أخبار عاجلة
الرئيسية / حقوق وحريات / إضاءات سياسية (3)

إضاءات سياسية (3)

هيثم المالح

عرض مقالات الكاتب

ينفرد موقع رسالة بوست بنشر كتاب إضاءات سياسية للأستاذ هيثم المالح

الفصل الثالث :

القضية الفلسطينية

خطاب مفتوح إلى السيد كولن باول (*)

26/09/2003

(… فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) [الحج : 46] .

هكذا بيّن الخالق سبحانه وتعالى أن العمى الفعلي هو عمى القلب لا عمى البصر ، ذلك لأن البصر إنما يبصر الأشياء المادية الظاهرة في حين أن القلب إنما يبصر الحقائق الداخلية الخافية على البصر .

لكأني بهذه الآية الكريمة قد تنـزلت في الإدارة الأمريكية التي تنطقون باسمها في المحافل الدولية وتدافعون عن باطلها أمام العالم .

لقد خلق الغرب دولة صهيونية عدوانية في فلسطين وتم طرد نصف شعبها خارج أرضه ، ثم عمدتم لتسليح هذه الدولة الغاصبة بكل أسلحة الدمار الشامل وغير الشامل وغضضتم الطرف عن متابعة إنتاجها لهذا النوع من الأسلحة مع علمكم الأكيد بإنتاجها ، ومولتم خزائنها بالأموال الطائلة حتى غدت أقوى دولة في الشرق الأوسط ، ومع هذا فلا زلتم تدعمون عدوانيتها بكل ما أوتيتم من قوة ومن بطش .

في ظل قيادة دولتكم العدوانية نقف اليوم مشدوهين إزاء ما يعانيه العالم من انتكاسه وردة ، ذهبت بكل ما أحرزه الإنسان من مكتسبات ، وبكل قيمه ومبادئه ومصداقيته ، وزيف قلب المفاهيم وأفسد الموازين واقتلع الثقة وهيج العداوات والبغضاء بين الشعوب ، وأعاد الناس إلى شريعة الغاب ليحتكموا إليها فيما ينشب بينهم من نزاعات ، بعد أن كانوا قد تجاوزوا هذه الشريعة ، وأيقنوا أن استخدام القوة وإشعال نار الحروب والفتن لا يحل المشكلات بقدر ما يعقدها ، وأن المشكلات إنما تحل على طاولة المفاوضات مهما طال أمد التفاوض ، وكان الاتحاد الأوروبي ثمرة هذا التحول ، وشكل منعطفاً حاداً وشوطاً متقدماً في مسيرة التقدم البشري .

أي احترام للحقوق يمكن أن يطالب به في زمن التردي الأخلاقي الذي تتولى أمريكا كبره ، فتهدم بيديها كل ما شيده الإنسان من قيم الحق والعدل والمساواة والديمقراطية وسائر حقوق الإنسان ، وكل ما حققه من تقدم!! .

وماذا سيبقى للعالم من هذه القيم إذا ارتبطت بالمصالح الذاتية الآنية ، فلا يكون الحق حقاً ولا العدل عدلاً إلا إذا كان في خدمة المصالح الأمريكية ، واستجاب صاغراً للعصا الأمريكية ، وتحالف معها وظاهرها وسار في ركابها ، وهي تتوعد بالعقاب ، كل من تسول له نفسه أن يرفع صوته معارضاً في وجه السلطان الأمريكي ، إلى أن يعود إلى كنف السلطان ؟ .

هل نستطيع أن نرفع نداء الأخلاق لصيانة الحقوق في وطن تعرض لأشرس هجمة همجية ، تهدم يومياً بيوته فوق رؤوس ساكنيها ، وتقتلع أشجاره على أعين زارعيها ، وتغتال شبابه ، وتقتل أطفاله ، ثم لا يكون من سدنة النظام الدولي الجديد إلا أن يرموا الضحية بالإرهاب ، ويزودوا القتلة بأحدث آلات الدمار والخراب الأمريكية لرفع كفايته في مواصلة عدوانه واحتلاله ، وليتمكن من صد حجر الطفل الفلسطيني الذي يجمعه من أنقاض بيته المدمر ، ولا يقذف به أبعد من خوذة الجندي الذي يرميه بوابل الرصاص! ثم يرسموا له خارطة طريق يتصدقون عليه فيها بدولة فلسطينية منـزوعة السلاح يقيمها على جزء من أرضه ، في أحضان دولة محتلة مزودة بأعتى آلات القتل والدمار ؟؟ ..

