مقالات

عبر مفاهيم خاطئة.. كيف خدم الإعلام السوري المعارض الأسد ونظامه؟

ياسر العيسى

صحفي سوري
عرض مقالات الكاتب

لاقى انهيار آخر برج من محطة زيزون الحرارية في سهل الغاب بريف حماة الغربي، اهتماماً واسعاً من قبل إعلام نظام الأسد الرسمي وشبه الرسمي، وأغلب إعلام المعارضة و ناشطيها على حد سواء، واتخذ كل منهم موقفه المعادي لمنفذ عملية انهيار البرج (الحزب الإسلامي التركستاني) ومن خلفه الهمز بـ”هيئة تحرير الشام”، البوصلة الرئيسة لتغطية الحدث.

حصل ذلك على حساب الحقيقة الأهم، وهي أن المحطة التي تعد من أبرز محطات توليد الكهرباء في سورية سابقا، دُمر ما يزيد من 90 في المئة منها على يد طائرات قوات النظام ومدافعه منذ عام 2015، بعد تمكن المعارضة من السيطرة عليها في تلك السنة، إثر معارك استمرت لأسابيع، مع الإشارة إلى أن الفصائل ذاتها عملت على الاستفادة من الحديد والنحاس بداخلها، قبل أن تخضع في وقت لاحق لسيطرة “الحزب الإسلامي التركستاني”، ليكمل ما بدأه قبلها بالأمس.

طبعا نحن بالمطلق لسنا من مؤيدي هذا الفعل (تفكيك يرج المحطة لبيع كخردة في الأسواق)، ولا مع الفصيل الذي قام به، لكن ما يدفع للحديث في الموضوع، هو التغطية الإعلامية من قبل الإعلام المعارض، أو من يُفضل أن يطلق على نفسه توصيف “إعلام الثورة”، سواء التقليدي منه، أو الالكتروني، الذي سخر كل إمكاناته للهجوم على الفصيل المنفذ للحدث بشكل خاص وعلى الفصائل الإسلامية بشكل عام، وللترويج لمواقفه السياسية والعسكرية من هذه الفصائل، ومما يجري في المنطقة، في مجاراة لإعلام النظام الذي استغل الحدث لتسويق وبث الأكاذيب والروايات التي دأب على نشرها منذ سنوات، والمتعلقة بـ”الإرهاب وفصائل الإرهاب المدمرة للبنية التحتية في سورية، والمسببة الأولى والأخيرة لما يجري في سورية” وفق زعمه.

تغطية الإعلام السوري بشقيه المعارض منه للنظام أو الموالي له، اتفقت على تسليط الضوء على زاوية واحدة من الحدث، ليترك أهم ما بقي منه، أو يُهمش على أحسن تقدير، وهو أن النظام لم يتوان خلال أسابيع من القصف على تدمير أبرز محطات توليد الكهرباء داخل البلاد، كانت تغذي أجزاء واسعة من محافظات حماة واللاذقية وإدلب وطرطوس، دون أدنى اعتبار لضررها على الإنسان السوري، آنياً.. ومستقبلاً، وذلك ضمن سلسلة أفعال أثبتت أن الأسد وقواته وحلفائه ومليشياته، المدمر الأول للبنية التحتية في سورية، وليس أعدائه بشتى أصنافهم وانتماءاتهم…!! 

هذه الحقيقة، حاول النظام ترويج ما يعاكسها، وجهد لتثبيتها في عقول أصدقائه وأعدائه على حد سواء، وكان الإعلام المعارض له عوناً له في ذلك أحياناً، وفي هذا الإطار، تمنيت أن يتضمن أحد عناوين أخبار الحدث الأخير، الإشارة إلى أن: الفصيل الفلاني يكمل ما بدأه الأسد.

من هنا، ليس من المبالغة القول، إن إعلام الثورة، أو معارضيه من الإعلاميين والناشطين، وعلى مدار تاريخ ما بعد آذار/ مارس 2011، مارس أحياناً دور المروج لروايات وسياسات خدمت النظام كثيراً، وإن كان ظاهرها العداء له.

المؤامرة حاضرة دائماً..!!

لعل ما يثير هذا الحديث اليوم، استمرار سلسلة التفسيرات والتبريرات وحملات الترقيع لكل هزيمة أو انتكاسة للنظام، عبر تكريس قناعة مفادها، أن النظام هو من دبرها ونفذها، وأنه لا يصدر أي شيء من رجالاته دون تخطيط وعلم منه، والمستفيد هو وحده فقط.

طبعاً المثال الأخير في هذا المجال، مناسبته ظهور رامي مخلوف، وما أبرزه من تآكل وتصدعات وتشققات أفقية وعمودية موجودة داخل النظام، ولكن انبرى في هذا المجال، الكثير من المحسوبين على المعارضين للنظام، ليروجوا رواية “المؤامرة” التي يدبرها الأسد، وأن ما يحصل لمصلحة نظامه، وأنه خروج مخلوف مُدبر من الأسد شخصياً، في إيهام مقصود أو غير مقصود، بأن النظام قوي ومترابط، وما زال ممسكاُ بمقاليد الأمور.

ربما ما زلنا نتذكر، كيف أنه في أوج ضعف النظام العسكري، وما أن تنهزم قواته في منطقة ما أمام قوى معينة ومن بينها داعش، حتى يأتي من يروج أن الأسد هو من انسحب لغاية في نفسه، وأن أغلب خسائره العسكرية كانت بقرار وإرادة منه، وأن معارضيه أضعف من أن يقتلوا قائداً عسكرياً له، أو يهزموه ميدانياً، إلا إذا أراد هو، وبموافقة منه، ليحقق من ذلك هدفاً ما..!!

في السياق، وفي كل مرة يُقتل فيها ضابط كبير أو أحد أركان النظام، يأتي من يقول: الأسد من قتله لهذه الغاية أو تلك، ليكون أعداء الأسد عبر هذه الروايات، عوناُ له في تقليص تأثير خسائره السياسية والعسكرية والإعلامية.

طبعاً لا يمكن نكران وجود رؤوس كبيرة، وربما استخبارات عالمية تخطط للنظام وتسيّره وفق مجرى الأحداث لديه، لكنه بالمقابل ورغم كل ذلك انهزم، وانهار في أيلول/ سبتمبر 2015، لولا تدخل الروس الذين صرحوا بأنهم جاؤوا لإنقاذ ما تبقى من النظام قبل أسبوعين من سقوطه نهائياً.

وبمناسبة حديث البعض حول وجود “مؤامرة” من ظهور مخلوف الأخير، نتساءل: من قال إن النظام لا يزخر بالحمير والأغبياء والمنتفعين والمتسلقين الذين يشذون عن سياساته وأجنداته بقصد أو من غير قصد، وأن في داخله صراعات وتناحرات، تمنعه من حشر الجميع في “حظيرته”، دون نكران أن بعض ما حصل كان للنظام يد خفية فيه،  لكنه يبقى ضمن الاستثناء، وليس القاعدة حسب ما يروج.

على سبيل المثال.. لا الحصر

في هذا السياق، وإذا ما عدنا إلى الوراء أكثر، لنستذكر مفاهيم يتم ترويجها، وأحداث تمت تغطيتها، لابد من الإشارة إلى مصطلح اعتقد أنه يجافي الحقيقة، وهو: “قوات النظام والميليشيات التابعة له”، أو “الميليشيات المتحالفة معه”. لماذا؟

كلنا يعلم أن جميع من يقاتل مع النظام اليوم، يتلقون أوامر، وينفذون خطط ممن جندهم، وتُحدد رواتبهم في موسكو وطهران، ويشمل ذلك أحيانا حتى جنود الأسد من السوريين، وبالتالي قوات النظام هنا تمارس دور التابع، وليس المتبوع، أو الحليف. 

ينطبق ذلك أيضاً على مصطلح “مناطق سيطرة نظام الأسد”، في الوقت الذي كان يجب ترويج وتثبيت بدلاُ عنه مصطلح “تواجد نظام الأسد”، لأن القاصي والداني يعلم بأنه لا سيطرة للنظام على شبر واحد في سورية، والآمر الناهي في مناطق تواجده هما الروسي والإيراني، ناهيك عن مصطلح مؤيدي النظام ممن اثبتت الوقائع، أنهم من النظام ذاته، بل وأحد اركانه ومن المجدفين الأساسين في مركبه، وهم ما يمكن وصفهم بـ”الأبرياء المزيفون”، وفق تعبير زكريا تامر، الذي أكد على حقيقة أن “حليف القاتل هو قاتل، وصديق القاتل هو قاتل، وكل من يؤيد القاتل هو قاتل، وأي قول آخر هو خداع وتضليل وماء وسخ يحاول أن ينظف الرؤوس الملطخة بالدم”.

ذات الأمر ينطبق على تسليط الأضواء من قبل المعارضين للأسد والثائرين ضده وإعلامهم، على أن الثورة السورية تمت مصادرتها من قبل الإسلاميين، وتسببت بفشلها، وأن الدعم والتعاطف الدولي توقف بسبب ذلك، وليس لأن هناك قرار دولي بعدم انتصار هذه الثورة، ورفض سقوط الأسد، الذي روجوا ولا ما زالوا على عدم وجود البديل الأفضل منه، رغم عدم تسجيل تاريخ ما بعد الحرب العالمية الثانية ما هو أسوأ منه، وباعتراف بعض من يؤيد بقائه ويرفض رحيله.

ومن الأكاذيب التي روجها النظام وساعده معارضون له، كذبة أن الفلسطينيين خذلوا الثورة السورية، ووقفوا مع النظام، مستشهدين بمواقف كيانات وشخصيات فلسطينية ربما لا يمثلون إلا القلة من الشعب الفلسطيني، الذي تعاطف أفراده وما زالوا بشكل كبير مع الثورة ضد الأسد، ويحز في أنفسهم ما حدث للسوريين على يد الأخير، مع التنويه إلى أنه عندما تتواجد فئة من السوريين مؤيدة للأسد، فمن باب أولى أن يكون لهم أقران بين الفلسطينيين وغيرهم من الشعوب المتعاطفة معنا، لكن يعمد الإعلام السوري المؤيد، وأحيانا المعارض، إلى إظهار الغث منهم فقط.

فزاعة “التقسيم”

 بالأمس، واليوم كذلك، خطاب إعلام المعارضة وسياسيه، وأسوة بخطاب نظام الأسد، يصر على وضع مصطلح “سورية موحدة غير مقسمة” في مقدمة أولويات الحل، ويضعها في مرتبة الصدارة، أمام حقوق الإنسان السوري التي وضعت في مرتبة أقل أهمية من قضية تقسيم الأرض، وكأن السوري لما أشعل ثورته، أشعلها من أجل الأرض أولاً، لا من من أجل الإنسان أولاً، وآخراً.

ومما استطاع النظام جر المعارضين وإعلامهم إليه أيضاً، اتخاذ قضية الجولان أو إعادة رفات الجندي الإسرائيلي وعدم الرد على الغارات الإسرائيلية، وتجنب مقاومته لها “مقياساً” للبرهنة على خيانة الأسد وعائلته، وكأن قتل مئات الآلاف من السوريين أو قصفهم بالكيمياوي، وهدم مدنهم وبلداتهم وتهجيرهم، وكذلك تسليم البلد للروس والإيرانيين، ليست أدلة أوضح وأكبر على الخيانة، وبشكل يفوق خيانة التعامل مع إسرائيل، أو تسليم رفات جندي، أو عدم إطلاق رصاصة في الجولان.

أما إن كان ربط مصطلح الخيانة بما يفعله الأسد مع إسرائيل، بهدف إقناع من في مركبه بكذبة “المقاومة والممانعة”، فيجب عدم نسيان أن هؤلاء يعرفون أكثر مني ومنك بأنها كذبة، وهم عندما أيدوا وركبوا في مركبه، كانت لديهم أسبابهم وقناعاتهم الدافعة لذلك، وبالتالي لا يوجد أي دافع يقنعهم بالتخلي عنه، سوى انتفاء هذه الأسباب، والتي – المقاومة والممانعة – ليس من ضمنها حتماً.

وما دام حديثنا عن مصطلح الخيانة، تذكرون كذلك مصطلح “الضفدع”، الذي انتشر بكثافة بين المعارضين السوريين وإعلامهم، ليتصدر أحياناً عناوين أخبارهم وتقاريرهم، ويصبح بديلاً عن التسمية الأصلية: “الخائن”. وبالتالي التقليل من وطأة وفداحة فاعل هذا الجرم الخطير والشنيع، لنشاهد الناس – عندما تقرأ أو تسمع هذا المصطلح- تضحك أسوة بما يفعلونه في النكات فيما بينهم: دون أن يهتز لهم كيان، أو تثير لديهم مشاعر الإنسان السليم، عندما يذكر أمامه خيانة شخص ما.

ربما كان غاية الترويج لمصطلح “الضفدعة”، إلقاء كل أخطاء الثورة وجرائم وتجاوزات بعض قادتها وكياناتها، على ما أطلق عليهم هذه اللقب، لكنه بالمقابل خدم النظام كثيراً، لأنه “قزّم” مفهوم الخيانة لدى العدد الكبير من الخائنين العاملين معه سراً.

ختاماً: النظام لم يكتف منذ بداية الثورة ضده على استخدام إعلامه الرسمي وشبه الرسمي لتحقيق أهدافه، بل حاول إيجاد كيان معارض متشابه معه في السلوك والنهج والتفكير، وامتطاء صهوة الإعلام المعادي له، واستطاع قيادة دفته في بعض الأحيان، ما ساعده على ترقيع خسائره، والتخفيف من نتائج هزائمه وانكساراته.

إعلام المعارضة من المؤسف أنه اُستثمر من قبل النظام.. وأعداء الثورة، ولا أعلم إن كان سبب ذلك انعدام مهنية لدى من تملكوا زمام هذا الإعلام، أم انعدم أخلاق عندهم.. أم انعدم الاثنان معاً..؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى