حقوق وحريات

القيامة – انشقاق لأجل الحرية (1)

محمد الفضلي

كاتب وأديب سوري
عرض مقالات الكاتب

{يومٌ “أسقط نظامي” وغيّر لي فكري وجعلني أشتعل ثورة في كل معتقداتي}.

حلّ ذلك اليوم أخيراً… اليوم الذي قلب لي حياتي كلها رأسا ًعلى عقب، يوم ٌغيّر كل الأنظمة والخطط والبرامج التي كنت أسير عليها منذ أن جئت إلى هذه المدينة، يومٌ أسقط نظامي الشخصي وغيّر لي فكري وجعلني أُشتعل ثورة في كل معتقداتي.

 قبل هذا اليوم كنت موظفاً بسيطاَ في بقعة منسية من سوريا، أتلقى الأوامر وأنفذها في منظومة قانونية وإدارية، أحاول فيها أن أجتهد ضمن خطوط عريضة مرسومة لا أتجاوزها.

هذا الإنفجار الكبير الذي أحدثه يوم 25/3/2011 في اللاذقية وما حصل بعد ذلك، أصابني في عميق نفسي وحرك كل مالدي من مشاعر واحاسيس، حاولت ألا أظهرها في عملي الذي يتطلب قدراً كبيراً من الحيادية في الحكم على الأمور.

حسناً.. إنها الثورة يا صديقي، التي انتشلتني من المستنقع الذي دخلته بملء إرادتي، كنت شاباً سورياً يحمل هموم مجتمعه وأمراضه، يهرب إلى كلية الشرطة بعد تخرجه من كلية الحقوق في دمشق، حتى لا يعمل خادماً في مزرعة ضابط الجيش الذي كان ينتظره في الخدمة الإلزامية، أو لكي لا يصبح محامياً تافهاً يبحث عن وسيلةٍ للنصب على موكليه، شابٌ يحلم بالإستقرار وتغيير مايقدر عليه من ظلم السلطة، ويحاول أن يكون واجهة ًللقيم والأخلاق الفاضلة التي تربى عليها.

 لكن كيف ذلك؟ والعمل في نظامٍ كالنظام المتربع على صدورنا، لا يتجرأ فردٌ فيه على رفع رأسه أو حتى مجرد أن يفكر في ذلك؟ وفي وظيفةٍ كجهاز الشرطة، حيث طاعة رئيسك في العمل هي أهم من كل القوانين والقيم والأخلاق؟!

كيف ذلك وكل ماحولي يقتل كل ما أحلم فيه من تغيير؟!.

 أصبحت أغوص في أوحال النظام التي فرضها واقع العمل، وأعيش في دوامة الكذب والنفاق التي تحيط بي ،  كنت في رمقي الأخير قبل أن تأتي الثورة لتخرجني من واقعي الأليم ذاك.

تلك الثورة التي قابلها النظام بكل توحشٍ وبشاعةٍ وقتل ٍ وتهجير، كنت فيها شاهداً على جانبٍ كبيرٍ مما فعله النظام في منطقة عملي في محافظة اللاذقية، وكيف تصرف وأشاع الفوضى واستخدم كافة الوسائل الهمجية لقمع الشعب، وكيف دخلت السجن، ثم تركت عملي ولجأت إلى تركيا.

هي الثورة والقيامة بكل تجلياتها، وهي الانسلال من قبرٍ أحكم إغلاقه.

هي تنفسي هواء الحرية التي انتظرتها منذ وُلِدت، وهي أحلامي ويقظتي، وهي ماتبقى لي من سطور في صفحات في حياتي.

***

القيامة

بداية النهاية

16/8/2012

نحن هنا منذ أسبوع في تركيا، نزلنا فندقاً في مدينة أنطاكيا، الرائد محمود منكباً على جهاز الكمبيوتر بعد أن أنشأت له حساباً في إحدى منصات التواصل الإجتماعي على النت، وأنا أجلس في هذه الغرفة أمسك قلمي وأغوص في رحلتي في الماضي، ألملم أوراقي وذاكرتي وأكتب في مفكرتي، وأستذكر ما حصل معي منذ قيام الثورة السورية في اللاذقية، تلك المدينة التي عملت فيها ضابطاً للشرطة في قسم الرمل الجنوبي.

 كنا قد وصلنا تركيا بعد إنشقاقنا[1] عن النظام، قاطعين الحدود البرية السورية .

