أخبار عاجلة
الرئيسية / دين ودنيا / المقالات اللطيفة في تراجم من كان خليفة (18)

المقالات اللطيفة في تراجم من كان خليفة (18)

محمد عبد الحي عوينة

كاتب وداعية إسلامي. إندونيسيا.
عرض مقالات الكاتب

11- الوليد بن يزيد بن عبد الملك

ولد سنة 90 وقيل 92 وقيل 97
وبويع في ربيع الآخر سنة 125
وقتل عن 35 أو 36 عاماً سنة 126 هـ.
مدة ولايته: سنة . شهرين . 22 يوماً
اسمه ونسبه:
هُوَ الْوَلِيدُ بْنُ يزيد بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، أَبُو الْعَبَّاسِ الْأُمَوِيُّ الدِّمَشْقِيُّ، بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ عَمِّهِ هِشَامٍ بِعَهْدٍ مِنْ أَبِيهِ كَمَا قَدَّمْنَا.
وَأَمُّهُ أُمُّ الْحَجَّاجِ بِنْتُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ.
وَكَانَ مولده سنة تسعين، وقيل ثنتين وتسعين، وقيل سَبْعٍ وَثَمَانِينَ، بويع له يوم الأربعاء لستّ خلون من ربيع الآخرة سنة خمس وعشرين ومائة(125هـ)
وقتل بالبخراء من تدمر على ثلاثة أميال، يوم الخميس لليلتين بقيتا من جمادي الآخرة سنة ست وعشرين ومائة(126هـ)، وهو ابن خمس وثلاثين أو ست وثلاثين. قال حاتم بن مسلم: ابن خمس وأربعين وأشهر.
وكانت ولايته سنة وشهرين واثنين وعشرين يوما. (البداية والنهاية ط إحياء التراث 10/ 7)
ما ورد في الوليد هذا من أحاديث:
وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمُغِيرَةِ ثَنَا ابْنُ عَيَّاشٍ، حدَّثني الْأَوْزَاعِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ الزُّهري عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: وُلِدَ لِأَخِي أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلَّم غُلَامٌ فسمُّوه الْوَلِيدَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (سميتموه باسم فراعينكم، لَيَكُونَنَّ: فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْوَلِيدُ، لهو أشد فساداً لهذه الْأُمَّةِ مِنْ فِرْعَوْنَ لِقَوْمِهِ “.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ عساكر: وقد رواه الوليد بن مسلم ومعقل بْنُ زِيَادٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ وَبِشْرُ بْنُ بَكْرٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ فَلَمْ يَذْكُرُوا عُمَرَ فِي إِسْنَادِهِ وَأَرْسَلُوهُ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ كَثِيرٍ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ، ثُمَّ سَاقَ طُرُقَهُ هَذِهِ كُلَّهَا بِأَسَانِيدِهَا وَأَلْفَاظِهَا.
وَحَكَى عَنِ الْبَيْهَقِيِّ أنَّه قَالَ: هُوَ مُرْسَلٌ حَسَنٌ، ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ محمد عن محمد بن عمر بْنِ عَطَاءٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عن أمها
قالت: ” دخل النَّبيّ صلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعِنْدِي غُلَامٌ مِنْ آلِ الْمُغِيرَةِ اسْمُهُ الْوَلِيدُ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا يَا أُمَّ سَلَمَةَ؟ قَالَتْ: هَذَا الْوَلِيدُ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم قد اتخذتم الوليد خنانا (حسانا) غَيِّرُوا اسْمَهُ، فَإِنَّهُ سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ فِرْعَوْنٌ يُقَالُ لَهُ الْوَلِيدُ “.
فادّعى ابن حبان أنّه لا أصل له، فقال في كتابه “الضعفاء” (1/ 125) في ترجمة إسماعيل بن عياش: هذا خبر باطل ما قاله رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ولا رواه عمر، ولا حدّث به سعيد ولا الزهري ولا هو من حديث الأوزاعي. ثم أعله بإسماعيل بن عياش. واعتمد ابن الجوزي على كلام ابن حبان فأورد الحديث في “الموضوعات”(أنيس الساري تخريج أحاديث فتح الباري5/ 3321)
وقال ابن حجر: هذا إسناد حسن.