ثم بمنع شعب كامل ، ثم تهجيره من أرضه من العودة إليها أمام سمع الأمم المتحدة وبصرها وأمام سائر القوى العظمى التي تتشدق بالحرية وبحقوق الإنسان !!! .

هل سيخفض صوت الأخلاق إلى أن يهدأ ضجيج القوة وينجلي غبارها ، وتفرغ الإنسانية لإحصاء خسائرها المعنوية بعدما تداوي جراحها وتلملم نثارها من بين أنقاض الدمار والخراب الذي خلفته القوة الأمريكية المتعسفة ؟؟ .

وهل آل حوار الحضارات إلى صراع الحضارات ، وتكامل الثقافات إلى تنافي الثقافات ، وآل التعدد إلى التفرد وانتهى التاريخ عند أمريكا ، وقامت قيامة الإنسان ، ليلاقي وجه ربه خائفاً مجرداً من كل مكتسباته التي حققها عبر كفاحه المرير آلاف السنين ليتخلص من لوثتي الفساد وسفك الدماء ؟ .

إننا نقرأ في جذور ثقافتنا الإسلامية أن للباطل جولة ثم يزول ، وأن الزبد يذهب جفاء ولا يمكث في الأرض إلا ما ينفع الناس ، وأن العاقبة للمتقين العاملين لمصلحة الإنسانية جمعاء ، وأن سفينة الإنسانية ماضية إلى هدفها ، وفق الخريطة التي رسمها لها خالقها ؟ لا يضيرها أن يتقدم رهط من ركابها أو يتأخر ، أو يصعد لأعلاها أو يهبط .

لقد سئمت الإدارة الأمريكية على ما يبدو من تكاليف الحضارة ، وناءت بأعبائها ومسؤولياتها ، وتنكبت للمثل التي قامت عليها دولتها بدءاً من جورج واشنطن ، وآثرت المصالح على القيم ، ونظرت إلى الظواهر وأغفلت المسببات وامتلكت القوة فتعسفت في استعمالها ورفعت شعار حقوق الإنسان ثم كانت أول من يضحي بها ، ونادت بالعدالة والمساواة ثم ارتكبت باسمهما وتحت غطائهما أبشع أنواع المظالم والتمييز العنصري ، واستعملت إرهاب الدولة في هيروشيما وناغازاكي والفيتنام وانقضت على نورييغا في باناما لتعتقله في سجونها ، ودمرت أفغانستان وهبطت بجيوشها خارج إطار الأمم المتحدة في العراق وخالفت سائر شعوب العالم حتى الشعب الأمريكي نفسه والستمائة مدينة في العالم التي ناهضت الحرب .

إنني لأتساءل هل ستتعظ دولتكم العظيمة من أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر وتدرك أن العنف لا يولد إلا العنف وأن مسيرة الحرب التي تقودها دولتكم سوف تنعكس عليها سلباً أولاً وأخيراً ؟ وهل أن في ارتكاب مخالفة للقانون الدولي بتسليم ماهر عرار إلى أجهزة الأمن السورية ليجري تعذيبه في سجونها دون رحمة وأنتم تعلمون ذلك حقيقة سيحقق أمن دولتكم ؟

وهل أن مصالح الآخرين لا اعتبار لها في نظر الولايات المتحدة ولا وزن ، وأن الضرب بهذه المصالح عرض الحائط سوف يجلب للولايات المتحدة الخير والسلام ؟

لقد انقضت الولايات المتحدة لاستعمار الشعوب وإذلالها رغبة في تحقيق مصالحها ، محققة استعماراً جديداً دونه استعمار القرن التاسع عشر .

لقد أصاب قلوب الإدارة الأمريكية العمى فلم تعد ترى حقيقة الصراع الإنساني الذي يسعى للعيش بسلام فأشعلت فيه الحروب والفتن ولا تزال ، فهل ستفيق الإدارة الأمريكية من عماها ؟ .

(*) وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

راهبة ألمانية تعارض الترحيل “ليس لدي خيار.. عليَّ المساعدةُ”

يشترط من أجل وقف عملية الترحيل، أن يمكث المهاجر 18 شهرًا في رعاية الكنيسة حتى …