لم يكن الوصول إلى أنطاكية سهلاً، كنا قد مشينا خمس ساعات في طريق التهريب الذي يخترق الجبال السورية الوعرة والأحراش الشائكة في عز ظهيرة يوم التاسع من شهر آب، وكان يوماً رمضانياً كنا فيه صائمين، أوصلنا إلى معبر الحدود بين سورية وتركيا أحد المرافقين الذين أمّنوا لنا طريق الإنشقاق ثم ودعنا وعاد.

 وقفت أنا والرائد محمود ننتظر دورنا للعبور أمام حشد غفير، فيه نساء ورجال وأطفال، الكل يحمل حاجيات وألبسة كان قد لفها بشالاتٍ ملونة، وقفوا يستعطفون الجندي التركي كي يسمح لهم بالمرور إلى الضفة الأخرى، لكنه بلغةٍ تركيةٍ وحركةٍ من يده يشير لهم بالرفض.

جلست أنا والرائد محمود غير بعيدٍ عن هذه الجموع ننتظر مع المنتظرين.

صوت من بعيد ينادي ” محمد…محمد” صوتٌ سرقني من هذا الزحام وجعلني أتلفت يمنةً ويسرة، ” هل أنا هو محمد المقصود، فمن يعرفني هنا؟ّ”

 من بعيد.. شاهدت شاباً ممتلئا ًمفتول العضلات يركض نحوي، أركز النظر لعلي أعرف مايدلني عليه، لكن دون جدوى، ظل الشاب يقترب ويقترب حتى بدت لي ملامحه كاملةً.
” أبو بدر؟!” شاب من الرمل الجنوبي[2] وأخٌ لصديقي .
 “الحمد لله على السلامة يامحمد” ثم احتضنني بقوة،

 ” أنت حيٌّ ترزق” ، وعاد مرة أخرى لضمّي، تبادلنا السلام وكلمات الترحيب والإطمئنان، وبين الكلمة والكلمة كان يقول لي “الحمد لله أنك لازلتَ حيّاً” ، كانت دموع عينيه خير دليلٍ على عميق محبته لي، بعد الإنتهاء من الترحيب والإطمئنان واستذكار الماضي، أخبرني أنه سَرَت إشاعة من عدة أشهر “أنه تم اعتقالي من قبل النظام ولا أحد يعرف عن مصيري شيئاً”.

استفسرت منه عن سبب تجمع الناس الكثيف أمام المعبر فأخبرني أن عناصر الحدود التركية قاموا بإغلاق المعبر مؤقتاً ولن يفتحوه إلا في صباح اليوم التالي والناس تنتظر، لكنه طمأنني لوجود طريق آخر لقطع الحدود، هو طريق طويل وشائك وأنه سيرافقنا حتى يطمئن إلى  وصولنا إلى تركيا وتم ذلك .
 أسبوع ونحن نعيش هنا في الفندق في مدينة أنطاكية التركية كاليتامى، بلدٌ غريبٌ ولغةٌ غريبةٌ وجيرانٌ ﻻنعرفهم، باستثناء الرائد عدنان الذي كان قد وصل إلى هنا قبلنا بأيام بعد إنشقاقه.

أسبوعٌ يمضي ولا أعرف في تركيا سوى هذه الغرفة بأبعادها،  سريرين وتلفاز وحمّام ، وقلمي ومفكرتي وأوراقي التي استطعت جلبها معي من اللاذقية ، وكنت قد دونت فيها ماحصل وما رأيته وكنت شاهداً عليه .

وها أنا ذا أنهي مابدأت بتدوينه منذ قيام الثورة في اللاذقية.

محمد…

أنطاكية تركيا 16/8/2012

*****


[1] حركة انشقاق الجنود والضباط عن النظام السوري ، بدأت مباشرة بعد اندلاع الثورة ، حيث امتنع الأحرار من أفراد الجيش وقوى الشرطة، عن قمع الشعب ، وتصويب أسلحتهم نحوه ، وهو يقوم بالاحتجاجات السلمية، واستمرت هذه الانشقاقات تتالى ومن جميع الرتب العسكرية والأمنية  والسياسية ،  ثلاثة أعوام  بعد اندلاع الثورة.

[2] أحد أحياء مدينة اللاذقية..ويكيبيديا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى