مقالات

التراشق بين أمريكا والصين حول مخترع الفيروس

نعيم مصطفى

مدير التحرير
عرض مقالات الكاتب

إن تفشي بعض الأمراض المعدية والقاتلة ليست وليدة هذا العصر كما يتراءى لبعض الناس، فالجائحة الكورونية التي نعيش تحت ضرباتها الفتاكة، قد تجرع غصصها من عاش قبلنا، ولكن بأسماء أخرى مغايرة إلا أن الفعل متشابهاً ويكاد يكون واحداً، والأمثلة على ذلك كثيرة وعلى رأسها الطاعون والكوليرا والأنفلونزا الإسبانية، فقد ذهب ضحية تلك الأمراض الملايين من البشر، ولم يعزوها أحد آنذاك من الصحفيين أو السياسيين أو الأطباء إلى نظرية المؤامرة على البشرية ولكن الجائحة التي تغزو عصرنا، كثر فيها الكلام والنقاش والحوارات والاتهامات والتراشق بين مسؤولي الدول.

ومن المعلوم أن ولادة هذا المرض  وترعرعه كان في أحضان الصين وفي مدينة ووهان تحديداً، ثم طار بين الدول حتى كاد أن يجوب الكرة الأرضية برمتها، وأحدث بلبلة وهياج واستنفار وهلع بين الشعوب والأنظمة على حد سواء.

وقد كانت الشرارة الأولى لطرح نظرية المؤامرة وأن هذا الفيروس مصنّع وليس طبيعي المنشأ، هي الصين، فقد سارعت بعد حلول ذلك الوباء على أراضيها بتوجيه أصابع الاتهام إلى الولايات المتحدة قائلة: إن جنودها قد نقلوا هذا المرض عمداً وعن سابق قصدٍ وتصميم وإصرار وتخطيط.

ولكن الولايات المتحدة رفضت تلك التهمة وردتها إلى صاحبتها قائلة: إن إرهاصات الوباء قد بدأت وتشكلت وآتت أكلها السامة في رحاب الصين، وقد أطلق الرئيس الأمريكي على هذا الوباء ( الفيروس الصيني) حتى يُحمّل المسؤولية الكاملة للصين، ومن ثم كبرت دائرة التراشقات بين الدولتين الكبيرتين واستفحلت.

والواقع أن ظهور الفيروس مختلف عليه بين السياسيين وبين الأطباء، فالسياسيون يميلون أنه مصنع بأيدي بشرية آثمة، أما الأطباء، فيجنحون إلى أنه وباء طبيعي حلّ على البشرية.

ولا نريد الوقوف والتحقق حول أي الرؤيتين أقرب إلى الصواب، وإنما نفترض أن الوباء مصنع، فأي الدولتين أرجح في اختراعه، الولايات المتحدة أم الصين؟

والجواب على ذلك وبموضوعية ودون التحيز لإحدى الكفتين يكمن في نظام البلدين.

فالولايات المتحدة دولة ديمقراطية عريقة يشهد لها أعداؤها قبل أصدقائها بذلك، ففيها المعارضة الحقيقية وفيها الصحف الحرة وفيها المنظمات الحقوقية…

وإذا ما حصل أي حدث مهما كان حساساً أو خطيراً في داخل الولايات المتحدة أو خارجها فلا بد أن يكشف على أقلام وألسنة المنظمات والصحفيين أو السياسيين الأمريكان قبل غيرهم، ويمكننا سوق أمثلة لإثبات شفافية تلك البلاد ومصداقية ديمقراطيتها من خلال بعض الانتهاكات التي حصلت في تاريخ الولايات المتحدة القريب وعلى رأس ذلك ما حصل في غوانتانامو وأبو غريب.

ففي عام 2004سيق بعض العراقيين إلى سجن أبو غريب ومن ثم عُذبوا وانتهكت كرامتهم وإنسانيتهم فما كان من بعض الصحف والمنظمات والمؤسسات إلا أن رفعت صوتها منددة بتلك التصرفات المشينة بحق الولايات المتحدة، وقد استجيب لتلك الأصوات وفتحت لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ تحقيقاً، أفضى في عام 2008 إلى أن الانتهاكات لم تكن مجرد تصرفات فردية، وأشار إلى أن مسؤولين من مستوى عال بالإدارة الأمريكية أجازوا استخدام أساليب تحقيق عنيفة ضد المعتقلين، وقد حُكم على بعض الجناة بالسجن لمدة عشر سنوات.

وأما غوانتانامو فكانت قاعدة بحرية استأجرتها الولايات المتحدة من كوبا منذ عام 1903 وقد جعلتها الحكومة الأمريكية معتقلاً ولكن هذا المعتقل كان فيه أيضاً مثل أبي غريب انتهاكات لحقوق الإنسان، مما دفع بصحيفة واشنطن بوست عام 2004 لنشر وثائق سرية تظهر أن وزارة الدفاع الأمريكية وافقت على استخدام أساليب تعذيب ضد معتقلي غوانتانامو تشمل حرمانهم من النوم وتعريضهم للبرودة القاسية والحرارة الشديدة  والأضواء المبهرة والموسيقى الصاخبة خلال عمليات الاستجواب.

وإدا ما تحولنا إلى الضفة الأخرى ونعني بها الصين، فإننا نجد بوناً شاسعاً بين الدولتين، فالصين دولة شمولية قمعية ديكتاتورية يحكم رئيسها إلى الأبد، يفعل ما يشاء ولا يمكن لأحد أن يحاسبه لأنه يرى أن نفسه فوق القانون فضلاً عن ذلك خلو الدولة من أي صحيفة معارضة أو حزب معارض حقيقي، وإنما يجب على كل المواطنين أن يتناغموا مع القيادة والحكومة وقراراتها وإلا مصير أي شخص فتح فمه للنقد هو السجن والعقوبات الأخرى.

ومن خلال ما تقدم نصل إلى نتيجة مفادها أن الفيروس لو كان مصنعاً فهو من صنيع الصين، ولوكان من صنع أمريكا لصدعت بذلك الصحف والأصوات المعارضة من داخل أمريكا، وأما بعض التحليلات التي تصدر من هنا وهناك بمحاولة ترامب تجيير هذا الحدث لأجل أغراض انتخابية فهو تحليل يقف على أرض طينية كما أرى. 

وفي النهاية، لم أقم بالانتصار لرواية الولايات المتحدة حباً بها وانحيازاً لها- فالدولتان على مسافة واحدة تقريباً من العرب والمسلمين – وإنما هدفي وغرضي انتصاراً للحقيقة وعدم بخس الناس أشيائها.   

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى