أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / التخريب المنظّم تحت ستار التجديد

التخريب المنظّم تحت ستار التجديد

د. قصي غريب

كاتب وأكاديمي سوري
عرض مقالات الكاتب

من ميزاتنا أننا خلقنا بشرًا أحرارًا كرامًا ولسنا قطيعًا يهش عليه، والعلاقة بيننا وبين الله من دون واسطة، ومن المعروف أن النقد من أجل الاصلاح هو جزء مهم في الثقافة العربية الاسلامية وقد ورد في القرآن الكريم الآيات العديدة التي تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر، ومنها قوله تعالى: ” ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن النكر “.

وجاء في السنة النبوية عن رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم قال: ” من رأى منكم منكراً، فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان.

وورد في تاريخنا أن الخليفة أبو بكر الصديق – رضي الله عنه  قال عند توليه مسؤولية الحكم: ” يا أيها الناس، فإني قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني “.

وخطب الخليفة عمر بن الخطاب – رضي الله عنه  قائلًا: ” أيها الناس، من وجد منكم في اعوجاجًا  فليقومه. 

وقال الخليفة علي بن أبي طالب – رضي الله عنه : ” أعينوني بمناصحة خلية من الغش سليمة من الريب “.

من هنا فإن مبدأ ممارسة النقد قاعدة أساسية ومبدأ مهم في الثقافة والحياة العربية الإسلامية من أجل تجاوز الأخطاء والإصلاح.

لكن ما يحصل من هجوم منظّم على الدين الاسلامي والتاريخ والثقافة والحضارة العربية الإسلامية بذريعة التجديد والتنوير؛ ليست عملية نقد وإصلاح، بقدر ما هي حملة غوغائية ، تحت ذريعة جرائم وممارسات جماعات تزعم الوصل بالإسلام أو سوء أداء ما يسمونه بالإسلام السياسي، مركزين على السلبيات بشكل يثير الدهشة والاستغراب والاستنكار ، ولكن كما يبدو أن هناك موقفًا معاديًا من الدين الاسلامي والثقافة والحضارة العربية الإسلامية، لأنهم يصورون كل ما هو عربي واسلامي بشكل سلبي، ويرددون الخطاب الشعوبي القديم ذاته، إذ يرمون العرب والدين الإسلامي وكل ما يمت لهم بصلة بكل العيوب، ولذلك لا قيمة لتشهيرهم لأن الأحكام النقدية الصادرة عنهم ضد العقيدة الاسلامية وما أنتجته الحضارة والثقافة العربية الاسلامية من تشريع وفقه ومورث لم تأت عن طريق دراسات علمية وموضوعية للنصوص والأفكار والفتاوى والحوادث التاريخية وفهمها في سياقها الزمني والمكاني وأسباب لماذا صدرت وكيف حصلت ؟، بل أطلقت بناء على نوازع الهوى، فالناقدون الجهلاء يبحثون عما يقيمون به دليلًا متسقطين فكرة وحادثة هنا ورأي وفتوى هناك ومبالغين في تضخيمها وتظهيرها من دون معرفة ودراية وإدراك أسبابها، وهذه طريقة مبتذلة ورثة بامتياز، فهل ثمة ابتذال أكثر من أن يتحول النقد إلى مماحكات “شوارعية” تطرح جانباً البحث والدراسة والتمحيص في المشكلات والسلبيات الحقيقية في الفكر والتطبيق.

إن التنوير والتجديد له أشخاصه وأدواته وضوابطه، وﻻ يمكن أن يقوم به كل من هب ودب، وخاصة أنصاف المتعلمين المصابون بالفصام والشعور بالتهميش، الذين يعملون على لفت الأنظار إليهم من خلال التهجم وليس النقد على أسس منهجية علمية صحيحة، تحت شعار: ” خالف تعرف “، من أجل أن يحظوا بالشهرة واهتمام جهات معينة.

إن المشكلة تكمن في أن الذين يتصدرون مشهد مسألة التجديد في ديارنا أنهم ليسوا من المختصين الثقاة إنما من الجهلة ومن حثالات القوم وصعاليكه الذين بدأوا يرددون: نحن رجال وهم رجال ، في حين هم بالحقيقة يفتقدون الحصافة حيث يقومون بالبحث عن طريدة كي يأخذوها بالجرم المشهود في إثارة شبهات حول روايات وحوادث على طريقة المستشرقين، في حين أن مشكلتنا ليس بالنص والموروث إنما بالاستبداد !

لذلك إن شيطنة التراث الثقافي والحضاري العربي الإسلامي الذي كان له دورٌ فعّال في تشكيل الحضارة الإنسانية ،هي محاولة بائسة من أجل أن لا يكون له دورٌ في عملية النهضة والتحديث والتغيير في ديارنا وهو الضياع بعينه، لاسيما وأن هناك باحثًا غربيًا يدعى هانز فيشر لا يتردد في القول: ” إنه لا أمل للمجتمعات الإسلامية في الخروج من بوتقة الركود والتخلف إلا في التنكر لكل ما يربطها بالإسلام “.

في الختام وعلى الرغم مما يحيط بنا لكن يبقى الإيمان بقوله تعالى: فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

البعث النازي

المحامي عبد الناصر حوشان يشكل الاعتراف بالكرامة المتأصلة لجميع أعضاء الأسرة البشرية …