وبعد أن أورد ابن حجر جميع طرق الحديث وشواهده قال: وبهذا يعلم بطلان شهادة ابن حبّان بأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما قاله ولا سعيد حدث به.
قلت: بعد هذا الكلام الطويل والدفاع الشديد للحافظ ابن حجر عن هذا الحديث أقول: إن الحديث وإن لم يكن موضوعًا فهو عندي ضعيف جدًا لأسباب:
1 – الاختلاف على إسناده وإن أمكن الإجابة عنها بتكلف.
2 – إن كثيرًا من العلماء حكموا عليه بالوضع، وان كان فيه نوع من التشدد.
3 – وهو الأقوى عندي: أن الحديث مخالف لما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- وصحبه؛ ذلك أن بعضًا من الصحابة كان اسمهم الوليد، ولم يثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- غير أسماءهم أو طلب منهم ذلك بل ثبت في الصحيحين مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: اللهم أنج الوليد بن الوليد. وممن سمى بالوليد من الصحابة: الوليد بن عقبة بن أبي معيط، والوليد بن قيس الذى دعا له الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالبرء من مرضه، ولم يغيِّر اسمه.
(المطالب العالية محققا 12/ 142)
فكيف يقرّ عليه الصلاة والسلام هؤلاء على أسمائهم دون غيرهم.
وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ غَالِبٍ الْأَنْطَاكِيُّ، ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي دَاوُدَ، ثَنَا صَدَقَةُ، عَنْ هِشَامِ بْنِ الْغَازِ، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ” لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ قَائِمًا بِالْقِسْطِ حَتَّى يَثْلَمَهُ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ “(رواه نعيم بن حماد في الفتن1/280، مسند أبي يعلى الموصلي2/ 175، المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية 18/ 284) ورِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ
صفاته وأحواله:
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: كَانَ شَدِيدَ الْبَطْشِ طَوِيلَ أَصَابِعِ الرِّجْلَيْنِ، كَانَتْ تُضْرَبُ لَهُ سِكَّةُ الْحَدِيدِ فِي الْأَرْضِ وَيُرْبَطُ فِيهَا خَيْطٌ إِلَى رِجْلِهِ ثُمَّ يَثِبُ عَلَى الْفَرَسِ فَيَرْكَبُهَا وَلَا يَمَسُّ الْفَرَسَ، فَتَنْقَلِعُ تِلْكَ السِّكَّةُ مِنَ الْأَرْضِ مَعَ وَثْبَتِهِ.
وكَانَ هَذَا الرَّجُلُ مُجَاهِرًا بِالْفَوَاحِشِ مُصِرًّا عَلَيْهَا، مُنْتَهِكًا مَحَارِمَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَا يَتَحَاشَى مِنْ مَعْصِيَةٍ.
وَرُبَّمَا اتَّهَمَهُ بَعْضُهُمْ بِالزَّنْدَقَةِ وَالِانْحِلَالِ مِنَ الدِّينِ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ، لَكِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ كَانَ عَاصِيًا شَاعِرًا ماجناً متعاطياً للمعاصي، لا يتحاشاها مَنْ أَحَدٍ، وَلَا يَسْتَحِي مَنْ أَحَدٍ، قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْخِلَافَةَ وَبَعْدَ أَنْ وَلِيَها، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَخَاهُ سُلَيْمَانَ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ من سعى في قتله، قال: أشهد أنه كان شروباً للخمر ماجنا فَاسِقًا، وَلَقَدْ أَرَادَنِي عَلَى نَفَسِي الْفَاسِقُ.
