أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / فقدان الهويّة وتشتّت الأهداف

فقدان الهويّة وتشتّت الأهداف

علي الصالح الظفيري

ناشط سياسي سوري
عرض مقالات الكاتب

شعوبٌ متنوّعة القوميّات والثقافات والأديان ، كانت منسجمة مع بعضها ولو نسبيًّا لآلاف السنين ، وهذا كان من أهم إيجابيات الدول التي تعاقبت على الحكم في تلك البقعة الجغرافية التي تسمّى اليوم (الوطن العربي) وأحيانًا تسمّى ( الشرق الأوسط وشمال أفريقيا) ، وهي في الحقيقة تلك الدول المستحدثة عن تفتيت الدولة العثمانيّة .
طبعًا لا يغيب عن ذهن أيّ متابع أنّ الأيدي الخبيثة التي تُكِنّ العداء لتلك الشعوب بل وللإنسانيّة كلها ، فعلت مافعلت من إثارة نعرات قوميّة ، دينيّة ، طائفيّة ، مذهبيّة ، مناطقيّة و طبقيّة…و…و إلى آخره .
وحتّى في ظلّ الدُول القويّة التي حكمت ، وفي أوقات الضعف والتشرذم الذي مرّ بالمنطقة .
لكن كل تلك الخلافات لم تصل إلى مرحلة الطلاق الذي لا رجعة عنه ، لكنها طبعًا كانت تترك أثرًا سلبيًّا غالبًا في وجدان تلك الشعوب ، ومع تراكم تلك الآثار التي تجمعت عبر آلاف السنين استطاع أعداء الأمّة أن يوقضوا تلك الفتن النائمة ويلعبوا بها وهذا ديدنهم .
فبعد تقسيم الدولة العثمانية ، وهو مفصل تاريخي مهم لابد لأي متابع وقارئ للواقع ، ومخطّط للمستقبل ، أن يعي تلك المرحلة الحاسمة والمؤثّرة في بلدان المنطقة ، ويمحّص من كان يلعب بخيوط اللّعبة القذرة التي أُحيكت لنا .
تقسّمنا دُول ، ونالت كل دولة مساحة جغرافيّة محددة ، واسمها الخاص ونظام حكم معيّن ،
وهنا بدأ ضياع البوصلة ، فتقسّم النسيج الواحد على المستوى العشائري والديني والمناطقي ، بل وتقسّم كلّ شيء حتّى في داخل الفرد الواحد وأصبح كل شيء مجزّأ فلم تكن مقوّمات الوطنيّة مكتملة في البلد الواحد لتعزّز الروح الوطنيّة -ولم تُخدم أصلًا – ، لكن التي تغذّت بشكلٍ سريع وبقوّة هي النزعات الطائفيّة ، والعرقيّة ، والدينيّة ، و حتّى العشائريّة أحيانًا ، وتكتّلت تلك الأطياف ضمن أُطر أخذت أحيانًا شكلًا حزبي ، أو تنظيمي مبسّط ، أو شعور متحفّز ، وبالتزامن مع الدعم الخارجي المتنوّع لكلِّ فئة وتسخيرها لخدمة الداعم ومصالحه في تلك الدول ، وصارت الخطابات المتعدّدة والمتناقضة تُشتّت الوعي الفردي الهش أصلًا ، لذلك أصبحنا نلاحظ أن الفرد منّا أحيانًا تجده قوميًّا حتًى النخاع ، وفي الوقت نفسه دينيًّا يحنّ لعودة الحاضنة الدينيّة ، ويُدغدغ مشاعره الشعور الوطني جزئيًّا ، كما نراه متعصّب عشائري أو مناطقي !
بهذا التشتّت وتضارب المشاعر والعواطف يتحقّق الضياع وفوضى الإنتماء .
فضيّعت تلك الشعوب عقود من عمرها ، بل وقدّمت تضحيات كبيرة في الأرواح والأموال دون نتيجة مرجوّة ، فصارت تلك الشعوب تُجرّب عبثًا أصحاب الدعوات المختلفة ، والذين كثير منهم كان مرتبط بالخارج بل ومدرّب بإتقان ، أو على صُنِع على عجل ، وماتزال الشعوب في تلك المناطق تتصارع مع الذات ومع أفكار التيارات المتناقضة ، بحثًا عن البوصلة الضائعة ، وإيجادها سيكون ربّما من الصعوبة بمكان ، خاصة في ظل الدكتاتوريّات المتعاقبة والتي تغذّي الضياع والفرقة ، وتُلجِم نزعات و تغّذي أخرى.
وهذا نشهده جليًّا الآن في ثورات الربيع العربي . فالبعض يصر أن يحدد ماهية الحكم المنشود قبل إسقاط الأنظمةالدكتاتوريّةالمفروضة على الشعوب لعقود ، بل وكان التناحر بين العناوين العريضة المرفوعة الذي وصل إلى مرحلة التقاتل فرصة استغلتها الدول العميقة في كل دولة ، بل وتساعدت مع بعضها لتنقلب على الثائرين الصادقين ، وتعود لتسيطر على الحكم مند جديد بدعمٍ خارجي واضح المعالم ، لتعود تلك الشعوب إلى الدكتاتورية ، وتتقزّم كل تلك الشعارات وتتكسّر الأحلام الكبيرة على صخرة الواقع المرير .
فما أراه أنّ من أهم الإنجازات التي تُحقّقها شعوب المنطقة على مستوى النخب والقواعد الشعبية ، هو أن تجد الهويّة التي تتوافق عليها وتعمل على تحقيقها وتوحيد الجهود والإمكانيّات للوصول للهدف المنشود ، وهذا طبعًا يحتاج إلى الوعي والعمل الحثيث من الصادقين لتخليص تلك الشعوب من نير الخارج ووحل الداخل لنصل إلى بر الأمان إن شاء الله .

تعليق واحد

  1. رحمة النجرس

    جميل جزاكم الله خيرا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

بين يدي انتخاب المجرم

محمد سعيد سلام سياسي سوري قدم أحد الهياكل السياسية خدمة جليلة للسوريين عن …