أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / غياب التيار الليبرالي في سورية

غياب التيار الليبرالي في سورية

د. قصي غريب

كاتب وأكاديمي سوري
عرض مقالات الكاتب

بعد تفكك الدولة العثمانية، الدولة التي كان السوريون جزءاً منها، وينتمون إليها ويحملون هويتها وجنسيتها، فقد صبغت الليبرالية الوليدة بلونها النخبة السياسية والفكرية والاجتماعية والدينية الجديدة في بلاد الشام فأعلنت من خلال المؤتمر السوري العام في 8 آذار 1920 قيام دولة المملكة السورية العربية بقيادة الملك فيصل بن الحسين، وكتبت دستوراً عرف باسم القانون الأساسي الذي نص “على أن البلاد ملكية دستورية مدنية نيابية فيها الإدارة لا مركزية، وتكفل الحريات السياسية والاقتصادية، وحقوق الطوائف الدينية، وتساوي بين المواطنين.” وبعد إعلان الانتداب الفرنسي على سورية واحتلالها وحل وإلغاء المملكة، فقد قاد التيار الوطني الليبرالي الواعد من خلال الكتلة الوطنية الثورة والمقارعة ضد الاحتلال الفرنسي، كما أنه قاد التفاوض مع فرنسا من أجل خروجها والاستقلال عنها، وبعد الحصول على الاستقلال منها، فقد قامت الكتلة الوطنية السورية ذات التوجه الديمقراطي الليبرالي الذي أخذ – يشتد عوده – في بناء النظام السياسي والعملية السياسية وتوجيه وقيادة السياسة فيها بعد أن استطاعت تكييف الديمقراطية والليبرالية مع الثقافة العربية الإسلامية للمجتمع السوري إلا أن الكتلة الوطنية السورية التي كانت تجمع الآباء الأوائل للوطنية السورية والاستقلال نتيجة الخلافات السياسية والطموحات الشخصية ما لبثت أن انشقت إلى حزبين ،هما الحزب الوطني ،وحزب الشعب ،وما تفرّع عنها وعنهما ولكن على الرغم من الذي حصل فقد ظلوا أمناء على عقليتهم وسلوكهم الليبرالي.

لكن هذا التيار السوري الليبرالي الديمقراطي العتيد بأحزابه السياسية وشخصياته الوطنية قد بدأ سحقه مع قيام الانقلابات العسكرية، ولاسيما انقلاب حسني الزعيم وسامي الحناوي وأديب الشيشكلي، وتم وأده والقضاء عليه بانقلاب 8 آذار 1963 وما نتج عنه، ولذلك لم يستطع حزب أو أشخاص الحلول مكانه ويكونون استمراراً له وهذا يعود لاعتبارات عدة يأتي في مقدمتها أنّ الأحزاب والأشخاص الذين يعارضون النظام ويتصدون لاستبداده ويزعمون أنهم ليبراليون وديمقراطيون في سورية هم تربية وثقافة أحزاب قومية وإسلامية وماركسية ذات فكر شمولي لا علاقة لها بالليبرالية والديمقراطية ، وبخاصة على المستوى الداخلي في حياتها الحزبية، حتى وإن كانت تلك الأحزاب والأشخاص يتشدقون بها ويدعون إلى تطبيقها كنظام سياسي، كما أن العمل السري تحت الأرض بسبب حالة الاستبداد والقمع في سورية قد أسهم في سحق الحياة الحزبية العلنية القائمة على شيء من هامش حرية المناقشة والأخذ والرد والحوار، فضلاً عن ذلك أن من يزعمون أنهم ليبراليون وديمقراطيون وأنشأوا كيانات على هذا الأساس جلهم من أبناء الكيانات الاجتماعية المغلقة الذين انتسبوا إلى الكيانات السياسية الشمولية الدوغماتية ذات الفكر الذي لا يمت لثقافة المجتمع السوري بصلة رحم ، وما انفكوا يثبون من خندق إلى آخر من دون وازع ، ويغيرون ميولهم وشعارتهم السياسية بما يتلاءم مع المتغيرات وحالة العرض والطلب بحيث أنهم قد انتقلوا بلمح البصر من أقصى اليسار وادعاء التعصب العقائدي له إلى أقصى اليمين وادعاء التعصب الأيديولوجي له على غير احتشام، في حين هم بالحقيقة يظهرون من خلال عقلياتهم وسلوكهم السياسي في الساحة السياسية السورية فئويون لا علاقة تربطهم بالمجتمع السوري وثقافته السائدة ولا بالوفاء للانتماء الأيديولوجي والولاء له والسير على دربه وخاصة الفكر والسلوك الليبرالي، ولا صلة لهم بالإيمان بالديمقراطية القائمة على الأكثرية السياسية والأقلية السياسية وواجب احترام تبعاتها، والدليل على ذلك أنهم ما يزالون يعملون على فرض نظام سياسي قائم على الامتيازات والمحاصصات لا الحقوق، كما ما فتئوا يطالبون بفرض مبادئ ما فوق دستورية من أجل تقييد إرادة الأكثرية وما زالوا يغازلون القيم التي تدعو القوى الدولية إلى تطبيقها في العالمين العربي والإسلامي ، من أجل تمكينهم من السلطة ، في حين على أرض الواقع ليسوا بتنظيمات حقيقية ذات قيمة ومكانة سياسية واعتبارية في الساحة السياسية لأنهم يفتقدون إلى الحاضنة الشعبية والقدرة على التأثير والفاعلية في المجتمع إنما هم عبارة عن شلل من الأشخاص المستهلكين المغامرين الذين يلهثون بأساليب مبتذلة من أجل الحصول على مكانة سياسية في سورية المقبلة وهذا تصرف لا يمت للديمقراطية والوطنية والأخلاق والسياسة بصلة.

وبناء على ما تقدم يمكن القول إلى هذه اللحظة الراهنة يكاد لا يوجد في سورية تيار ليبرالي ديمقراطي حقيقي يعتد به أو يراهن عليه في الساحة السياسية وإن وجدوا فهم أقلية نادرة والعبرة بالغالب الشائع لا بالقليل النادر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

فلسفة الإسلام في العلم والتعلم للارتقاء بحياتنا

د. جمال نصار أستاذ الفلسفة والأخلاق في جامعة اسطنبول صباح الدين زعيم كثيرة …