حقوق وحريات

إضاءات سياسية (4)

هيثم المالح

عرض مقالات الكاتب

محاضرة عن فلسطين في ولاية دالاس- تكساس الأمريكية

24/01/2004

السلام عليكم أيها الحضور الكريم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :

فلقد حضرت من بلاد الشام البعيدة لأزور ابناً أو ألتقي بصديق ، ولم أكن أعرف أنني سأواجه قدري في لقاء هذا الجمع الكريم .

ولقد كنت ظننت نفسي أنني عزفت عن اعتلاء المنابر ، وركوب الصعاب ، ومواجهة قدري في الكلام ، فأنا رجل هرم آن له أن يستريح ويترك الساحة لمن هو أقدر منه على خوض غمار الكلمة ، وخاصة في مناسبة كهذه التي نجتمع من أجلها ، ولكن قدري هو الذي ساقني لأكون بينكم ، بعد أن كلفني بعض الكرام باعتلاء هذا المنبر ، فلقد تركت قلبي في بلاد الشام ، تركته في فلسطين ، تركته في بيت المقدس وبيت لحم ، حيث يجري تدمير شعب بأكمله واقتلاع أشجاره ونهب ثرواته أمام سمع وبصر هذا العالم الظالم الذي يدعي التحضر والحرية وحماية حقوق الإنسان .

 وأما إذا استعرضنا عالمنا العربي والإسلامي ، فأقول هل نسي العرب والمسلمون وحكامهم إخوانهم في فلسطين ؟

وهل طال عليهم الأمد فملوا وأبطأ النصر وأبطأ فيئسوا ، وكثرت عليهم المصائب والمحن فأغمضوا عيونهم عن المصائب واستسلموا ؟

ولو كان سهماً واحداً لاتَّقَيتُهُ

 ولكنَّه سهمٌ وثَانٍ وثَالِثُ



                                   أبو بكر بن العربي
                               
كم  أُداوي   القلبَ   قَلَّت     حيلتي

 كلما  داويتُ  جرحاً   سال   جرحُ

  أبو الصوفي

هل لي أن أتكلم عن قضية تتكلم هي عن نفسها بأفصح لغة ؟ فلا أحد منا يجهل ما يجري في فلسطين ، في قلب بلاد الشام ، في قلب العروبة والإسلام من تنكيل وقتل وتشريد وتدمير تقشعر له الأبدان !.

لقد عمد الغرب خلافاً (للقانون الدولي) إلى خلق دولة صهيونية عدوانية في فلسطين وتم طرد نصف شعبها خارج أرضه ووطنه ، ثم عمد إلى تسليح هذه الدولة الغاصبة بأسلحة الدمار الشامل وغير الشامل كما غض الطرف عن متابعة إنتاجها لهذا النوع من الأسلحة مع علمه الأكيد بإنتاجها ، ومول خزانتها بمساعداته المالية الطائلة حتى غدت أقوى دولة في الشرق الأوسط ، ولا يزال هذا الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة الأمريكية يدعم عدوانية هذه الدولة بكل ما أوتي من سلطان قوة ، ولا يزال يمد خزانتها وترسانة أسلحتها بكل ما هو حديث متطور .

أي احترام للحقوق يمكن أن يطالب به في زمن التردي الأخلاقي الذي تتولى أمريكا كبره ، فتهدم بيديها كل ما شيده الإنسان من قيم الحق والعدل والمساواة والديمقراطية وحقوق الإنسان ، وكل ما حققه من تقدم .

هل نستطيع أن نرفع نداء الأخلاق لصيانة الحقوق في وطن يتعرض لأشرس هجمة همجية تهدم يومياً بيوته فوق رؤوس ساكنيها ، وتقتلع أشجاره على أعين زارعيها ، وتغتال شبابه وتقتل أطفاله ونساءه ، ثم لا يكون من سدنة النظام العالمي الجديد إلا أن يرموا الضحية بالإرهاب ، ويزود القتلة بأحدث آلات الدمار والخراب الأمريكية لرفع كفايته في مواصلة عدوانه ، وليتمكن من صد حجر الطفل الفلسطيني الذي يجمعه من أنقاض بيته المدمر ولا يقذف به أبعد من خوذة الجندي الذي يرميه بوابل الرصاص .

ثم ليرسموا له خارطة طريق يتصدقون عليه فيها بدولة فلسطينية ممزقة الأوصال منـزوعة السلاح على أجزاء من أرضه وفي أحضان دولة مزودة بأعتى آلات القتل والدمار ؟ .

ثم يمنع شعب كامل تم تهجيره من أرضه من العودة إليها أمام سمع وبصر الأمم المتحدة ، وأمام سائر القوى العظمى التي تتشدق بالحرية وبحقوق الإنسان ، وبتحد سافر للشريعة الدولية ولقرارت الأمم المتحدة حتى ليصدق فيهم قول الله تعالى :

) … فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ( [الحج : 46]

هل أعود لأتكلم عما يجري في فلسطيننا الحبيبة ، وفيها المسجد الأقصى أولى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين والذي بارك الله حوله بقوله تعالى :

) سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ … ( [الإسراء : 1] .

هل أتكلم عن الأرض يدنسها الصهاينة كل صباح ومساء ؟ يتوجهون بأسلحتهم المدمرة ليقتلوا الأطفال والنساء والشيوخ ، ويغتالوا الشباب بقلوب باردة لا تعرف للحق معناً ولا للظلم حدوداً ؟ .

من لهؤلاء الذين ينكبون يومياً بدورهم وأطفالهم ونسائهم وشيوخهم وشبابهم إلا إخوانهم الذين ينتشرون في بقاع الأرض ليعمروها بعملهم آمنين لا يخافون قتلاً ولا تشريداً بينما إخوانهم في فلسطين يعيشون تحت الحصار والرعب والدمار ؟ .

كيف لنا أن نفعّل قول الرسول الكريم :

«الْمُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» متفق عليه .

وماذا سيبقى لنا من الحياة إذا أجهز العدو على ما تبقى لنا من أرض في فلسطين وشرد شعبنا تحت ما يقال عنه الترحيل أو(الترانسفير) .

وماذا ينفعنا المال إذا فقدنا شرفنا وكرامتنا وأرضنا التي هي جزء من هذا الشرف والعرض ؟

وكيف سيواجه الواحد منا ربه يوم لا ينفع مال ولا بنون ؟ هل سيقول للواحد الديّان لقد شغلتني الدنيا وجمع المال وإسعاد العيال عن واجبي في إنقاذ إخواني ومد يد العون لهم ، وكيف لنا أن نفعّل قول الله تعالى في كتابه العزيز :

) … وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ … ( [الحديد : 7]

وقوله تعالى :  

) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ … ( [النساء : 39]

وقوله تعالى : 

) … وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً … ( [الرعد : 22]

وقوله تعالى : 

) … وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ ( [فاطر : 29]

 وقوله تعالى :

)… وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ( [البقرة : 272]       

وقوله تعالى :

  ) لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آَتَاهُ اللَّهُ … ( [الطلاق : 7]    

وقوله تعالى :

) وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ ( [الأنفال : 60]        

ولو رجعنا إلى آيات القرآن الكريم التي تحض على الإنفاق لوجدناها تتجاوز الخمسين آية وأما الآيات التي تدعو إلى العمل فيه تناهز المائة والثلاثين آية ، والإنفاق جزء من العمل ، والمال عصب الحياة فلا استمرار لها دونه ، ولذلك عندما يحث الله المسلمين على الإنفاق فإنما يحثه على المساهمة في إعمار الأرض واستمرار الحياة عليها .

 ومن أحق بأموالنا أكثر من هؤلاء المرابطين في أرض فلسطين ؟ يدافعون عن شرف الأمة ويتحملون ما يمارسه الإرهاب الصهيوني من قتل ودمار ، فبرغم ما يعانوه من نقص في المواد الطبية والإغاثية وانهيار في التعليم فقد استمروا في مواجهة الظلم والطغيان ومقاومة الاحتلال ومحاولات التهجير اليومية التي تمارسها الآلة الصهيونية صباح مساء ، ذلك أن من أهداف الدولة الصهيونية في فلسطين إنما هو الحيلولة بين شعبنا هناك وبين العلم الذي به تتقدم الأمم والذي حث الإسلام عليه في آيات كثيرة وأحاديث نذكر منها قول الرسول الكريم : «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ …» صحيح ابن ماجة للألباني ، وقوله تعالى في كتابه العزيز في العديد من آيات الذكر الحكيم منها :

) الرَّحْمَنُ  % عَلَّمَ الْقُرْآَنَ % خَلَقَ الإِنْسَانَ % عَلَّمَهُ الْبَيَانَ ( [الرحمن : 1-4]

وقوله :              

) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ % عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ  ( [العلق : 4-5]

      وقوله :              

) … هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ … ( [الزمر : 9]

 وقوله :

) بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ … ( [العنكبوت : 49]             

وقوله تعالى : 

) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ … ( [سبأ : 6]     

وقوله تعالى :

) …  يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ … ( [المجادلة : 11]       

وقوله تعالى :       

) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا … ( [يوسف : 22]

وقوله تعالى :       

) وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا … ( [النمل : 15]

وكثير من الآيات القرآنية تبين فضل العلم الذي به تقوم الأمم وتزدهر الحضارة ولذا فليس غريباً عن دولة العدوان أن تضع المخططات للحيلولة بين شعبنا في فلسطين وبين العلم وذلك بالاستمرار في خلق الصعوبات أمامه وإلهائه بعدوانها المستمر وصرف أنظاره عن متابعة علومه حتى تكون هي متفوقة عليه في كل مجال وتكون لها الغلبة والسيطرة على منطقتنا بأثرها .

 ثم إن دولة العدوان هذه من جهة أخرى وبآلياتها العسكرية وجرافاتها وحواجزها المنتشرة في كل مكان إنما تتسبب بنقص موارد شعبنا الفلسطيني بحيث لا يمكنه من معالجة مرضاه وإسعاف جرحاه والمصابين في المستشفيات ، وتحول بين هؤلاء والوصول إلى المشافي للمعالجة والإسعاف كما المرضى الآخرون ، وهذا ما يدفعنا بالتفكير بإيجاد المشافي المتنقلة التي بها يسعف المصابون ويخفف بها من عناء الحصار المفروض على إخوتنا في فلسطين .

فإذا كان العالم الغربي الذي يدعي الحضارة والحرية وحقوق الإنسان قد تذرع بما سماه الإرهاب الفلسطيني ليتخلى عن قيامه بواجباته المنصوص عنها في الشرعة الدولية فهل يتخلى عنه إخوانه أيضاً ؟

إننا مدعوون في هذا المكان وفي كل مكان إلى مواصلة دعم شعبنا في فلسطين بكل ما أوتينا من مال وسلطان وما تتيحه لنا السياسة ولسوف نسأل أمام الله عن تقصيرنا (لا سمح الله) إذا حصل هذا التقصير .

فمن لإخواننا في فلسطين غير إخوانهم المحيطين بهم في كل مكان وتربطهم فيهم وشائج القربى والعقيدة ليكونوا عوناً لهم في محنتهم التي يواجهونها صباح مساء ، وكيف لهم أن يستمروا في مقاومة العدوان إذا تخلى عنهم إخوانهم ؟

هل لنا أن نفعل أقوالنا ونبتعد عن الشعارات والكلام في الهواء الذي لا يتحول إلى عمل ؟

ومن لنا بقول الأستاذ عصام العطار :

وَيْلَ الشِّعاراتِ إنْ جَلَّتْ وإنْ جَمُلَتْ
وَوَيْلَ قَوْمٍ إذا أَقْوالُهمْ بَهَرَتْ
وَنِعْمَ قَوْمٌ إذا أَقْوَالُهمْ صَدَرَتْ
أَلْفِعْلُ أَبْلَغُ مِنْ قَوْلٍ وإنْ سَحَرَتْ
والقولُ يَعْظُمُ بالأفعالِ شَامِخَةً
 

 ولا يُصَاحِبُها فِعْلٌ وَلا مَثَلُ
بِلا فِعَالٍ ، فذاك الْغِشُّ والدَّجَلُ
كانَتْ فِعَالَهُمُ أَوْ زَادَ ما فَعَلُوا
بَلاَغَةُ الْقَوْلِ مَنْ أَصْغَوْا وَمَنْ نَقَلُوا
وَيَصْغُرُ الْقَوْلُ إنْ لم يَعْظِمُ الْعَمَلُ


بِب

وبعد أيها الإخوة فاٍن كلاً منا يذهب لعمله بصورة اعتيادية ثم يعود لداره بعد الانتهاء منه وهو مطمئن إلى أنه سيجد كل شيء على حاله كما تركه ، أما إخوتنا في فلسطين فإذا غادر الواحد منهم داره فقد لا يستطيع العودة إليها ، وإذا ترك أهله فقد يعود ولا يراهم ، ويرى داره التي كان يسكنها قد أتت عليها الجرّافات ويكون مصيره بالتالي التشرد والنوم في العراء ، ويصرخ وتصرخ أسرته معه وأطفاله وما من معتصم يجيب ، والعالم ، كل العالم ، قد أصاب سمعه الصمم فلم يعد يسمع ، وآثر السكوت في وجه الطوفان الإسرائيلي في فلسطين فأصيب بالبكم ، وتحكم بنو صهيون في سياسات العالم ، ورفع المجرم شارون عصاه فوق رؤوس ساسة العالم يهددهم تارة ، ويتذرع بمعاداة السامية في وجه كل من تسول له نفسه الانتصار للمظلوم تارة أخرى ، وأسدل الإعلام الغربي ستارة سوداء على هول الكارثة حتى لا ترى من المواطنين والناخبين الذين يساقون للإدلاء بأصواتهم في انتخابات سوف لا يكون من نتاجها إلا مزيداً من الدعم لدولة الإرهاب والعدوان في فلسطين .

وختاماً أيها الإخوة فإننا مدعوون لأن نغير منهجنا في الحياة وأن نشعر بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقنا و بالمخاطر الكبرى التي تواجهنا في كل مكان من عالمنا العربي والإسلامي ، وفلسطين هي الخطوة الأولى في الاتجاه الصحيح .

ألا هل بلغت اللهم فاشهد ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

دالاس – تكساس : السبت 24 كانون الثاني/يناير 2004 – 02 ذو الحجة 1424

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى