أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وأدب / لا الكأس تنسينا مساحة حزننا

لا الكأس تنسينا مساحة حزننا

محمد الفضلي

كاتب وأديب سوري
عرض مقالات الكاتب

عندما كنت في كلية الحقوق جامعة دمشق السنة الرابعة العام 2001.
وبعد انتهاء الدوام الطويل …تشعر أنه ﻻبد لك من فسحة مع الأصدقاء، لتروح عن نفسك.
كانت فسحتي الوحيدة تحت مايسمى جسر الرئيس برفقة صديقي، فكنا ننزل إلى تحت الجسر، وهناك عشرات البسطات من الكتب، نبحث فيها عما يشبع روحنا المشلولة أصلاً بعد يوم مقيت.
نبقى أكثر من ساعة في البحث عن الكتب، والتي كان البعض منها ممنوعاً من التداول.
ساعة في البحث، وساعتين في فن المفاصلة، الذي أتقنته من خلال شرائي للكتب.
في أحد المرات …وقعت عيني على أعمال نزار قباني السياسية الكاملة، فارتميت على الكتاب قبل أن يلمحه صديقي، الذي نظر إلي نظرة قهر، وحقدٍ في ظفري بالكتاب، لكن انتصاري هذا منقوص، والسبب بقلّة المال لدي.
صاحب البسطة رجلٌ عجوز في خريف العمر، حفرت السنون أخاديد وجهه، رجل عصابي المزاج، لكنه طيب القلب، وكعادة السوريين تتم الصداقة في كل الظروف، وقد تصادقنا قليلاُ لكثرة ترددي، وشرائي من بسطته البسطة الى جوار باب المعرض القديم ثم دار بيننا الحديث التالي:
-كم سعره حاج؟
-والله ياعمي ب 200 ليرة .
-يا عم ليست أول مرة آخذ من عندك، لست زبوناً عابر؟!
-والله ياعمي من الآخر 175 ليرة وﻻتفاصل.
-عمي أريد هذا الكتاب… يعني أريده.
-خلصني.. كم تدفع؟
جيبي ﻻيمكنها أن تحلم بأكثر من 100ليرة.
_عمي هذه 75 ليرة، والله لايوجد معي أكتر من ذلك.
-أف 75 كتاب ومجلد، إذا دخلت أية مكتبة فلن يبيعك إياه بأقل من 400 ليرة.
ارتسم على وجهي علائم الخذلان، والقهر، وعلائم الرجاء، ولسان نفسي يقول:
ياليتك تعرف ياحاج.. كيف سأمضي بقية الأسبوع بلا مال؟!
كان الرجل ينظر إلى وجهي، وربما هو أكثر مني حاجةً لقرش زيادة
-طيب…سأبرم معك اتفاق!! وعلى اعتبار أنك تحب نزار، فإذا قلت لي قصيدة لنزار لا يحفظها الكثير، فسأعطيك إياه ب75 ليرة… تكرم”.
ابتسمت ابتسامة ثعلب أوقع فريسته في الفخ، قلت له: اسمع ياحاج:

يا تونس الخضراء جئتك عاشقًا

وعلى جبيني وردة وكتاب

إني الدمشقي الذي احترف الهوى

فاخضوضرت بغنائه الأعشاب

وعندما وصلت الى قول نزار:

لا الكأس تنسينا مساحة حزننا

يومًا ولا كل الشراب شراب

والقصيدة كنت حفظت بعض أبياتها من دفتر قديم لوالدي كان خطها بيده عليه
قال لي: توقف!!
كانت حفرتي وجنتيه تبرقان من أثر الدموع، وارتسمت ضحكةٌ قلبيةٌ باردةٌ على محياه، ولم أعرف حينها ماذا اتكلم؟!!
-حاج.. هل أكمل؟!
-ﻻ.. خذ الكتاب هدية من عمك أبي محمود.
-كلا يا حاج… هناك اتفاق!! و75 ليرة.
-يا بني، والله العظيم لن آخذ منك وﻻ ليرة.
وبعد جدال قصير…أخذت الكتاب، ومضيت مع صديقي الذي أشبع غيظًا..
“ما أكرمك يا الله… كتاب نزار، وأعماله السياسية الكاملة، ومجانًا.
هذا يعني أني حظيت بكتابٍ قيم، وادخرت بقية مصروفي لنضال جديد، وكتاب جديد.
لم يعد الكون يسع فرحتي.
قفلت راجعًا، فركبت الحافلة مملوءًا بسعادة الدنيا كلها، وعندما عدت أستذكر الموقف والقصيدة ،تذكرت عيني الحاج أبو محمود، وتأملت جيدًا:
لا الكأس تنسينا مساحة حزننا يومًا ولا كل الشراب شراب
ولماذا ابتلت عيناه؟! ولماذا كانتا تبحران في الأعماق؟!

اليوم وبعد سنوات.. أعيشها في رحلة القهر اليومي، الذي أمارسه منذ استيقاظي من نومي، أيقنت تمامًا أن:
لا مبلغ 200 ليرة، وﻻ كل أموال الدنيا… تثمن كتاب أبي محمود.
فلم يعد الطعام طعامًا، كطعام عين الفيجة، ولم يعد الهواء الذي نستنشقه يغذي روحنا كما كان يفعله هواء قاسيون.
لم يعد أي لون يسطع في أعيننا
لم يعد ﻷي شيء قيمة في حياتنا…
وكل شراب الدنيا ﻻيفعل مايفعله ماء صنبور في أزقة دمشق العتيقة.
رحم الله أبا محمود، فلقد أخفى عني حقيقة الكأس الذي كان يتجرعه…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

القول الصحيح في وسائل الإعلام سلسلة مقالات تهدف إلى تقويم اللسان وتصحيح الأخطاء الشائعة في وسائل الإعلام 32

نصير محمد إعلامي وباحث في اللغة العربية. العنوان: أخطاء العدد من حيث إعرابه يعامل …