أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / التربية على المواطنة – على خلفية شعار: يا درعا حِنّا معاك للموت

التربية على المواطنة – على خلفية شعار: يا درعا حِنّا معاك للموت

د. صابر جيدوري

أكاديمي وباحث سوري.
عرض مقالات الكاتب

المستقرئ لواقع التعليم السوري يعرف أنه لم يعمل يومًا من أجل تعزيز المواطنة ولا الوحدة الوطنية، ولم تُحاول مناهجه أو سياسته التعليمية أو فلسفته التربوية أن تُرسخ الهُوية السورية الإسلامية والحضارية بمختلف روافدها في وجدان المواطن، كما أنه لم يعمل على ترسيخ حب الوطن والتمسك بمقدساته مع تعزيز الرغبة في خدمته في نفوس الطلبة. ولست بحاجة إلى كثير من الشواهد لإثبات ذلك، ولكن يكفي أن نُشير إلى أن التعليم بمجمله كان مختطفًا لصالح السلطة الحاكمة من أجل تدعيم نسقها السياسي ومنظومتها القيمية، وذلك من خلال حرمان كل من لا ينتسب إلى حزب البعث من ممارسة مهنة التعليم. جميعنا يذكر كيف تم استبعاد الشيوعين والإخوان المسلمين من التعليم، وإحالتهم إلى المؤسسات الخدمية المختلفة في مطلع الثمانينيات، لأن فكرًا لا يُساير فكر البعث لا يحق له أن يعمل في فضاءات التربية والتعليم، وكيف تم ادخال البعثيين إلى كلية الشريعة دون قيد أو شرط من أجل تخريج مشايخ لخدمة السلطان.
ليس من الصعب سرد مئات القصص التي توضح كيف تحولت الدولة إلى شقة مفروشة يتحكم بها عنترة وأعوانه حسب قول نزار:
هذي البلاد شقة مفروشة
يملكها شخص يُسمى عنترة
يسكر طوال الليل عند بابها
ويجمع الإيجار من سكانها
ويطلب الزواج من نسوانها
ويُطلق النار على الأطفال.. والظفائر المعطرة
هذي البلاد كلها مزرعة شخصية لعنترة
سماؤها هواؤها نساؤها
حقولها المخضوضرة
هذه بلاد يمنح الكتّاب فيها صوتهم
لسيد المثقفين عنترة
هكذا كانت تفعل السلطة ومازالت في البلاد والعباد، دون مراعاة لأبسط قيم المواطنة، والحوار مع الآخر المختلف، فكانت النتيجة توهين الوحدة الوطنية وتمزيق النسيج الاجتماعي واستلاب قيم المواطنة.
وبقي الأمر كذلك حتى انطلقت شرارة الثورة المباركة في 18/3/2011، حيث صدحت حناجر السوريين يومها معلنة تضامنها ووحدتها مع أبناء درعا. يومها شعر المواطن السوري بالوحدة الوطنية الحقيقية، تلك الوحدة التي جسدها أبناء بانياس وحمص وحلب وادلب وحماه وريف دمشق وصولاً إلى دير الزور وكل أنحاء سورية، يومها تلاقت هذه الحناجر،وأظهرت الوحدة الوطنية بأجمل معانيها وصورها.

جميع أبناء سورية اتفقوا على الهتاف الذي خفقت به القلوب قبل الألسن، ذاك الهتاف الخالد في ضمائر أحرار سورية “يا درعا حِنّا معاكِ للموت”. ولخوف العالم من هذه الوحدة الوطنية الحقيقية، ورعبه من تململ الشعب السوري وخروجه من قبضة الاستبداد، بدأ المجرمون مسلسل الموت بمباركة أسافل العالم كله.
إن شعار “يا درعا حِنّا معاكِ للموت” أعاد إلى الأذهان السؤال المهم: هل نحن بحاجة إلى تربية من أجل المواطنة؟ لا شك أنّ الإجابة عن هذا السؤال هي نعم. نحن بحاجة إلى تربية تكون غايتها تكوين الإنسان المواطن الواعي، الممارس لحقوقه وواجباته في إطار الجماعة التي ينتمي إليها، لا المواطن الذي يُطبل ويزمر ويصفق لنظام قصف السوريين بالكيماوي والبراميل المتفجرة. نحن بحاجة إلى تربية على المواطنة تهدف برامجها إلى تنمية قدرات المواطن السوري، وتمكينه من الكفايات اللازمة، التي تؤهله مستقبلًا لحماية خصوصياته وهويته وممارسة حقوقه، وأداء واجباته بكل وعي ومسؤولية، حتى يكون مؤهلًا للتواصل مع محيطه بإيجابية كاملة.
إن التربية على المواطنة التي يتطلع إليها المواطن السوري بعد الثورة، لا بد وأن تعمل على تنمية وعي المواطن بالخصوصيات الحضارية والتاريخية والوطنية، وأن تدفعه إلى التفاعل الإيجابي مع مختلف التجارب، والانفتاح الموزون على الثقافات كافة، وتمكينه من حوار واع مع كل الحضارات، وأن تُنمي لديه الإحساس بالمواطنة والانتماء إلى الوطن، وليس إلى جمهورية العمائم ومفاتيح الجنة وصكوك الغفران، بعد أن كشفت الثورة أن بعض السوريين ينتمون إليها أكثر مما ينتمون إلى وطنهم، مع التأكيد أن مضمون شعار “يا درعا حِنّا معاك للموت” يصب في هذا الاتجاه، فالمواطن الصالح هو المواطن الذي تتناغم إرادته مع إرادات أبناء وطنه كافة، وليس الذي تتناغم إرادته مع إرادة الدكتاتور وجمهورية الحقد الايرانية، ولهذا لا بد من أن تدفع التربية على المواطنة المواطن إلى السعي الحثيث إلى اكتشاف ذاته ومحيطه من جهة، وأن تدفعه إلى أن يُصبح قادرًا على التمييز بين العدو والصديق من جهة ثانية.
ومن خلال هذا الاكتشاف تتشكل لديه الاقتناعات والتصورات المرتبطة بوجوده، والوعي بمختلف الأبعاد الحقوقية والاجتماعية والثقافية. وهذا ما يساعده بعد ذلك على بناء المواقف والاتجاهات ومناقشتها في ضوء القيم السامية للمواطنة، كما يساعده على بناء القدرات والمهارات التي تمكنه من الإبداع والابتكار والتميز، من أجل أن ندفع بالحياة على أرض الواقع من الجمود والثبات إلى آفاق التجديد والإبداع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

قيود الإيديولوجيا – رؤية نقدية –

د. حسام الدين فياض الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع- جامعة ماردين …