وَحَكَى الْمُعَافَى بْنُ زَكَرِيَّا عَنِ ابْنُ دُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ الْعُتْبِيِّ: أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ نَظَرَ إِلَى نَصْرَانِيَّةٍ مِنْ حِسَانِ نِسَاءِ النصارى اسمها سفرى فأحبها، فبعث يُرَاوِدُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ عَلَيْهِ، فَأَلَحَّ عَلَيْهَا وَعَشِقَهَا فَلَمْ تُطَاوِعْهُ، فَاتَّفَقَ اجْتِمَاعُ النَّصَارَى فِي بَعْضِ كَنَائِسِهِمْ لِعِيدٍ لَهُمْ، فَذَهَبَ الْوَلِيدُ إِلَى بُسْتَانٍ هُنَاكَ فَتَنَكَّرَ وَأَظْهَرَ أَنَّهُ مُصَابٌ، فَخَرَجَ النساء من الكنيسة إلى ذلك الْبُسْتَانِ، فَرَأَيْنَهُ فَأَحْدَقْنَ بِهِ، فَجَعَلَ يُكَلِّمُ سَفْرَى ويحادثها وَتُضَاحِكُهُ وَلَا تَعْرِفُهُ، حَتَّى اشْتَفَى مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهَا، فَلَمَّا انْصَرَفَتْ قِيلَ لَهَا: وَيْحَكِ أَتَدْرِينَ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ؟ فَقَالَتْ: لَا! فَقِيلَ لَهَا هُوَ الْوَلِيدُ.
فَلَمَّا تَحَقَّقَتْ ذَلِكَ حَنَّتْ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَانَتْ عَلَيْهِ أَحْرَصَ مِنْهُ عَلَيْهَا قبل أن تحن عليه.
فقال الوليد في ذلك أبياتاً.
وَقِيلَ إِنَّ هَذَا وَقَعَ قَبْلَ أَنْ يَلِيَ الْخِلَافَةَ:
و للوليد مِنَ الْخَلَاعَةِ وَالْمُجُونِ وَسَخَافَةِ الدِّينِ مَا يَطُولُ ذِكْرُهُ.
رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ بِسَنَدِهِ أَنَّ الْوَلِيدَ سَمِعَ بِخِمَّارٍ صَلْفٍ بِالْحِيرَةِ فَقَصَدَهُ حَتَّى شَرِبَ مِنْهُ ثَلَاثَةَ أَرْطَالٍ مِنَ الْخَمْرِ، وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى فَرَسِهِ، وَمَعَهُ اثْنَانِ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَمَرَ لِلْخَمَّارِ بِخَمْسِمِائَةِ دِينَارٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ: أَخْبَارُ الْوَلِيدِ كَثِيرَةٌ قَدْ جَمَعَهَا الْأَخْبَارِيِّونَ مَجْمُوعَةً وَمُفْرَدَةً، وقد جمع ابن كثير شيئاً من سيرته وأخباره، وَمِنْ شِعْرِهِ الَّذِي ضَمَّنَهُ مَا فَجَرَ بِهِ من جرأته وَسَفَاهَتِهِ وَحُمْقِهِ وَهَزَلِهِ وَمُجُونِهِ وَسَخَافَةِ دِينِهِ، وَمَا صَرَّحَ بِهِ مِنَ الْإِلْحَادِ فِي الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ، وَالْكَفْرِ بِمَنْ أَنْزَلَهُ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ. (البداية والنهاية ط إحياء التراث 10/ 8)
وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ: ثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْخٍ، ثَنَا صَالِحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: أَرَادَ الْوَلِيدُ بْنُ يَزِيدَ الْحَجَّ وَقَالَ: أَشْرَبُ فَوْقَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ الخمر، فهموا أن يفتكوا به إذا خرج، فجاؤوا إِلَى خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِب فَسَأَلُوهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُمْ فَأَبَى، فَقَالُوا لَهُ: فَاكْتُمْ عَلَيْنَا، فَقَالَ: أَمَّا هَذَا فَنَعَمْ، فَجَاءَ إِلَى الوليد فقال: لَا تَخْرُجْ فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ، فَقَالَ: وَمَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَخَافُهُمْ عليَّ؟ قَالَ: لَا أُخْبِرُكَ بِهِمْ.
قَالَ: إِنْ لَمْ تُخْبِرْنِي بِهِمْ بَعَثْتُ بِكَ إِلَى يُوسُفَ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: وَإِنْ بعثت بي إلى يوسف بن عمر، فبعثه إلى يوسف فعاقبه حَتَّى قَتَلَهُ.
فَغَضِبَ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ قَتْلِهِ، وَخَرَجُوا على الوليد. (البداية والنهاية 10/10)
وقد كان الزهري يحث هشاماً على خلع الوليد هذا، ويستنهضه في ذلك، فيحجم هشام عن ذلك خوف الفضيحة من الناس، ولئلا تتنكر قلوب الأجناد من أجل ذلك، وكان الوليد يفهم ذلك من الزهري ويبغضه ويتوعده ويتهدده، فيقول له الزهري: مَا كَانَ اللَّهُ ليسلطك عليَّ يا فاسق، ثم مات الزهري قبل ولاية الوليد.
بيعته وولايته:
خِلَافَةُ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قال الواقدي: بُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ يَوْمَ مَاتَ عَمُّهُ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ. (البداية والنهاية ط إحياء التراث10/ 3)
وقيل: بُويِعَ لَهُ يَوْمَ السَّبْتِ فِي رَبِيعٍ الْآخِرِ، وَكَانَ عُمْرُهُ إِذْ ذَاكَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وكانت ولايته سنة وشهرين واثنين وعشرين يوما، وقتل هو ابن أربعين سنة، يعني يكون لما تولى الخلافة ابن ثمان وثلاثين وأشهر(مروج الذهب 3 / 258) .
وَكَانَ سَبَبُ وِلَايَتِهِ أَنَّ أَبَاهُ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ كَانَ قَدْ جَعَلَ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ لِأَخِيهِ هِشَامٍ ثمَّ مِنْ بَعْدِهِ لِوَلَدِهِ الْوَلِيدِ هَذَا، فَلَمَّا وَلِيَ هِشَامٌ أَكْرَمَ ابْنَ أَخِيهِ الْوَلِيدَ حَتَّى ظَهَرَ عَلَيْهِ أَمْرُ الشَّرَابِ وَخُلَطَاءِ السُّوءِ، وَمَجَالِسِ اللَّهْوِ.
فَلَمَّا تَحَقَّقَ عَمُّهُ ذَلِكَ مِنْهُ نَهَاهُ مِرَارًا فَلَمْ يَنْتَهِ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى حَالِهِ الْقَبِيحِ، وَعَلَى فعله الردئ، فَعَزَمَ عَمُّهُ عَلَى خَلْعِهِ مِنَ الْخِلَافَةِ – وَلَيْتَهُ فَعَلَ – وَأَنْ يُوَلِّيَ بَعْدَهُ مَسْلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ، وَمِنْ أَخْوَالِهِ، وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمِنْ غَيْرِهِمْ، وَلَيْتَ ذلك تم.
فَفَرَّ مِنْهُ الْوَلِيدُ إِلَى الصَّحْرَاءِ، وَجَعَلَا يَتَرَاسَلَانِ بِأَقْبَحِ الْمُرَاسَلَاتِ، وَجَعَلَ هِشَامٌ يَتَوَعَّدُهُ وَعِيدًا شَدِيدًا، وَيَتَهَدَّدُهُ، وَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ هِشَامٌ وَالْوَلِيدُ فِي الْبَرِّيَّةِ،
فلما مات هشام بن عبد الملك قَدِمَ عَلَيْهِ الْبُرُدُ بِالْخِلَافَةِ،
وجاؤوا فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ، فَبُهِتَ وَقَالَ: وَيْحَكُمْ أَمَاتَ هِشَامٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: فَمَنْ بَعَثَكُمْ؟ قَالُوا: سَالِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَاحِبُ دِيوَانِ الرَّسَائِلِ، وَأَعْطَوْهُ الْكِتَابَ فَقَرَأَهُ ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ أَحْوَالِ النَّاسِ وَكَيْفَ مَاتَ عَمُّهُ هِشَامٌ، فَأَخْبَرُوهُ. (البداية والنهاية ط إحياء التراث 10/ 4)
فَكَتَبَ مِنْ فَوْرِهِ بِالِاحْتِيَاطِ عَلَى أَمْوَالِ هِشَامٍ وَحَوَاصِلِهِ بِالرُّصَافَةِ
ثم ركب من فوره من البرية وقصد دِمَشْقَ، وَاسْتَعْمَلَ الْعُمَّالَ وَجَاءَتْهُ الْبَيْعَةُ مِنَ الْآفَاقِ، وَجَاءَتْهُ الْوُفُودُ. (البداية والنهاية ط إحياء التراث 10/ 5)
ثُمَّ إِنَّ الْوَلِيدَ سَارَ فِي النَّاسِ سِيرَةً حَسَنَةً بَادِئ الأمر، وَأَمَرَ بِإِعْطَاءِ الزَّمْنَى وَالْمَجْذُومِينَ وَالْعُمْيَانَ لِكُلِّ إِنْسَانٍ خَادِمًا، وَأَخْرَجَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ الطِّيبَ وَالتُّحَفَ لِعِيَالَاتِ الْمُسْلِمِينَ، وَزَادَ فِي أُعْطِيَّاتِ النَّاسِ، وَلَا سِيَّمَا أَهْلَ الشَّامِ وَالْوُفُودَ، وَكَانَ كَرِيمًا مُمَدَّحًا شَاعِرًا مُجِيدًا، لَا يُسْأَلُ شَيْئًا قط فيقول لا.
وقد عَقَدَ الْوَلِيدُ الْبَيْعَةَ لِابْنِهِ الْحَكَمِ ثُمَّ عُثْمَانَ، عَلَى أَنْ يَكُونَا وَلِيِّيِ الْعَهْدِ مِنْ بَعْدِهِ.
صفة مقتله:
قَتْلُ يَوْمَ الْخَمِيسَ لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا في جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ، وَوَقَعَتْ بسبب ذلك فتنة عظيمة بين الناس بسبب قتله، وإنما قتل لِفِسْقِهِ، وَقِيلَ وَزَنْدَقَتِهِ.
وقاتله سالم بن أحوز (مروج الذهب3/258،الطبري8/301، الكامل لابن الأثير5/271)
قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضَ أَمْرِ الْوَلِيدِ بْنِ يَزِيدَ وخلاعته ومجانته وفسقه، وما ذكر عن تهاونه بالصلوات واستخفافه بأمر دينه قبل خلافته وبعدها.
فإنه لم يزدد في الخلافة إلا شراً ولهواً ولذةً وركوباً للصيد، وشرب المسكر ومنادمة الفساق، فما زادته الخلافة على ما كان قبلها إلا تمادياً وغروراً، فثقل ذلك على الأمراء والرعية والجند، وَكَرِهُوهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً، وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَا جَنَى عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى أَوْرَثَهُ ذَلِكَ هَلَاكَهُ، إِفْسَادُهُ عَلَى نَفْسِهِ بَنِي عَمَّيْهِ هِشَامٍ وَالْوَلِيدِ بن عبد الملك مع إفساده اليمانية، وهي أعظم جُنْدِ خُرَاسَانَ.
رَوَى ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدِهِ أَنَّ الْوَلِيدَ بْنَ يَزِيدَ ضَرَبَ ابْنَ عَمِّهِ سُلَيْمَانَ بْنَ هِشَامٍ مِائَةَ سَوْطٍ وَحَلَّقَ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ وغرَّبه إِلَى عَمَّانَ فَحَبَسَهُ بِهَا، فَلَمْ يَزَلْ هُنَاكَ حَتَّى قُتِلَ الْوَلِيدُ، وَأَخَذَ جَارِيَةً كَانَتْ لِآلِ عَمِّهِ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، فَكَلَّمَهُ فِيهَا عُمَرُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَالَ: لا أردها، فقال: إذاً تَكْثُرَ الصَّوَاهِلُ حَوْلَ عَسْكَرِكَ.
ثم إنه حَبَسَ يَزِيدَ بْنَ هِشَامٍ، وَبَايَعَ لِوَلَدَيْهِ الْحَكَمِ وَعُثْمَانَ، وَكَانَا دُونَ الْبُلُوغِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ أَيْضًا وَنَصَحُوهُ فَلَمْ يَنْتَصِحْ، وَنَهَوْهُ فَلَمْ يَرْتَدِعْ وَلَمْ يَقْبَلْ.
قَالَ الْمَدَائِنِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: ثَقُلَ ذَلِكَ على النَّاس ورماه بنو هشام وبنو الوليد بالكفر والزندقة وغشيان أمهات أولاد أبيه، وباللواط وغيره، ، وَرَمَوْهُ بِالزَّنْدَقَةِ، وَكَانَ أَشَدَّهُمْ فِيهِ قَوْلًا يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ النَّاس إِلَى قَوْلِهِ أَمْيَلُ، لِأَنَّهُ أَظْهَرَ النسك والتواضع، ويقول مَا يَسَعُنَا الرِّضَا بِالْوَلِيدِ حَتَّى حَمَلَ النَّاسَ عَلَى الْفَتْكِ بِهِ، قَالُوا: وَانْتُدِبَ لِلْقِيَامِ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ قُضَاعَةَ وَالْيَمَانِيَةِ وَخَلْقٌ مِنْ أَعْيَانِ الأمراء وآل الوليد بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَكَانَ الْقَائِمَ بِأَعْبَاءِ ذَلِكَ كُلِّهِ وَالدَّاعِيَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ، وَهُوَ مِنْ سَادَاتِ بَنِي أُمَيَّةَ، وَكَانَ يُنْسَبُ إِلَى الصَّلَاحِ وَالدِّينِ وَالْوَرَعِ، فَبَايَعَهُ النَّاس على ذلك، وقد نهاه أَخُوهُ العبَّاس بْنُ الْوَلِيدِ فَلْمْ يَقْبَلُ، فَقَالَ: والله لولا إني أخاف عليك لَقَيَّدْتُكَ وَأَرْسَلْتُكَ إِلَيْهِ.
فلما استوثق لِيَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ أَمْرُهُ، وَبَايَعَهُ مَنْ بَايَعَهُ مِنَ النَّاسِ، قَصَدَ دِمَشْقَ فَدَخَلَهَا فِي غَيْبَةِ الْوَلِيدِ فَبَايَعَهُ أَكْثَرُ أَهْلِهَا فِي اللَّيْلِ.
وقد أَشَارَ عَلَى الوليد بَعْضُ أَصْحَابِهِ أن يتحول من منزله إِلَى حِمْصَ فَإِنَّهَا حَصِينَةٌ فأبى، وبقى في ذل وقل من الناس، فلجأ إلى الحصن فجاؤوا إِلَيْهِ وَأَحَاطُوا بِهِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ يُحَاصِرُونَهُ، فَدَنَا الْوَلِيدُ مِنْ بَابِ الْحِصْنِ فَنَادَى لِيُكَلِّمْنِي رَجُلٌ شَرِيفٌ، فَكَلَّمَهُ يَزِيدُ بْنُ عَنْبَسَةَ السَّكْسَكِيُّ، فقال الوليد: ألم أدفع الموت عنكم؟ ألم أعط فقراءكم؟ ألم أخدم نساءكم ؟ فقال يَزِيدُ: إِنَّمَا نَنْقِمُ عَلَيْكَ انْتِهَاكَ الْمَحَارِمِ وَشُرْبَ الْخُمُورِ وَنِكَاحَ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِ أَبِيكَ، وَاسْتِخْفَافَكَ بِأَمْرِ الله عزوجل.
فقال، حسبك يا أخا السكاسك، لَقَدْ أَكْثَرْتَ وَأَغْرَقْتَ، وَإِنَّ فِيمَا أَحَلَّ اللَّهُ لي لسعة عما ذكرته.
ثُمَّ قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُونِي لَا ترتقن فتنتكم وَلَا يُلِمَّ شَعَثُكُمْ وَلَا تَجْتَمِعُ كَلِمَتُكُمْ.
وَرَجَعَ إلى القصر فَجَلَسَ وَوَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ مُصْحَفًا فَنَشَرَهُ وَأَقْبَلَ يَقْرَأُ فِيهِ وَقَالَ: يَوْمٌ كَيَوْمِ عُثْمَانَ، وَاسْتَسْلَمَ، وَتَسَوَّرَ عَلَيْهِ أُولَئِكَ الْحَائِطَ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ نَزَلَ إِلَيْهِ يَزِيدُ بْنُ عَنْبَسَةَ، فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ وإلى جانبه سيف فَقَالَ: نَحِّهِ عَنْكَ، فَقَالَ الْوَلِيدُ: لَوْ أَرَدْتَ الْقِتَالَ بِهِ لَكَانَ غَيْرَ هَذَا، فَأَخَذَ بِيَدِهِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَحْبِسَهُ حَتَّى يَبْعَثَ بِهِ إِلَى يَزِيدَ بْنِ الْوَلِيدِ، فَبَادَرَهُ عَلَيْهِ عَشَرَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ فَأَقْبَلُوا عَلَى الْوَلِيدِ يَضْرِبُونَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ بِالسُّيُوفِ حَتَّى قَتَلُوهُ ، ثُمَّ جَرُّوهُ بِرِجْلِهِ لِيُخْرِجُوهُ، فَصَاحَتِ النِّسْوَةُ فَتَرَكُوهُ، وَاحْتَزَّ أَبُو علاقة القضاعي رأسه، واحتاطوا على ما كان معه مما كان خرج به في وجهه ذلك، وَبَعَثُوا بِهِ إِلَى يَزِيدَ مَعَ عَشَرَةِ نَفَرٍ. (البداية والنهاية ط إحياء التراث 10/ 12)
فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَيْهِ بَشَّرُوهُ بِقَتْلِ الْوَلِيدِ وَسَلَّمُوا عَلَيْهِ بِالْخِلَافَةِ فقال له روح بن بشر بْنُ مُقْبِلٍ: أَبْشِرْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بِقَتْلِ الوليد الفاسق ، فَأَطْلَقَ لِكُلِّ رجل من العشرة عشرة آلاف، وسجد شكراً، وَكَانَ ذَلِكَ ليلةَ الجمعةِ وَقِيلَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءَ – لِلَيْلَتَيْنِ بَقِيَتَا مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
فَأَمَرَ يَزِيدُ بِنَصْبِ رَأْسِهِ عَلَى رُمْحٍ وَأَنْ يُطَافَ بِهِ فِي الْبَلَدِ، فَقِيلَ لَهُ إِنَّمَا يُنْصَبُ رَأْسُ الْخَارِجِيِّ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَأَنْصِبَنَّهُ، فَشَهَرَهُ فِي الْبَلَدِ عَلَى رُمْحٍ ثُمَّ أَوْدَعَهُ عِنْدَ رَجُلٍ شَهْرًا ثمَّ بَعَثَ بِهِ إِلَى أَخِيهِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَزِيدَ، فَقَالَ أَخُوهُ بُعْدًا لَهُ: أَشْهَدُ أَنَّكَ كُنْتَ شَرُوبًا لِلْخَمْرِ مَاجِنًا فَاسِقًا وَلَقَدْ أَرَادَنِي عَلَى نَفَسِي هذا الفاسق وأنا أخوه، لم يأنف من ذلك.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّ رَأْسَهُ لَمْ يَزَلْ مُعَلِّقًا بِحَائِطِ جَامِعِ دِمَشْقَ الشَّرْقِيِّ مِمَّا يَلِي الصَّحْنَ حَتَّى انْقَضَتْ دَوْلَةُ بَنِي أُمَيَّةَ، وَقِيلَ إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ أَثَرَ دَمِهِ، وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَ قُتِلَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ سَنَةً، وَقِيلَ ثَمَانِيًا وَثَلَاثِينَ، وقيل إحدى وثلاثين، وَقِيلَ ثِنْتَانِ وَقِيلَ خَمْسٌ، وَقِيلَ سِتٌّ وَأَرْبَعُونَ سَنَةً.
وَمُدَّةُ وِلَايَتِهِ سَنَةٌ وَسِتَّةُ أَشْهُرٍ عَلَى الأشهر، وقيل ثلاثة أَشْهُرٍ. (البداية والنهاية ط إحياء التراث 10/ 13)
مصادر ترجمته:
مروج الذهب
تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري
الكامل في التاريخ
البداية والنهاية
الفتن لنعيم بن حماد
مسند أبي يعلى الموصلي
المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية
أنيس الساري تخريج أحاديث فتح الباري
الضعفاء لابن حبان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

قصة اعتناق مستشار نيكسون روبرت گرين الإسلام

الرئيس الأمريكي الراحل نيكسونله مستشار اسمه (روبرت گرين) حصل على دكتوراة في القانون العامثم دكتوراة …