أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / مستقبل الحداثة في ظلِّ ريادة أمريكا 5 من 6

مستقبل الحداثة في ظلِّ ريادة أمريكا 5 من 6

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

أمَّا ما ذكرته الآية 17 في الإصحاح 16 من سفر رؤيا يوحنَّا اللاهوتي عن “أَصْوَاتٌ وَرُعُودٌ وَبُرُوقٌ“، فقد شهدت عام 2018 وحده العديد من العواصف الرعديَّة، ناهيك عن الفيضانات والسيول.

صورة 27-صواعق رعديَّة

هذا ويتضمَّن سفر رؤيا يوحنَّا اللاهوتي العديد من الآيات، التي تبشِّر بحدوث زلازل، وعواصف رعديَّة، وبروق، منها (إصحاح 8، آية 5)، و(إصحاح 11، آية 13)، و(إصحاح 11، آية 19). وتروي السيدة عائشة-رضي الله عنها وعن أبيها-عن رسول الله (صلَّى الله عليه وسلم)، أنَّه قال “يكون في آخر هذه الأمة خسف ومسخ وقذف، قالت، قلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟، قال: نعم، إذا ظهر الخبث”، والحديث في صحيح الترمذي. وقد أخبر الرسول الكريم كذلك عن كثرة الزلازل في سُنَّته، ومن هذا حديث في صحيح البخاري، عن الصحابي أبي هريرة، أنَّ الرسول (ﷺ) قال “لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، قَرِيبٌ مِنْ ثَلاَثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَحَتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ وَتَكْثُرَ الزَّلاَزِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الهَرْجُ: وَهُوَ القَتْلُ”.

مؤشّرات على انهيار الاقتصاد الأمريكي

يتناول عبد الحميد (2012) مسألة في غاية الخطورة، وهي إيذان الاقتصاد الأمريكي بالانهيار؛ بسبب تراكم الديون، التي تُقدَّر بـ 21.6 تريليون دولار، في 28 أكتوبر 2018، وفقًا لتقديرات نشرها موقع Treasury Direct، التابع لوزارة الخزانة الأمريكيَّة. ووفقًا لتحليلات مكتب التحليل الاقتصادي التابع لوزارة التجارة الأمريكيَّة، فإنَّ الدين العام، بدءًا من عام 2012، أصبح يجاوز الناتج المحلِّي الإجمالي؛ حيث أنَّ الناتج الإجمالي لم يصل إلى 20 تريليون دولار، بينما تخطَّى الدين العام 21 تريليونًا. ويستعرض عبد الحميد آراء المحللين الغربيين بشأن السقوط المتوقَّع لأمريكا؛ نتيجة لانهيار اقتصادها. ومن بين ما تعرَّض له الكاتب، التوقُّعات بحدوث أزمة شديدة في أمريكا بسبب عجز الإدارة عن تسديد مديونيَّتها، وستأخذ تلك الأزمة شكل فقدان الدُّولار قيمته، وارتفاع جنوني في الأسعار؛ سيسفران عن تضخُّم حاد، وكذلك عن هروب رؤوس الأموال من أمريكا، إيذانًا بحالة من الفوضى والانهيار الداخلي (ص151). يستشهد عبد الحميد في ذلك بما جاء في كتاب Bankruptcy 1995: The Coming Collapse of America and How to Stop It-الإفلاس 1995: سقوط أمريكا القادم وكيفيَّة إيقافه (1993)، والذي تنبَّأ كاتباه بكارثة اقتصاديَّة ستعصف بالإمبراطوريَّة الأمريكيَّة، إن لم تُتَّبع تدابير الوقاية اللازمة. يشير أحد مؤلفي الكتاب إلى اعتقاده صعوبة خروج أمريكا من أزمتها الاقتصادية، وإن كانت دولٌ أخرى خرجت من مشكلات مشابهة؛ والسبب هو تراكُم الديون الداخليَّة والخارجيَّة، التي تُنذر بتجاوُز المديونيَّة الناتج المحلِّي، وهذا ما حدث بالفعل منذ عام 2012، كما سبقت الإشارة.

ويقول جور فيدال في كتابه The Decline and Fall of the American Empire-هبوط الإمبراطوريَّة الأمريكيَّة وسقوطها (1992)، إنَّ الدفاع يستنزف 90 بالمائة من ميزانيَّة الدولة، التي تضطر إلى تزييف نسب عائداتها لإخفاء ذلك. ويقترح فيدال حلًّا لذلك الانسحاب من حلف الناتو، وإيقاف المعونات العسكريَّة لإسرائيل. ويضيف فيدال أنَّ الولايات المتَّحدة خاضت حروبًا في شرق آسيا، وأمريكا الوسطى، والشرق الأوسط حروبًا لا جدوى منها، لعب الإعلام دورًا مخادعًا فيها، بأن أشاع أنَّ تلك الحروب كانت لمساندة العالم الحر، بينما هي كانت لمساندة أنظمة ديكتاتوريَّة تعادي حقوق الإنسان.

تناولت قناة روسيا اليوم في تقرير مفصَّل لها مع الخبير الاقتصادي الأمريكي اشتراكي النزعة، ريتشارد وولف، خطر الانهيار الاقتصادي في أمريكا، المتوقَّع خلال الفترة المقبلة. يعيب وولف أوَّل الأمر على النظام الاقتصادي الرأسمالي، الذي تتَّبعه أمريكا، خلقه فجوة اجتماعيَّة صارخة بين طبقات المجتمع الواحد، بما لا يختلف بالكليَّة عن النظم الإقطاعيَّة التي حكمت أيِّ من بلاد العالم، بما في ذلك المستعمرات الأمريكيَّة قبل الاستقلال. يرى الخبير الاقتصادي أنَّ الرأسماليَّة عجزت عن تنفيذ ما وعدت به، والآن تعمل على إلهاء الناس عن هذه الحقيقة. يلقى وولف اللوم أكثر شيء على ارتفاع النفقات، ولا يري أيَّة دلائل على ما تدَّعيه الإدارة الأمريكيَّة من اتخاذ إجراءات لإنعاش الاقتصاد، وبخاصَّة ما يقال عن تحسين أوضاع العمالة، مع ركود مستويات الأجور. ويتَّهم وولف الإدارة الحالية للرئيس دونالد ترامب بمحاولة تشتيت الجماهير عن التردِّي الاقتصادي، بإبراز مشكلة التهديدات الإرهابيَّة “الخارجيَّة”، وكأنَّ الإرهاب صار استراتيجيَّة إلهاء عن حقيقة الأوضاع داخل أمريكا؛ وكأنَّ الإدارة تلقي اللوم في مشكلات نتجت عن سوء الأداء الاقتصادي على عاتق آخرين.

ونشرت روسيا في 24 أكتوبر من عام 2018 ميلاديًّا، تقريرًا عن قُرب انهيار الاقتصاد الأمريكي، وتوقُّعات بهبوط الدُّولار معه، وأجرت خلاله مداخلة مع الخبير الاقتصادي الأمريكي بيتر شيف، المدير التنفيذي لشركة “يورو باسيفيك” للتحليلات الماليَّة وإدارة الأصول. تأسَّف شيف على أنَّ أزمة التجارة العالميَّة في 2008، لم تُحل، إنَّما تفاقمت، بتفاقم الدين الأمريكي. يقول الخبير المالي المخضرم أنَّ الانهيار الاقتصادي سيكون مدوِّيًا، كلَّما تباطأت مساعي الحل، ولكنَّ السياسيين لا يريدون مواجهة هذه الحقيقة، على حدِّ وصفه. يزداد العجز بسبب تجاوُز النفقات العائدات، والرئيس الأمريكي يتَّجه إلى تحسين القدرات الدفاعيَّة لأمريكا، مستحدثًا سلاح الدفاع الفضائي الجديد، مما سيستنزف مزيدًا من الأموال. يضيف شيف أنَّ البورصة تتراجع، مما ينذر بكساد جديد؛ وقد ينتج عن هذا الكساد مشكلة سياسيَّة متضافرة مع المشكلة الاقتصاديَّة؛ لأنَّ اللوم سيُلقى على عاتق الحزب الجمهوري، وستبرز الاشتراكيَّة، بوصفها حل المشكلة. ستصيب الكارثة الدُّولار الأمريكي أكثر شيء، وسيتبع ذلك تراجُع في مستوى معيشة الفرد في أمريكا. المفارقة أنَّ مجري الحوارين، مع ريتشارد وولف ومع بيتر شيف، هو الصحافي الأمريكي كريس هيدجز، الذي هو في الوقت ذاته من كهنة الكنيسة المشيخيَّة البروتستانتيَّة. يقدِّم هيدجز نفسه باعتباره اشتراكيًّا، معترفًا باعتناقه فِكر اللاسلطويَّة المسيحيَّة، وهي حركة دينيَّة تدعو إلى فصل المسيحيَّة عن السلطة. ألَّف الإعلامي الأمريكي عدَّة كتب، أحدثها America, The Farewell Tour-أمريكا، رحلة الوداع، الصادر في عام 2018، والذي يتناول حالة التردِّي التي أصابت أمريكا في العقود الأخيرة، وتنذر بسقوط تلك الإمبراطوريَّة العظمى.

انهيار المُجتمع الأمريكي

شارك كريس هيدجز في عدَّة ندوات للتعريف بما في كتابه الجديد، كما حلَّ ضيفًا على برنامج The Agenda with Steve Paikin، المذاع على قناة TVOntario الكنديَّة، كشف فيه عن نظرته “التشاؤميَّة” تجاه بلاده، الناتجة عن اشتراك أمريكا في العديد من الحروب المخلِّفة لملايين الضحايا، وانتشار تعاطي المخدِّرات، وارتفاع مستوى البطالة. يختلف هيدجز مع المحاور في طرحه أنَّ الإعلامي اشتراكي النزعة، يشترك مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في نظرته إلى حالة البلاد؛ لأنَّ ترامب، كما يرى هيدجز، يلقي باللوم دائمًا على عوامل خارجيَّة، من بينها التيارات السياسيَّة المعارضة، والإرهاب الإسلامي، دون تركيز على أداء الإدارة الحاكمة. يشير هيدجز إلى أن المقصود بـ “رحلة الوداع” هو رحلة الإمبراطوريَّة الأمريكيَّة إلى الفناء، وهي رحلة قد تمتدُّ لأعوام، كما ينطبق على الإمبراطوريَّة البريطانيَّة، التي بدأت تتراجع مكانتها، منذ نهاية الحرب العالميَّة الأولى في 1919 ميلاديًّا، وحتَّى تأميم قناة السويس في عام 1956، حينما صعدت أمريكا إلى الواجهة، وتسلَّمت زعامة العالم. يرى هيدجز أنَّ المؤسسات الاجتماعيَّة والثقافيَّة في أمريكا تتهاوى، وأنَّ المجتمع الأمريكي بطبيعته “عنيف”، شغوف بتطوير الأسلحة بكافَّة أنواعها، معربًا عن خشيته من أن تتسبب سهولة الحصول على الأسلحة، خلال فترة تفكُّك الإمبراطوريَّة العظمى، في كوارث.

يعتقد هيدجز أنَّ تراجُع الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة بدأ في السبعينات من القرن الماضي، حينما تبدَّل الحال من التركيز على الإنتاج، إلى الانشغال بالاستهلاك، ومنذ ذلك الحين بدأ معدَّل النمو في الانخفاض، بينما زاد معدَّل الاستهلاك. ويرى الصحافي الأمريكي أنَّ ما يُعرف بـ corporate capitalism، أو رأسماليَّة الشركات، من أهم أسباب تفاقُم الأزمة الاقتصاديَّة، ضاربًا المثل في ذلك بشركة أبل الإلكترونيَّة الشهيرة. تستعين أبل بمتعهِّدين في دول آسيويَّة، مثل الصين وتايوان، في تصنيع أجزاء منتجاتها؛ ويستعين هؤلاء المتعهِّدون بدورهم بعمَّال محليين، يحصلون على أبخس الأجور، ويعانون من سوء المعاملة، وانخفاض مستويات المعيشة، وتردِّي حالة الإقامة، مما يدفع بعض هؤلاء العمَّال إلى الانتحار، أو إلى احتراف مهن محظورة. يعطي هيدجز بذلك صورة في غاية الوضوح لطبيعة انتهازيَّة الشركات الكبيرة، وتركيزها على أرباحها الفرديَّة، بغضِّ النظر عن مدى استفادة العاملين لديها.

يتناول هيدجز في كتابه كذلك المشكلات الاجتماعيَّة الخطيرة التي تعاني منها الولايات المتَّحدة، على رأسها تعاطي المخدِّرات، مشيرًا إلى إجرائه جولة شملت مختلف أنحاء البلاد، وتأكَّد بنفسه من ارتفاع نسبة الإدمان. يتأسَّف الصحافي الأمريكي على تسبُّب الإدمان في الكثير من حالات الانتحار، وفي غير ذلك من المآسي التي تمزِّق المجتمع الأمريكي؛ على ذلك، يدعو هيدجز إلى مواجهة ذلك “العدو” بالطرق السليمة، من خلال مساعدة المدمنين في العلاج، ثمَّ في تجاوُز الاكتئاب المصاحب للعلاج، ثمَّ في العودة إلى المجتمع من خلال أداء أدوار بنَّاءة؛ ويحذِّر من عدم استجابة منظومة المجتمع إلى احتياجات هؤلاء، وإلَّا تزايدت مآسي المجتمع الأمريكي، الذي يعاني من التفسُّخ من الأصل بسبب تفكُّك اللحمة الاجتماعيَّة.

نشرت صحيفة واشنطن بوست، عبر موقعها، في 14 سبتمبر من عام 2018، مراجعة لكتاب كريس هيدجز America, The Farewell Tour-أمريكا، رحلة الوداع (2018)، تحت عنوان A relentlessly dark indictment of global capitalism، أو إدانة شديدة اللهجة للرأسماليَّة العالميَّة، شدَّدت على “التأثيرات المدمِّرة” للنظام الرأسمالي العالمي على المجتمعات العالميَّة، وأوَّلها المجتمع الأمريكي. يرى هيدجز أنَّ الرأسماليَّة العالميَّة تشكِّل نظامًا قاسيًايستخدم فقط سياسات انتقاميَّة. التعسُّف، والخوف، والعنف، والترويع الشرطي، والسجن الجماعي وسائل هذا النظام لفرض الرقابة الاجتماعيَّة، وهو يفتت الأمَّة والعالم بأسره لتحقيق الربح“. يصوِّر هيدجز هذا الوضع المأسوي، على حدِّ وصف صحيفة واشنطن، باعتباره تجسيد لما توقَّعه كارل ماركس نهايةً للرأسماليَّة. يرى هيدجز أنَّ المواطن الأمريكي قد وقع ضحيَّة ستَّة أمور أصبحت تسيطر على حياته، هي الإدمان على المخدِّرات، والإباحيَّة، والقمار، ونظام العدالة الجنائيَّة، والجماعات المتطرِّفة، والبحث عن عملٍ مجدٍ ومربح. ولا يجد الصحافي الأمريكي، والقسُّ المشيخي، مخرجًا من تلك الأزمة إلَّا من خلال مقاومة مدنيَّة للرأسماليَّة، معتقدًا أنَّ “أواصر التضامن والوعي ستوحِّد معدمي الأرض في مواجهة أسياد الشركات في العالم”. ويطرح كاتب مقال واشنطن بوست تساؤلات في النهاية، وهي إذا كانت الدعوات إلى ثورة اشتراكيَّة عالميَّة على الرأسماليَّة تتعالى، “كيف ستكون هذه الثورة؟ وكيف ستحصل حركات النشطاء محدودة النطاق على القوَّة اللازمة لهزيمة الآليَّة الرأسماليَّة العالميَّة؟ والسؤال الذي ربما يكون أهم، ما هو الشكل الذي ستتخذه الاشتراكيَّة، ويختلف عن المحاولات المأساويَّة خلال القرن العشرين للوصول إلى بدائل مضادَّة للرأسماليَّة؟”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

المغرب لما يرغب قريب (4 من10)

مصطفى منيغ سفير السلام العالمي مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي في سيدني-استراليا عرض مقالات …