية العالية(1). لكن الذى يقرأ الكتاب بعيدا عن هذه الدَّعَاوَى سوف يفاجأ بأن الأمر ليس على هذا النحو دائما، وليس إلى هذا الحد أيضا: فبعض القصص لا علاقة لها بالمشكلة الطبقية من قريب أو بعيد كما فى قصة “خديجة”، الفتاة التى تَقَدَّم لها رغم فقرها النسبى شاب من أسرة أيسر من أسرتها، لكنها لم تكن سعيدة مع ذلك بهذا الزواج وانتهى أمرها بالانتحار، ولا ندرى لماذا، وهو ما يشكِّل عيبا كبيرا فى القصة، لكن هذه نقرة أخرى. وبعضها رغم علاقته بمشكلة الفقر بوجه عام لا تتناول هذه المشكلة من الناحية الطبقية ولا من الناحية الوطنية، أى على مستوى القطر كله، بل من ناحية الوضع الذى يحكم العلاقة بين بعض الأغنياء فى هذه القرية أو تلك وبعض الفقراء الذين يقومون بخدمتهم أو يتصلون بهم عن قرب فيُنْعِمون عليهم ببعض ما يفيض عن حاجتهم من طعام أو لباس أو ما إلى ذلك، وتنتهى المسألة عند هذا الحد. كما أن هذه القصص الطاهاحسينية لا تُعَدّ، فى مجال مكافحة الطبقية فى مصر، شيئا مذكورا إزاء رواية عصام الدين حفنى ناصف: “عاصفة فوق مصر” مثلا، التى صدرت قبل “المعذبون فى الأرض” بأعوام طويلة، إذ صدرت المجموعة التى بين أيدينا فى كتاب سنة 1949م، على حين ظهرت رواية ناصف عام 1939م، أى قبلها بعشر سنوات كاملات، أو بإزاء “سيد العزبة” لبنت الشاطئ، التى ظهرت عام 1944م، أى قبل كتاب طه حسين بخمس سنوات. وهذان مجرد مثالين ليس إلا.
بل إننا لنرى أن طه حسين، فى القِصَص التى نحس أنه قد أراد فيها فعلا أن ينبّه إلى حِدّة المشكلة الطبقية، لم يقدر على أن يُشْعِرنا بأن هناك مشكلةً حادة، إذ إن أحداث القصة وطريقة معالجته لها لا تعطينا هذا الانطباع، بل تقول إن حل المسألة بسيط سهل، فها هى ذى ربة البيت الميسور مثلا لا تتوانى عن التصدق بما تستطيع على هذا الطفل المحروم أو تلك البنت التعيسة، وبذلك ينتهى الأمر. إن القارئ لا يستطيع أن يحس بفداحة المشكلة بسبب ضعف الفن القصصى لدن الدكتور طه، وإن كان للدكتور طه مع هذا أسلوبٌ نَدَرَ أن يُرَى له نظير رغم أن بعض من فُتِنوا بهذا الأسلوب قد عملوا بكل جهدهم على احتذائه والنسج على طريقته، لأن هؤلاء المقلدين، وإن أمكنهم اصطناع بعض سمات الأسلوب الطَّاهَوِىّ، لا يستطيعون فى الحقيقة نقل روحه ونكهته الخاصة التى تستعصى على التقليد.
وهأنذا أعود لقراءة مجموعة “المعذبون فى الأرض”(2) بعد أن كنت قرأتها منذ سنوات طوال جدا، فأجد أن رأيى فيها لم يتغير، فهى مملوءة بالعيوب الفنية التى تنبئ عن أن طه حسين ليس قصاصا كبيرا: فهو مثلا قد يبدأ قصته بمقال ربما كان فى نفسه قطعة أدبية ممتعة، لكنه لا يمكن أن يُعَدّ جزءا عضويا من القصة بحال، بل نصًّا منفصلا قد أُلْصِقَ بها إلصاقا. ففى بداية قصة “المعتزلة” (ص 80- 87) نجده يمضى فيتكلم عن التفاوت الطبقى بين الفقراء والأغنياء ويقول كلاما جميلا عن وجوب الأخذ بناصر المحتاجين، مع توبلة ندائه هذا بشىء من التهكم الخفى الذى يبدو وكأنه يبارك هذه الأوضاع الإنسانية المزعجة، بينما هو فى الحقيقة يحمل عليها بكل قوة. بَيْدَ أن ذلك كله لا يشفع فنّيًّا لهذه الإضافة المجتَلَبَة اجتلابا. إنها، كما قلت، قد تكون مقالا رائعا فى حد ذاتها، لكنها لا يمكن أن تكون جزءا عضويا من القصة. ثم إن الكاتب، بعد ذلك، يستمر فى الطيران خارج سماء العمل فيدخل فى الحديث عن القواعد التى يضعها النقاد لضمان جودة الكتابة القصصية، مؤكدا أنه لا يبالى بما يقوله هؤلاء النقاد لأنه لا يحب لأحد أن يحجر على حريته فى كتابة ما يريد أن يكتب عنه، وبالطريقة التى تعجبه… إلى آخر هذا الكلام الذى سبق أن قاله أو قال شيئا شبيها به فى تضاعيف قصة “صالح” (ص 14 فصاعدا) قاطعًا تيارها فى أكثر من موضع ليدخل مع القارئ فى حوار من طرف واحد ينتهزه ليعلن رأيه فى القواعد المذكورة ومؤكدا أيضا حريته التامة فى أن يقول ما يشاء عمن يشاء، وبالأسلوب الذى يشاء، وهو نفسه أو قريب منه ما فعله فى الصفحات الأولى من قصة “صفاء” (ص 121 وما بعدها)
كذلك فإن هذه الأقاصيص يغلب فيها العنصر السردى على الحوار فلا يترك له مجالا كافيا يتنفس فيه بحرية، وهذا عيب من العيوب التى كانت القصص والروايات تعانى منها على أيدى غير الموهوبين فى هذا الفن فى بعض مراحله السابقة. كما أن الحوار الذى يجريه الكاتب على ألسنة أشخاص قصصه لا يتناسب معهم لا من الناحية اللغوية ولا من الناحية النفسية. إن طه حسين لم يستطع هنا أن ينسى أنه طه حسين، ومن ثم لم ينجح فى أن يتخلى عن أسلوبه العذب الجميل فاصطنعه دائما لأبطاله بغض النظر عن مستواهم الاجتماعى أو الثقافى. فكلهم يتكلم بلسان طه حسين ويستعمل لغته الأنيقة العذبة التى لا نكران فى أنها ممتعة فى حد ذاتها بوصفها لغة طه حسين الأديب الذى نعرفه ونحب أن نقرأ له مقالاته ودراساته، وليس بوصفها لغة هذه الشخصية أو تلك من شخصيات قصصه. وفضلا عن هذا كله فإن نهايات بعض القصص تفاجئنا بما لا يقنعنا، أو تعانى من بعض الغموض، أو يبترها الكاتب بترا ولا يعطيها الوقت والعناية اللازمين لإنضاجها وإقناعنا بها وجعلها مريحة فنيا بدل القلق الذى تبذره فى ذهن القراء من جراء العيوب التى تحدثنا عنها آنفا.
ترى أمن الممكن أن تتحدث بنتٌ أُمِّيّةٌ ريفيةٌ شديدةُ الفقر إلى أمها بهذا المستوى اللغوى الراقى وفى الظروف الذى قيل فيها، فتقول: “تريدين أن تعلمى أين ذهبتُ، وماذا كنت أصنع حين انسللتُ من البيت فى ظلمة الليل. فاعلمى إذن أنى لقيت زوج عمتى غير بعيد من مزرعته وأقمتُ معه ما أقمت، ثم رجعتُ حين كاد الصبح أن يُسْفِر. أعلمتِ الآن ما كنتِ تجهلين؟ أراضية أنت بما عملتُ؟” أو أن ترد عليها أمها قائلة: “ومتى لَقِيَتِ الفتياتُ أزواجَ عماتهن فى جنح الليل؟ إنك لَتَلْقَيْنَه فى وضح النهار” (ص 55)؟
كذلك فإن خاتمة قصة “رفيق” تأخذنا على حين بغتة، ولا تفصح لنا عما يريد الكاتب أن يقوله. ذلك أن القصة تتحدث عن حب بين فتى وفتاة انتهى بالاتفاق بين الأسرتين على ما يشبه خِطْبتهما. لكن ما طرأ من ارتقاء فى المستوى الاجتماعى لأسرة الفتاة قد أدى إلى تجاهلهم تلك الخطبة التى اتُّفِق عليها وقبول خاطب آخر يتفوق على الأول مكانة ووظيفة ومالا، مما آلم الفتى وجعله ينطوى على نفسه، فيظن أهله أنه قد نسى المسألة، على حين أنه كان يدبر فى نفسه أثناء ذلك أمرا لم يفصح أى من تصرفاته عنه أو يومئ إليه بل أومأ إليه المؤلف نفسه من بعيد، لنفاجأ فى نهاية القصة بأنه كان نائما على قضيب القطار ينتظر الموت حتى جاء القطار فشطر جثته شطرين (ص 149). وهكذا تنتهى القصة وأم الفتاة ووالدا الفتى يبكون جميعا ويندبون حظهم التعيس. وهذا كل ما هناك! فالكاتب لم يحاول أن يتدسس إلى نفس القتى لنعرف ماذا كان يزمع أن يفعل، أو على الأقل ماذا كانت مشاعره بالضبط تجاه فصم الاتفاق الذى كان بين الأسرتين، علاوة على أن ما قاله كاتبنا عن استجابة الفتاة لذلك الفسخ ولو ظاهريا قد أوهمنا أن الأمر لم يزعجها كثيرا، إذ هى بنت، ومتى كان للبنات فى مثل هذا المجتمع رأى غير ما يقوله رجال البيت؟ كما أن الهدايا التى أخذت تتوالى عليها من خاطبها الجديد وكونه موظفا ذا مكانة ومرتب مضمون قد أدخل على قلبها شيئا من السلوى بحيث إننا نؤخذ على غرة بنهاية القصة وما فيها من إشارة إلى أنها “قد أصبحت مزوَّجة كالمطلقة”. ترى ماذا يقصد المؤلف بالضبط؟ إنه، لِشَديد الأسى والأسف، قد اختصر الكلام اختصارا فلم يستطع أن يمهد لهذا الذى قد حدث، بل لم يستطع أن يساعدنا فى فهم هذا الذى قد حدث!
ليس ذلك فحسب، بل هناك السذاجة المتمثلة فى إثارة بعض الأشياء التى لا يستلزمها الفن القصصى بوجه عام ولا القصة التى يكون الكاتب بصدد حكايتها لنا بوجه خاص: ففى مفتتح قصة “قاسم” الصياد الفقير الذى ستزلّ ابنته مع زوج عمتها بسبب إغوائه إياها ببعض الأساور التافهة الحقيرة التى تَكْلَف بها بنات الريف ولا يجد كثير منهن ما يشترينها به من مال رغم قلته وتفاهته وما إلى ذلك، نرى الكاتب يصف لنا فى عدة صفحات منعطفات الطريق الذى كان يسلكه الصياد فى طريقه إلى النهر ومشاعر الخوف التى تنتابه وهو يمشى وحده فى ظلمة الليل قبيل الفجر قاصدا الماء، وكيف كان يدفع تلك المشاعر بقراءة بعض آيات الذكر الحكيم الكفيلة فى اعتقاده بطرد العفاريت…إلخ (ص 42- 45)، رغم أنه لا علاقة لشىء من ذلك كله ببقية أحداث القصة، وبالذات بنهايتها. وبالمثل نرى المؤلف يبذل جهده فى نفى ما يمكن أن يعترى القارئ فيدفعه إلى الظن بأن خديجة بطلة القصة التى هو بسبيل روايتها “قد نزلت من السماء كما تنزل الملائكة رحمةً ورَوْحًا على الأرض، أو خرجت من النهر كما كانت العذارى يخرجن فى الزمن القديم من الجداول والأنهار ومن العيون والينابيع، أو حملها إلينا السحاب أو أرسلها إلينا نجم من النجوم، بل نشأت فى القرية” (ص65)! الله أكبر! ومتى كان الناس يمكن أن يقعوا فى هذا الظن حتى يجهد المؤلف نفسه فى نفى هذا الوهم؟ إن مثل هذا الكلام، من ناحية أصول الفن القصصى، هو ترف سخيف لا معنى له ولا داعى لتضييع الوقت والحبر والصفحات والجهد فى تحبيره! لكنه من ناحية اللغة التى كُتِب بها شىء آخر له جاذبيته وحلاوته. فما هى إذن تلك السمات التى تميز أسلوب الدكتور طه وتجعل لكتاباته هذه الجاذبية والحلاوة حتى ليمكن أن نستعيض بها، ولو إلى حد ما، عن العيوب الفنية التى فى أدبه القصصى كما هو الوضع فى كتاب “المعذبون فى الأرض”؟
من أهم ما يستلفت نظرنا فى أسلوب د. طه بروز الطابع القرآنى فيه بروزا قويا غلابا. لكن هذا الطابع لا يأخذ شكل الاقتباس المباشر عادة، ولا يتوقف عند التأثر ببعض العبارات فحسب، وإلا لما تميز الأسلوب الطَّاهَوِىّ عن كثير غيره من الأساليب التى تحتذى أسلوب القرآن ثم تتوقف فى الغالب عند نقل هذه العبارة أو تلك منه. إن المسألة لدى طه حسين تتخذ أشكالا أُخَرَ عادة، أما الاقتباس المباشر فهو قليل. ومظاهر تأثر أسلوب الدكتور طه بالقرآن متعددة: فقد يتمثل ذلك فى استعماله لفظا قرآنيا نستعمل نحن الآن بوجه عام لفظا آخر غيره، وقد يتمثل ذلك فى لجوئه إلى صيغة صرفية وترك صيغة أخرى أكثر شيوعا لا لشىء سوى أن الأولى هى الصيغة التى وردت فى القرآن. وقد يتمثل ذلك فى اقتباسه عبارة قرآنية، وإن كان يحدث فيها فى العادة بعض التحويرات أو يوردها فى سياق يختلف عن سياقها القرآنى بحيث لا يلتفت الذهن إلى قرآنيتها رغم وضوحها. وقد يتمثل التأثر فى استخدامه تركيبا قرآنيا لم يعد أحد يستعمله إلا الأقلون إن وُجِدوا. والمهم أن الدكتور فى كل هذا يفعل ذلك بثقة وبساطة وكأنه يتنفس، حتى إننا لا نجد فى الأمر أية غرابة إلا إذا وقفنا ودقَّقْنا النظر.
والآن مع هذه الشواهد التى يقتبس فيها الدكتور طه، على طريقته، بعض عبارات القرآن الكريم، وكلّها من “المعذبون فى الأرض”: “والصبى على ذلك كله باسطٌ يدَه إلى رفيقه بهذه الطاقة الساذجة الخشنة من زهر الحقول” (ص 17). وهى مأخوذة من قوله تعالى فى الآية 14 من سورة “الرعد”: “كباسطِ كَفَّيْه إلى الماء ليبلغ فاه”. ويستطيع القارئ أن يدرك بسهولة ما يميز بين الاستعمالين: فـ”الكفّان” فى القرآن تحولتا إلى “اليد” عنده، كما أن الإضافة هناك بين “باسط” و”كفّيْه” قد فُكَّتْ هنا، فضلا عن اختلاف السياق هنا وهناك كما هو ظاهر، إذ هنا “رفيق”، وهناك “ماء”. ومن الشواهد أيضا على هذه السمة قوله: “فلم يكن بُدٌّ إذن من تفقّد هذه الأختام… وعقاب الصبى أو الفتى إذا مُحِيَت آية الختم عن فخذه قبل الأوان” (ص 29)، الذى يتعلق أشد التعلق بقوله سبحانه: “فمَحَوْنا آية الليل وجعلنا آية النهار مُبْصِرة”(3) رغم اختلاف السياق والجو والموضوع والتركيب، هذا الاختلاف الذى يدل على أن تأثر طه حسين بأسلوب القرآن هو من العمق بحيث يتسلل حتى إلى المناطق التى لا يُتَّوَقَّع ظهوره فيها. ومن هذه الشواهد أيضا قول كاتبنا: “ولكنى أعلم أن أبا أمين راح إلى أهله حين تقدم الليل” (ص 41)، فهو يردد صدى قوله تعالى عن إبراهيم عليه السلام: “فراغَ إلى أهله فجاء بعجلٍ سمين”(4)، والفرق لا يزيد عن تبديل “غين” الفعل فى الجملة القرآنية إلى “حاء”، ومع ذلك فمن ذا الذى يستطيع أن يتنبه إلى هذا التأثير القرآنى فى جملة طه حسين بسهولة؟ أما فى العبارة التالية فالأمر يحتاج إلى مزيد من التنبه كى نستطيع اقتناص وجه التأثر. يقول الكاتب عن “محبوبة” إنها كانت تدور فى بيوت القرية تساعد النساء فى صنع الخبز، ثم تعود منتصف النهار إلى بيتها الوضبع الحقير حسبما وصفه، “وقد حملتْ طائفةً من هذا الخبز تضيفها إلى طائفة” (ص 69)، ولا يفد على الخاطر بسهولة أن هذه العبارة متأثرة بقوله تعالى عن المسيح عليه السلام واستجابة قومه لدعوته ما بين مؤمن به وكافر: “فآمنتْ طائفةٌ من بنى إسرائيل، وكفرتْ طائفة”(5). ذلك أن التركيبين متباعدان، فضلا عن الاختلاف التام بين السياقين هنا وهناك، إذ أين الخبز من الدعوة إلى دين الله؟ وأين الحواريون والكافرون من بنى إسرائيل الغلاظ القلوب والرقاب من ألوان الخبز المختلفة؟
ومنه أيضا قول كاتبنا: “أصحاب اليمين” و”أصحاب الشمال” بدلا من مصطلحَىْ: “اليمينيين واليساريين” (ص 89). وهو بهذا يستخدم مصطلحين قرآنيين معروفين، لكن فى معنى غير المعنى الذى يستخدمهما القرآن فيه، إذ هما فى كتاب الله يعنيان “أهل الجنة” و”أهل النار”، أما هنا فالدكتور طه يقصد بهما “الرأسماليين” و”الاشتراكيين”. وهذا هو التحوير الذى أدخله مؤلفنا على استعمال هاتين الكلمتين والذى يجعل التنبه إلى أنهما مأخوذتان من القرآن المجيد بطيئا وضعيفا. ومن التأثر بالأسلوب القرآنى أيضا قول الكاتب: “وظهرت سعادتهما وقحةً مسرفةً فى القِحَة لا تتحفظ ولا تحتشم ولا ترجو لشىءٍ وقارا” (ص 113)، وهو ما يذكرنا بقوله تعالى على لسان نوحٍ لمشركى قومه: “ما لكم لا ترجون لله وقارا؟”(6). كذلك لا أستطيع أن أذكر أنى وجدت كاتبا غير طه حسين يستخدم التعبير القرآنى: ” أدنى الأرض” فى قوله جل جلاله: “غُلِبَت الروم فى أدنى الأرض”(7)، أى فى أقرب البلاد إلى جزيرة العرب، كما فى قوله: “وهاجرت أُسَرٌ أخرى إلى أدنى الأرض” (ص 116)، مع التحوير المتمثل فى تبديل الحرف “إلى” بالحرف “فى”. ومنه قوله: “ويتركون آباءهم وأمهاتهم وأخواتهم يَشْقَوْن بالنقص فى الأموال والثمرات، بل يَشْقَوْن بالبؤس والجوع والحرمان” (ص 131) المتأثر بكل قوة بقوله تعالى: “ولنبلُوَنَّكم بشىء من الخوف والجوع ونقصٍ من الأموال والأنفس والثمرات”(8)، رغم التحويرات المتعددة التى أصابته. أما فى قوله: “يجهلون ما حولهم من البؤس والضنك والضيق والموت: يضعون أصابعهم فى آذانهم حتى لا يسمعوا، ويجعلون على أبصارهم غشاوة حتى لا يَرَوْا، ويجعلون على قلوبهم أَكِنَّةً وأقفالاً حتى لا يصل إليهم ما يثير فيها شيئا من تضامن أو تعاطف أو رحمة أو إشفاق” (ص 176)، فإن التحوير معقّد بعض الشىء، إذ قد مزج الكاتب فى كلامه بين عدة عبارات من آيات متباعدة، وهى: “يجعلون أصابعهم فى آذانهم من الصواعق حَذَرَ الموت”(9)، “ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم غشاوة”(10)، “وقالوا: قلوبنا فى أكنَّةٍ مما تدعونا إليه”(11)، “أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوبٍ أقفالُها؟”(12)، علاوة على تغير السياق وإدخال العبارات والألفاظ القرآنية فى جمل ذات تراكيب مختلفة.
ومن استلهام طه حسين القرآن فى أسلوبه استخدامه للصيغ الصرفية القرآنية التى لا نستخدمها الآن، مثل كلمة “ضيف” فى كثير من الأحيان بدلا من “ضيوف” كقوله: “وقد كثرت على هذه الصينية الأطباق فيها من كل أصناف الطعام التى قُدِّمَتْ للضيف” (ص 19. وقد تكررت هذه الكلمة عدة مرات فى الكتاب/ ص 14، 15، 16، 17، 18، 20)، ولم ترد فى القرآن إلا بصيغة المفرد رغم أنها لم تستخدم فيه إلا لجماعة الضيوف لا للضيف الواحد، مثل: “فاتقوا الله ولا تُخْزون فى ضيفى”، أى ضيوفى(14)، “هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المُكْرَمين…؟”(15). ومن ذلك كلمة “تَسَاقَط” فى قوله: “فإذا امرأة تساقط دموعها غِزَارا” (ص 61)، وهى موجودة فى القرآن الكريم فى الآية 25 من سورة “مريم”: “وهُزِّى إليك بجذع النخلة تساقط عليك رُطَبًا جَنِيًّا”. وأرجو أن تتنبه إلى أن الفعل فى الحالتين مسند إلى المفردة المؤنثة مما يقرب بين الشاهدين. ومنه أيضا قوله: “ويحمّلنا هموما ثقالا” (ص 86) بدلا من “هموما ثقيلة” كما هو المعتاد فى وصف جمع غير العاقل سواء كان ماديا أو معنويا، أو فى الإخبار عنه. وفى القرآن: “حتى إذا أَقَلَّتْ سحابا ثقالا سُقْناه لبلدٍ ميت”(16). ولاحظ كيف أن العبارتين كلتيهما تتحدثان عن “حمل” شىء ثقيل. وهناك فى القرآن أيضا: “السحاب الثقال”(17)، ولكن الآية الأولى أقرب كثيرا لعبارة الكاتب كما لا يخفى. ومن هذا الضرب قول المؤلف فى وصف فتاة: “وكانت على ذلك ماكرة حديدة اللسان” (ص 111) بدلا من “حادة اللسان”، وذلك متابعة لقول القرآن فى وصف البصر يوم القيامة بالحدّة مستخدما صيغة “فعيل” لا صيغة اسم الفاعل: “حادّ”: “فبَصَرُك اليوم حديد”(18). ومن ذلك أيضا إكثار مؤلفنا من استعمال الفعل: “أُنْسِيت”، ببناء الفعل المزيد للمجهول، بدلا من الفعل المجرد المبنى للمعلوم: “نسيت”، كما فى الجمل التالية: “وأُنْسِىَ الصبى بهذا كله صلاةَ الشيخ والضيف والنبأ الذى كان يجب أن يحمله إلى أمه” (ص 18)، “وكان قد أُنْسِىَ قصة صالح، ولم يذكر إلا أنه سيعود معه آخر النهار إلى الدار” (ص 27)، “أريدُ أسرةً مصريةً بائسةً كنتُ أُنسِيتُ أمرها” (ص 80)، “شُغِلْتُ عن الجنين وعن أمه البلهاء، وأُنْسِيتُ أم تمام وابنيها” (ص 101)، وذلك تأثرا بقول القرآن على لسان ساقى الملك فى الآية 63 من سورة “الكهف”: “وما أنسانيه إلا الشيطان أن أَذْكُره” بدلا من “وقد نَسِيتُ أن أذكره”، وقوله عن الكافرين فى الآية 19 من سورة “المجادلة”: “استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله”، بدلا من “فنَسُوا ذكر الله”. وهناك شاهدان آخران على الاستعمال القرآنى لهذا الفعل فى “يوسف”/ 42، و”الحشر”/ 19.
وقد وقف د. البدراوى زهران عند هذا الاستعمال الطّاهَوِىّ وردَّه إلى ميل صاحبه بوجه عام، نظرا لظروفه الخاصة التى تجعله قادرا بغيره، إلى استخدام الأفعال المبنية للمجهول بما تدل عليه من أنه لا يقوم بفعل الشىء عادة، بل يعتمد فى فعله على غيره، وأن دوره فى الغالب دور سلبى لا فاعل. بيد أنى، وإن كنت لا أريد أن أعترض على هذا التعليل فيما يخص صيغة المبنى للمجهول لدى الدكتور طه بوجه عام، أوثر أن أركز النظر فيما يخص الفعل “أنسى” على التأثير القرآنى على طه حسين وأسلوبه. وقد رأينا أن مسألة تأثره بلغة القرآن لا تقف عند هذه الصيغة من الفعل “نَسِىَ”، بل تمتد إلى أشياء أخرى كثيرة متنوعة. صحيح أن القرآن يستعمل الفعل المجرد أكثر، لكن طه حسين يستعمل أيضا الفعل “نسى” كثيرا، ومع ذلك فإن مجرد استعماله للفعل “أنسى” يومئ إلى إعجابه بلغة القرآن وحبه لاستلهامها. علاوة على أن صيغة المبنى للمجهول من هذا الفعل لا تساعد على الاختصار، وهو السبب الذى يعلل به الأستاذ الدكتور انتشار هذه الصيغة فى كتابات الدكتور طه، بل تزيد حروف الفعل حرفًا هو حرف الهمزة. كما أن صيغة المبنى للمجهول تُعْفِيه من نسبة النسيان الذى يصيبه أو يصيب من يتحدث عنهم إلى الشيطان حسبما ورد فى ثلاث حالات من الحالات الأربع التى وردت فى القرآن. وحتى فى الحالة الرابعة التى أُسْنِد فيها “الإنساء” إلى الله سبحانه فى قوله تعالى فى سورة “الحشر”: “ولا تكونوا كالذين نَسُوا الله فأنساهم أنفسهم”، فإن السياق هو سياق الذم لمن وقع عليهم هذا الفعل. ومن هنا فإننى أرى أن طه حسين، حين نبذ صيغة المبنى للمعلوم إلى المبنى للمجهول، قد أراد أن يتجنب هذه الإيحاءات، فجعل الفاعل مجهولا كى ينصرف الذهن فى هذه الحالة إلى الظروف الإنسانية المختلفة لا إلى الشيطان أو إلى رب العزة بما يحصر المعنى فى دائرة العيب والإدانة. ومن ثم يبدو لى أن طه حسين قد أراد عامدا متعمدا تجنُّب استعمال صيغة المبنى للمعلوم من فعل “الإنساء” حتى يبتعد بالناسى من أبطاله عن مجال تأثير الشيطان أو سخط الله، وليس للسبب الذى ذكره الدكتور البدراوى زهران(19).
ومن مظاهر تأثر طه حسين بالقرآن فى أسلوبه استخدامه بعض الكلمات فى سياقاتٍ أو معانٍ لا نستخدمها فيها الآن إلا على ندرة: فمثلا من منا يستخدم الآن كلمة “هنالك” لظرف الزمان؟ إننا إذا استعملناها فإنما نستعملها لظرف المكان لا الزمان. أما طه حسين فى الجمل التالية فيجرى على طريقة القرآن: “هنالك وَجَمَتْ أم الصبى شيئا” (ص 14)، “هنالك استأنف العُودُ تمزيقَه لجسم الفتاة” (ص 55)، “هنالك لم نرفع الأكتاف ولم نهزّ الرؤوس” (ص 184)، أى عندئذ” أو “فى تلك الأثناء”. وهذا كقوله تعالى عن زكريا حين جاءته الملائكة وهو قائم يصلى فى المحراب بأن الله يبشره بابنٍ عفيفٍ سيدٍ شريف: “هنالك دعا زكريا ربه، قال: رَبِّ، هَبْ لى من لدنك ذرية طيبة”(20)، وقوله واصفًا الظروف الحرجة التى أحاطت بالمسلمين أثناء غزوة الأحزاب: “هنالك ابْتُلِىَ المؤمنون وزُْلْزِلوا زلزالا شديدا”(21). ومنها أيضا استعماله كلمة “اتخذ” بمعنى “استعمل” أو “لجأ إلى” أو “لبس” أو “جعل لنفسه”…إلخ كما فى قوله: “فرأت ابنها وبنتها قد اتخذا ثوبين باليين كذلك الثوب القديم” (ص 39) بدلا من “لبسا”، وقوله: “فاتخذ هذه المرأةَ له زوجا، واستقر فى حياة مطمئنة” (ص 57) بدلا من “تزوج هذه المرأة”، وقوله: “يتخذون من قصصهم أغشية لهذه المواعظ والعِبَر” (ص 88) بدلا من “يجعلون”. وهذا كقوله سبحانه: “أتتخذونه وذريته أولياء من دونى، وهم لكم عدوّ؟”(22)، “أم اتخذ مما يخلق بناتٍ وأصفاكم بالبنين؟”(23). ومن ذلك اللون من التأثر بأسلوب القرآن قول كاتبنا: “هنالك وَجَمَتْ أم الصبى شيئا” (ص 14)، “وَجَمَتْ أمّونة شيئا” (ص 55)، بدلا من “وَجَمَتْ أمّونة بعض الوجوم”، وهو مثل قوله تعالى: “إنهم لن يُغْنُوا عنك من الله شيئا”(24). أى أن الدكتور طه استعمل نائب المفعول المطلق بدلا من المفعول المطلق نفسه، وهو كما يرى القارئ استعمال تفوح منه عراقة القديم الجزل الأصيل. ومنه استخدامه الحرف “قد” مع المضارع فى معنى التحقيق، وهو المعنى الذى نستخدمه فيه الآن مع الفعل الماضى فقط، بخلاف ما لو جاء مع المضارع، فإنه فى هذه الحالة يدل على الشك أو الظن لا أكثر. يقول طه حسين: “فقد يجب لتستقيم القصة أن يُحَدَّد الزمان والمكان” (ص 22)، “كانت سيرة أم تمام وبنيها تمنع جيرانها من أن يعرفوا شيئا من أمرها، فقد كانوا يعتزلون الناس اعتزالا غير مألوف. ولكن أوان الحديث عن هذا الاعتزال لم يَئِنِْ بعد، فقد ينبغى أن نعرف قبل ذلك أم تمام هذه” (ص 92). وقد تكرر هذا الحرف فى القرآن بهذا المعنى عدة مرات: “قد نعلم إنه لَيَحْزُنك الذى يقولون”(25)، “قد يَعْلَم اللهُ المُعَوِّقين منكم والقائلين لإخوانهم: “هَلُمَّ إلينا”، ولا يأتون البأس إلا قليلا”(26). وكل الشواهد، كما ترى، تدور على تأكيد علم الله. ومن ذلك استعماله حرف الجر “على” مع الفعل: “غدا يغدو” بدلا من “إلى” التى نستعملها عادة فى هذا السياق، فهو يقول: “لن تغدو على الكتّاب إذا كان الصبح” (ص41)، “ثم لا يكاد الصبح يتنفس حتى يراه فى الطريق العامة غاديا على عمله” (ص 132) متابعة للعبارة القرآنية: “وغَدَوْا على حَرْدٍ قادرين”(27). ومنه قوله: “قد اكتسب ثروةً مكانَ ثروة، وكَنَزَ مالاً مكانَ مال” (ص 166)، الذى بناه على غرار قوله جَلَّ مِنْ قائل: “بدّلنا آيةً مكانَ آية”(28).
ولا يقف التأثر الطاهوى بالقرآن عند هذا الحد، بل يمتد إلى التأثر بتراكيبه: ومن ذلك قوله: “وهم يريدون أن أذكرهم أنا…، وإن كانت حياتهم تلك الأولى لأهون من أن يفكر فيها أصحابها” (ص 124)، وهو ما نجد أصله فى القرآن فى كثير من الايات مثل:”وإن كانوا من قَبْلُ لَفِى ضلالٍ مُبِين”(29)، “وإن كان أصحاب الأيكة لَظالمين”(30)، ومنه كذلك: “ليس هو نائما، وليس بيقظان، وإنما هو شىء بين ذلك” (ص 62)، “يتيح له أن يكفل لأهله حياة إن لم تكن رخية كل الرخاء فلم تكن ضيقة كل الضيق، وإنما كانت شيئا بين ذلك” (ص 126)، حيث نرى المؤلف يستخدم “بين ذلك” بدلا من “بين هذا وذاك”، التى نستعملها نحن الآن جريا على أن “البينية” تستلزم وجود طرفين هما “هذا” و”ذاك”، أما “بين ذلك” فتبدو وكأنها قد اكتفت من البينية بطرف واحد دون الآخر. وهذا غير صحيح، فالعرب يعدون “ذلك” فى هذا التركيب بمثابة “هذا وذاك”، وهذا ما جرى عليه القرآن، وإن كنا لا نجد ذلك الاستعمال فى الأساليب الحديثة، وهو ما لفتنى بقوة إلى وجوده فى كتابات طه حسين. ومن شواهد ذلك فى القرآن قوله تعالى: “ويريدون أن يتخذوا بين ذلك (أى بين الله ورسله) سبيلا”(31)، “وكان بين ذلك (أى بين الإسراف والتقتير) قَوَاما”(32). ومن التراكيب القرآنية أيضا فى أسلوب طه حسين: “ثم تثوب الشيخة إلى نفسها بعد أن شكَّت غير طويل” (ص 139)، “فكَّر غير طويل” (ص 181)، الذى يصطنع فيه التركيب الموجود فى قوله تعالى عن هدهد سليمان: “فمَكَث غير بعيد”(33). ومن ذلك أيضا قوله: “ولكن الله قد أراد بى خيرا” (ص 49)، وفيه تأثُّرٌ بقوله تعالى: “يريد الله بكم اليُسْر، ولا يريد بكم العُسْر”(34)، قالت: ما جزاء من أراد بأهلك سوءا…؟”(35)…إلخ. ووجه التركيب هنا أن حرف الجر المستعمل مع الفعل “أراد” هو “الباء” لا “اللام”، فنحن نقول عادة: “أراد فلان لى كذا وكذا”، أما “أراد بى كذا” فليس بالشائع. إنما هو استعمال قد تكرر فى القرآن، فقام طه حسين، بحسه اللغوى الرهيف وحرصه الشديد على توفير جو من الفخامة والجلال لأسلوبه، بالتقاط هذا الاستعمال ضمن ما التقط من درارى القرآن المجيد. ومن هذا نرى كيف أن أثر القرآن الكريم منتشر فى أسلوب الدكتور طه حسين انتشارا واسعا وقويا مختلِف الألوان ومندمجا فى معظم الأحيان فى تضاعيفه، فهو بهذه الطريقة أقرب إلى الخيوط الذهبية والفضية الداخلة فى نسيج الثوب منه إلى الحلية المنفصلة كمشبك الصدر مثلا الذى يوضع على الثوب فيزينه، لكنه يمكن أن يُنْزَع من موضعه بسهولة بالغة متى أردنا. والمعروف أن طه حسين قد حفظ القرآن الكريم فى صباه فى الكتاب، واشتغل عريفا صغيرا مع “سيِّدنا” يحفِّظ الصبيان الآخرين القرآن بدوره. كما أنه سلخ أعواما غير قليلة من شبابه فى الأزهر، والدراسة فى ذلك الجامع العريق تقوم أول ما تقوم على القرآن، سواء كان ذلك على نحو مباشر أو غير مباشر. زد على ذلك أنه، سواء فى قراءاته فى التراث أو فى محاضراته فى قسم اللغة العربية بكلية الآداب أو فى كتاباته، كان قريبا جدا من القرآن الكريم. وأهم من هذا كله أن الله سبحانه جَلَّتْ قدرته قد أسبغ على الرجل حافظة لاقطة أذكاها حرمانه من نور البصر واعتماده على سمع الأذن، كما وهبه ذوقا أدبيًّا رائقا بحيث لا يمكن أن يفلت من إسار هذا الكتاب الجميل الجليل حتى وإن اتخذ فى بعض الأحيان طريقا مخالفا لما يدعو إليه.
وفى أسلوب طه حسين ألوان من الموسيقى: فكثيرا ما نجد عنده الموازنة: أحيانا مع السجع والجناس، بمصاحبة المطابقة أو الترادف أيضا أو بدونهما، وأحيانا أخرى عارية عنها جميعا أو عن بعضها دون بعض. ثم إن هذه الموازنة قد تكون فى الجملتين كاملتين أو فى الجملة الواحدة كلها أو فى جزء فقط منها. ومن ذلك قوله: “فأنا أبعد الناس عن التحكم، وأزهدهم فى التجنى” (ص 23)، “وأقام فى الدار مُلْقًى فى زاوية من زواياها يُهْمَل فى ازدراءٍ، ويُمَرَّض فى عنف” (ص 40)، “كأنما دفعها إلى الوثوب لولب فى الأرض، أو جذبها إلى الوقوف سبب فى السقف” (ص 54)، “وما الذى يَعْنِينى من أن يُتْرَف المترفون حتى يقتلهم الترف، ومن أن يشقى الأشقياء حتى يهلكهم الشقاء” (ص 84)، “ولكنى أُعْرِض عنه بوجهى، وأنأى عنه بجانبى” (ص 124)، “لا يحتاج إلى كثير من ثقافة، ولا إلى إلحاح فى عمل، ولا إلى فضل من جهد، ولا إلى طويل من وقت” (ص 128).
كما أنه قد يجعل النعت صفة مشتقة من المنعوت، محدثا بذلك تجاوبا صوتيا بين اللفظين المتجاورين، وهو ما لا يجده القارئ عند غيره من الكتّاب إلا فى النَّدْرة الشديدة مثل: “البؤس البائس” (ص 86)، “جهدا جهيدا” (ص 93)، “فتنة فاتنة” (ص 112)، “جراءةٍ جريئة” (ص 145)، “عنفٍ عنيف” (ص 161)، “الرحمة الرحيمة” (ص 161)، “الهول الهائل” (ص 175). ويلحق بهذا العبارات التالية: “ثم أجد فى أقصى هذه الحارة الحقيرة حجرة حقيرة” (ص 51)، “نجمٌ من النجوم” (ص 65)، “صياح امرأةٍ تصيح، وبكاء امرأةٍ تبكى” (ص 71)، “كأنما دَفَعه دافع” (ص 105)، “أَقْوَى قُوّةً” (ص 145)، “أَرَقَّ رِقّة” (ص 96)، “أَشَقّ المشقّة” (ص 96).
وكثيرا ما يتعاقب عنده لفظان (أو أكثر) متساجعان ومتجانسان أو يكادان، كما فى الشواهد التالية: “خفيفةً ظريفة” (ص 14)، “الصدور والظهور” (ص 27)، “الجزع والهلع” (ص 27)، “الضجيج والعجيج” (ص 31)، “ضئيلاً نحيلا” (ص 43، 45)، “لم يخطر له قط أن للَّيْل جلالاً وأن للنهار جمالا” (ص 45)، “جامدةٌ هامدة” (ص 61)، “جسمه الضئيل، وقلبه العليل” (ص 61)، “رائعًا بارعًا” (ص 66)، “بلَفْظٍ أو لَحْظ” (ص 70)، “لا أريد أن أُعَلِّم جاهلاً، ولا أريد أن أعظ غافلاً ولا أن أنبه ذاهلا” (ص 88)، “لم أخترعها، ولم أبتدعها” (ص 90)، “ساهيًا لاهيا” (ص 142)، “يتشوَّفون ويتشوَّقون” (ص 149)، “لا يُغْنِى فيهم التحذيرُ ولا النذير” (ص 150).
ومن مظاهر الموسيقى فى أسلوب طه حسين كثرة المفاعيل المطلقة المؤكدة لعامله. وموسيقيتها ناتجة مما تحدثه مع عاملها من تجاوب صوتى يتمثل فى تكرير حروف الكلمة. فهذا التركيب التأكيدى يحدث جرسا موسيقيا، وهذه الموسيقى بدورها تؤكد المعنى… وهكذا. ومن الأمثلة على ذلك قوله: “يلقيه بين يدىْ أمينة إلقاءً” (ص 45)، “فانكبّ نحو الأرض انكبابًا” (ص 53)، “اقتطعتُها من نفسى اقتطاعًا” (ص 90)، “يختلس الوسائل اختلاسا” (ص 134)، “احتزّ القطارُ رأسها احتزازًا” (ص 149)، “نرى الشقاءَ يُصَبّ عليه صَبًّا” (ص 184). وللعلم فلهذا التركيب حضوره الملحوظ فى القرآن الكريم كما يتضح من النصوص التالية: “رأيتَ المنافقين يصُدّون عنك صدودا”(36)، “وكلّم الله موسى تكليما”(37)، “وفضَّلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا”(38)، “ونَمُدّ له من العذاب مَدًّا”(39)، “إنْ نظنّ إلا ظنًّا”(40)، “يوم تمور السماءُ مَوْرًا* وتَسِير الجبال سَيْرًا”(41). ولا أظن إلا أن الدكتور طه قد تأثر فى ذلك الملمح الأسلوبى بهذه النصوص وأمثالها.
كذلك من مظاهر الموسيقى لدن الدكتور طه كثرة التكرار الذى يتخذ صورا مختلفة: فمنها مثلا تكراره للكلمة مرتين متتاليتين بعطفه إياها على نفسها أو بجرّها إلى نفسها للدلالة على اتصال الحدث واستمراره كما فى الأمثلة التالية: “وانقطع صالح عن الكتّاب يومًا ويوما” (ص 33)، “أعادت عليها أمها المسألة مرة ومرة” (ص 53)، “يومًا بعد يوم” (ص 130)، “وأما عبد السيد فيثور ويثور” (ص 141)، “وجعلتُ أتضاءل وأتضاءل”، (ص 184)، “حُسْنًا إلى حُسْن، وروعة إلى روعة” (ص 59)، “وتخرج أم تمام من بيتها مع الصبح أياما وأياما فتستقبل بوجهها الغرب تتنسم ريح الموت فلا يحملها إليها النسيم” (ص 98)، أو تكراره لكلمة أو أكثر تكرارا متقاربا مرتين أو أكثر كما فى هذه الشواهد: “المواطن التى يقال فيها الحق، والمواطن التى يقال فيها الباطل” (ص 31)، “وأستطيع أن أُسَخِّرها فى عمل من الأعمال…: فقد أُسَخِّرها لبيع الخُضَر، وقد أسخرها لبيع الفاكهة، وقد أكلِّفها أن تصنع الخبز فى بيوت الأغنياء…، وقد أكلفها أن تغسل الثياب فى هذه البيوت” (ص 36)، “ونهض وهو لا يقدر على النهوض، وسعى وهو لا يقدر على السعى” (ص 47)، “فأنا أستطيع أن أذهب معه إلى السوق…، وأنا أستطيع أن أذهب معه إلى هذه الدُّور…، وأنا أستطيع أن أترك قاسما يشترى من السوق ما يشاء، وأن أترك سيدنا يطوف بالدور…” (ص 50)، ، “وإذا امرأة تساقط دموعها…، وإذا فتاةٌ تنتحب…، وإذا قاسم واجم أول الأمر…، وإذا امرأته تردّ عليه…، وإذا يداه تسترخيان، وإذا هذا الخير… يسقط إلى الأرض، وإذا عيناه تنطفئان، وإذا شفتاه تلتقيان ثم تمتدان، وإذا هو يسعى إلى حصيره…، وإذا امرأته تسمع صوتا خافتا…” (ص 61)، “وفتيان القرية يتسامعون بقصة خديجة…، وفتيان القرية يتحدثون عن جمال خديجة…، وفتيان القرية يُسِرّون فى أنفسهم حبا لخديجة…” (ص 47)، “بين أصوات الصِّبْية النحيلة الضئيلة…، وأصوات الصِّبْية التى أخذت تمتلئ…، وأصوات الشباب التى كادت تشبه أصوات الرجال…، وكانت هذه الأصوات…تحمل إلى الأذن شيئا حلوا رائقا…” (ص 102- 103)، “فى حجرات قليلة لا يظهر عليها الثراء، ولا يظهر عليها الضر، ولا يظهر عليها ما يلفت إليها أحدا” (ص 125)، “فيكون الاقتراض، ثم يكون العجز عن أداء الدين، ثم يكون امتناع القادرين عن الإقراض، ثم يكون الحرمان…، ثم يكون الحرمان…، ثم يكون الضيق بالحياة، ثم يكون الالتجاء إلى الأغنياء…، ثم يكون إعراض الأغنياء عن هؤلاء اللاجئين البائسين” (ص151- 152)، “فإذا نحن نراه عرضة للوباء، بل مرتعا للوباء. وأىّ وباء؟ وباء الكوليرا…” (ص 187).
ومن هذه المظاهر الموسيقية عند طه حسين كذلك تقليب الأمر على وجهيه سلبا وإيجابا باستخدام الألفاظ والتراكيب ذاتها تقريبا كما هو الحال فى العبارات التالية: “تمتد فيه الخطوط الحديدية من الشَّمال إلى الجنوب، ومن الجنوب إلى الشَّمال” (ص 41)، “فأدى صلاته لم يكلم أحدا، ولم يكلمه أحد” (ص 44)، “خبزٌ حافٍ تبعدان به الجوع عن نفسيهما، أو تبعدان به نفسيهما عن الجوع” (ص 52)، “ثم لم يحسّ شيئا، ولم يحسّه شىء” (ص 63)، “كأنه حلم يُلِمّ بنفوسهن فى آخر عهدها بالنهار وأول عهدها بالليل” (ص 79)، “لا أريد أن أغير منها قليلا أو كثيرا، ولا أحب أن يتغير منها قليل أو كثير” (ص 89)، “يحاول أحد أن يعينها، ولم تحاول هى أن يعينها أحد” (ص 98)، “لم يسمع أهل المدينة عنه شيئا، ولم يسمع هو عنهم شيئا” (ص 115)، “أساور… يُدْخِلْن فيها سواعدهن، أو يُدْخِلْنها فى سواعدهنّ” (ص 126)، “وأظن أنك رأيت الخطر الذى يسعى إلينا مسرعا، أو نسعى إليه مسرعين” (ص 155).
وقد عزا المازنى فى “قبض الريح” سمة التكرار والإعادة عند الدكتور طه إلى أنه كان، بسبب كفّ بصره، يملى ما يريد كتابته ولا يكتبه بيده، كما أن طول اشتغاله بالتدريس قد أكسبه التبسط فى الإيضاح والإطناب فى الشرح والتفصيل(42). أما مصطفى صادق الرافعى فقد عَدَّ هذا التكرار “شعوذة مطبعية”، وسخر منه وتهكم به قائلا إنه كان يقرأ مقالةً افتتاحيةً فى جريدة “السياسة”، ومعه أديب، فدفعها إليه وسأله: لمن هذه المقالة؟ فقال إنها بدون توقيع، فردَّ الرافعى بقوله: “لا يجب أن يكون التوقيع فى ذيل المقالة، بل قد يكون فى أثنائها”، فسأله صاحبه: “فأين هو؟”، فردَّ عليه متهكما: اسمع، هذا هو التوقيع: “فعلوا هذا. نعم فعلوه. فعلوه. أقسم لقد فعلوه. فعلوه”(43). كذلك عاد الرافعى إلى التهكم بهذا الأسلوب مؤكدا أنه فى كل ما قرأ من أساليب العرب لم يقابل قَطّ مثل الأسلوب الذى يصطنعه طه حسين كقوله فى صدر قصة المعلمين التى نشرتها له جريدة “السياسة” يومذاك: “نعم قصة المعلمين، فللمعلمين قصة، وللمعلمين قضية. وكنا نحب ألا تكون للمعلمين قصة، وألا تكون للمعلمين قضية، لأننا نربأ بمقام المعلمين عن أن تكون لهم قصة أو قضية، ولكنْ أراد الله، ولا رادَّ لما أراد الله، أن يتورط المعلمون فى قصة، وأن يتورط المعلمون فى قضية. ليست قضيتهم أمام المحاكم، وإن كانت أوشكت فى يوم من الأيام أن تصل إلى المحاكم، وليست قصتهم مُفْزِعة مُهْلِعة، وإن كانت أوشكت فى يوم من الأيام أن تكون مفزعة مهلعة”. ثم يعقِّب الرافعى على ذلك قائلا: “فهذه عشرة أسطر صغيرة دارَ المعلمون فيها عدد أيام الحسوم، وحُكِيَت القصة ست مرات، وكان للقضية فيها ست جلسات، غير ما هنالك من “مُفْزِعة” و”مُهْلِعة” قد أفزعت وأهلعت مرتين، وغير ما بقى مما هو ظاهر بنفسه. ولا ريب أن الأستاذ إما أن يكون قد نحا بهذا نحوا لا نعرفه وقصد إلى وجه لم نتبينه، فهو يدلنا عليه لنُجْرِيَه فيما أجريناه من أساليب البلاغة ونؤرخ له فى الذوق الجديد، وإما أن يكون عند ظننا به فى اعتبار هذه الكلمات رُقًى وطلاسمَ للتسخير بقوتها ورُوحانيتها. فإذا قرأ المعلمون هذه المقالة عشر مرات انحلّت المشكلة وجاءهم الرزق وهم نائمون”(44). ولا شك أن تكرار طه حسين فى كتاباته لا يصل عادةً إلى حد الثرثرة المضحكة التى تطالعنا هنا، إذ إن ما يتسم به أسلوبه المتأنى المنبسط من موسيقى وفخامة وأصالة ووضوح وسلاسة ودفء وتهكم وثقافة واسعة متنوعة الألوان يغطى فى كثير من الأحيان على هذه الثرثرة المتحذلقة، أو قل: يحولها إلى ثرثرة فنية لذيذة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى