ثقافة وأدب

ثورة البدوي خلف

محمد الفضلي

كاتب وأديب سوري
عرض مقالات الكاتب

إن العمل في مراكز وأقسام الشرطة المختلفة…يجعلك تتعرض لقصصٍ مختلفة، وهناك العديد منها، وبعض تلك القصص كانت غير مألوفة عما اعتاده كثير من الشعب السوري، لكن والحق يقال: فكثير من تلك القصص، كانت تؤشر لما كان يغلي في الصدور باتجاه النظام، حتى انفجر في الثورة السورية العظيمة، ومنها قصتنا التالية:

في العام 2007 صدرت تعليمات إدارية، وقانونية، للتخفيف من عقوبة شتم رئيس الجمهورية، وعممت حتى القضاء، ومراكز و مخافر الشرطة، والجهات الأمنية، واعتبرت جريمة غير أمنية وانتشرت شائعة تقول:
“أن الرئيس أسقط حقه الشخصي”
وللطرائف أن كان لهذا القرار نتائج عكسية، فلا أحد، ولو سراً صار يشتم الرئيس، استناداً لقاعدة “كل شيء مباح غير مرغوب به”.

“خَلَف” شابٌ بدويٌ عمره يناهز الأربعين عاماً، يعمل في لم الخرداوات (القراضة) ويقطن في اللاذقية، ولذا تراه بثيابٍ مهترءة، وقلما يهتم بمظهره الخارجي
وخلفٌ هذا… يتقد فطنةً، وذكاءً، و ذاكرةً حافظة، وكان قد استحصل على شهادة الثانوية العامة بمعدل عالٍ، لكن ظروفه المعيشة، ووفاة والده أدت إلى تركه الدراسة، واﻻتجاه للعمل في لم الخرداوات،
وماذا سيفعل إنسانٌ بلغ من العمر مابلغ، ولم يتعلم صنعة سوى القراءة؟!.
قلما تشاهد خلف صاحٍ غير سكران، وخاصة بعد وفاة والدته، فما يجنيه من عمله يشتري به زجاجة خمر (بطحة عرق)، ويشربها حتى آخر قطرة، ويمشي في الشارع وهو يتغنى بأبيات شعر، مما حذا بأن ينعته من يعرفه بالجنون، وخلف هذا هو ذاته الذي أحضرته لي دوريةٌ من الأمن العسكري، وظنوه “سلفياً” لطول لحيته، وأطلقت سراحه.
أوقفته عدة مرات بجرم السكر العلني، لكن وبعد صحوه في اليوم التالي… كنت أتلمس العبقرية الكامنة خلفَ “خلف” عندما كان يحدثني بالفصحى بإتقانٍ قلّ نظيره.
وعندما أيست منه في أن يترك المشروب، كنت أتركه ولا أسجنه، فكانوا كلما يأتوني به في حالة السكر العلني، أطلب من العناصر وضعه تحت الماء حتى يصحو قليلاً، ثم أتركه يذهب بسلام.
خلف وكما صرح لي أنه يقدرني، ويحترمني كثيراً، ﻷني ﻻ أقوم بضربه، أو تحقيره، أو أدع أحد يفعل به ذلك، على غير عادة أقسام الشرطة.
في العام المذكور… أمسكت إحدى دوريات الشرطة التابعة لي “خلف” وهو بحالة السكر الشديد، وهو يقوم بشتم بشار بأقذع الشتائم، فلم يترك أماً أو أختاً، أو قريباُ من آل اﻷسد، وحتى الدرجة العاشرة إﻻ وناله نصيب من شتم خلف.
كان بعض العناصر من طرطوس الحاقدة، قد حاولوا ضربه، إلا أن المساعد من إدلب منعهم، بحجة أنه سيؤدي ذلك إلى وفاته (وهذا حقيقي بسبب نقص السكر في الدم للسكير)
عند مشاهدة الدورية، ومعهم خلف، نهرتهم لمخالفتهم تعليماتي بعدم إحضاره، لكن أخبرني المساعد القصة، وشتمه لبشار.
خلف عند مشاهدته صورة بشار في قسم الشرطة، عاد للشتم مخاطباً الصورة (يا أخو المنيو…ماذا تفعل؟ ماتحل عن طي…شكلك أجدب، والله ﻷفعل وأترك بأمك أنت، و عائلة الأسد…وغيرها من الشتائم البذيئة)
قمت بتهدأته ودار بيننا الحوار التالي:
-ويل لك يا خلف… ياخلف ماذا حدث لك؟ ألم أقل لك اترك هذا السم الذي تشربه؟.
-على رأسي سيادة الملازم أول محمد. ..أنا والله أحبك أحلى ملازم بالشرطة.. هل الاخوات شرمو…ماذا تفعل بينهم؟
-خلف…صلِ على النبي، وهدئ من أعصابك، وﻻ تسب أحد.
-أحبك والله. ..لكن قالوا لي أن الأخو منيو…بشار أسقط حقه الشخصي، وأنا من ثلاثين سنة أريد شتمه، وأتتني الفرصة…لكن أحبك أنا.
-ضحكت وقلت : طيب الآن ستدخل السجن، وتضع رأسك، وتنام، وفي الصباح ترحل، وﻻ تعد إلى هنا أبدا.
-الله يوفقك، الله يسعدك، الله يحميك سيادة الملازم أول محمد.
فخاطبت العناصر:
-طيب خذوه، وإياكم أن يؤذيه أحد بحرف، أو يستفزه.
خلف يمشي، ويشير إلى صورة بشار، ويقول أبياتا من قصيدة بنغمة سكيّر، لم يفهمها أحد غيري …
يقول:
في عصر زيت الكاز
يطلب شاعرٌ عربي ثوباً
وترفل بالحرير قحاب…
ضحكت حتى فحطت برجلي، والأبيات من قصيدة نزار قباني “ياتونس الخضراء” التي هجا فيها كل القادة العرب.
في اليوم التالي صباحاً، أخرجت خلف، وكان يتواجد إلى جانبي رئيس القسم العقيد الطائفي الحاقد غياث جوني من مشقيتا اللاذقية، فأخبرته خبر خلف، فطلب مني تركه، وصرفه إلى المنزل .
خلف ﻻزال بحالة السُكر.
قلت له: خلف اذهب من هنا إلى المنزل، لأن العقيد تركك، وﻻ تعد للشتم، أو تسب أحدا بعد اليوم.
قال لي: الله يوفقك يا سيادة الملازم أول وقرأ قصيدة
أتصحوا أم فؤادك غير صاحي…(قصيدة جرير)
فقاطعته : ﻻتشكرني، لكن اشكر العقيد، والسيد الرئيس الذي عفا عنك.
لكنه صاح في وسط القسم:
في عصر زيت الكاز …
يطلب شاعر عربي ثوباً
فقمت باسكاته، ووضعت يدي على فمه، ونهرته:
-اسكت.. ﻻتتكلم وﻻ كلمة، وانصرف من هنا، لا أريد رؤية وجهك مرة أخرى هل فهمت؟!
قال العقيد غياث:
مابه؟ هذا شو م يقول… هل فهمت عليه ؟!! ليكون م يسبنا، والله مالي ما أفهم عليه شيء.
أجبته: هذا يقول شعر غزل، ويريد أن يسترسل بقصيدة لا تنتهي.. سأصرفه لا ينقصنا كلام فارغ.
قال العقيد: دعه يقول القصيدة، ربما تحوي ووصف نساء، وجنس(سكس)
فأجبته: سأصرفه.. ألا تشم رائحته؟! ألا ترى شكله؟!
-طيب …أصرفه
فصمت خلف، ورحل، وأنا أحمد الله أن خلف لم يكمل أبيات شعره “الغزلية” وإلا كنا أمام مصيبة كانت ستحدث لخلف..من ضربٍ وتعذيبٍ وإهانةٍ.

هل كان خلف يعرف ماسيحدث فيما بعد؟! أو هل كان يعرف أن الثورة السورية العظيمة ستقوم؟!
أنا أعتقد أن خلف اليوم غير سعيد، ﻷنه ليس الوحيد الذي يشتم بشار.
لكن والشهادة لله أن: لخلف قدمُ سبقٍ في شتم ذاك القابع في قصر المهاجرين بدمشق، والذي فعل ببلادنا مافعل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى