أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وأدب / وليدي صاير زلمة

وليدي صاير زلمة

سميرة بدران

أديبة سورية
عرض مقالات الكاتب

لم تتخلف عن الحضور اليومي إلى باب المحكمة (القصرالعدلي بدمشق) منذ سنتين ونيف

إم عماد امرأة في العقد الخامس من عمرها ، لكن الهموم والآلام حفرت أخاديد عميقة على وجهها الفراتي الأسمر، بعباءتها الكالحة وغطاء رأسها المائل وعينيها الذابلتين المترقبتين تحطُّ رحالها كل يوم، باكراً، على رصيف المحكمة، تتابع بلهفةٍ الشاحنات المحمَّلة بالمعتقلين، الداخلةَ إلى الساحة الكبيرة، تبدأ يومها بفيضٍ من الحيوية الممزوجة بالتوتروالشوق، ثم يمضي الوقت ثقيلاً، هادماً لهفتَها وانتظارها، مولداً يأساً لايزول، ومرارةَ فقدٍ لا تغادر، لتعود في اليوم التالي، بأمل جديد، واشتعال زاهٍ، فتنتهي كما انتهت في اليوم السابق.

أم عماد هجرت الراحة وهجرت مدينتها دير الزور، بحثاً عن عماد، طفلها الذي اعتقلته قوات الأمن العسكري في ديرالزور إثر حملة عشوائية مجنونة، لم يكن قد أتمَّ الرابعة عشرة من عمره (يومها) ولم يكن قد بقي من أقاربه من يتابع غيابه فيبحث عنه.

بيتها الذي تركه زوجها الشهيد باعته بـ(تراب المصاري) علها تحرر ابنها وتعيده إلى حضنها (المصاري تجي وتروح بس الولد حرام يروح وما شاف شي من حياته) قصص رفيقات الرصيف ورواياتهم كانت تخفف عنها كثيراً، وتدعمها فتصبر، وتحتسب، تمضي ليلها بالصلاة والاستخارة والأدعيات، ونهارها بالبحث والترقب والتفاوض غير المجدي مع سماسرة الأرصفة المنتشرين كالجراد..

 لكن الصور التي انتشرت كالنار في الهشيم، صور قيصر في تقارير موثقة عن جرائم الأسد، والتي تناقلتها الصحف ووكالات الانباء، تلك التي أثارت الكثير من الغضب والشجب، وقُدِّمت إلى المحكمة الجنائية الدولية كأدلة على جرائم ضد الإنسانية،  دفعت بها إلى حافة الجنون أياماً طويلة، كانت تنتقل من رفيقة إلى أخرى كل يوم، تسألهن عمن رأت الصور، تمد يدها بصورة ابنها التي لا تغادر راحة يدها،
– هل رأيتن بين الجثث من يشبه ابني ؟
وتتابع الصور واحدةً واحدة، منتبذةً زاويةً قصية، مع أم سمير على هاتف الأخيرة المحمول، تحملقُ في الصور كثيراً، تقرب الهاتف حيناً، وتبعده حيناً، تنظر بخوف إلى العساكر عند الباب الرئيسي، تمسح المكان بطرف عينيها واجلة ،

  • –       – كبِّري لي هذه الصورة

تفتح عينيها ثم تَزمُّهما، تنظر بدقَّةٍ أكثر، تُعاينُ التفاصيل ..
– هذا كبير، ابنك أصغر منه بكثير..!!
– لكنه يشبهه كثيراً، سنتان ونصف يا أخيَّه، ربما تغَيَّر شكلُه
– قد يكون …لكن هذا في الثلاثين أو أكثر… 
تقلّب الصورَ ثانيةً، الدموع تحجبُ المشهد ..واليأسُ يقطعُ التأمُّلَ..
تغلق الهاتف ثم تناوله لأم سمير.

-الشاحنة البيضاء تقترب يبدو أنها قادمة من الأمن العسكري،  
تقف جميع النساء، يقتربن من الباب، باب القصر العدلي الكبير
تقترب أم عماد كثيراً، تُفلِّي المعتقلين القابعين في مقاعدهم في الشاحنة، محنيِّي الرؤوس والجذوع.

 يدٌ في آخر الشاحنة ترتفع، رأس شاب يومئ من بعيد، يلحّ في إيماءة يده
يلح في لفت الانتباه، إنَّه يقصد واحدةً منهن، تتنبه أم عماد لليد، تقترب من الزجاج، تَزِمُّ عينيها المتورمتين من السهر والبكاء،
تقترب أكثر وأكثر، تلتصق بزجاج نافذة الشاحنة البيضاء، تتحرَّك الشاحنة ببطء، يُفتح الباب الرئيسي ببطء، تلتصق أم عماد تماماً بالزجاج، تسير محاذية للشاحنة،  ينتبه الضابط المرافق للمعتقلين، يلتفت برأسه نحو آخر ركاب الشاحنة، يلج الممر مسرعاً، يقترب من صاحب اليد التي ارتفعت في مؤخرة الحافلة، يشتمه ، يسبّه ، ثم يهجم عليه بعقب البارودة،
ضربتان على الرأس، تخمد اليد، ثم يهتزُّ الرأس، يرتفع مضرجاً بالدمّ ، ثم يهدأ، تسكن حركته تماماً.
تصرخ أم عماد، تولول كلبوة جريحة، تلج السيارة الباب الرئيسيَّ مسرعةً..
– وليدي ، وليدي ..!! تقع على الأرض وهي تتمتم : (له شوارب، وليدي كبران، صاير زْلِمَة، صارله لحية وشوارب، وليدي -زياد- جنين قلبي)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

القول الصحيح في وسائل الإعلام سلسلة مقالات تهدف إلى تقويم اللسان وتصحيح الأخطاء الشائعة في وسائل الإعلام 40

نصير محمد إعلامي وباحث في اللغة العربية. من أخطاء الترجمة تغطية coverage يطرق …