أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / مقاصد ثورية في صيام رمضان

مقاصد ثورية في صيام رمضان

مجدي شلش

أستاذ أصول الفقه المساعد بجامعة الأزهر الشريف
عرض مقالات الكاتب

أقرب تعريف لحقيقة الإنسان هو: مجموعة غرائز في كيان أو جسم، غرائز متعددة ومتنوعة، بعضها فوق بعض درجات، وكل ما شرعه الله سبحانه وتعالى من أحكام إيمانية أو أخلاقية أو عبادية أو عادية سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو فنية أو تعليمية لا تصدم مع مجموعة الغرائز التي غرسها فيه.

المقاصد من شرعة الأحكام عموما والصيام خصوصا في التعامل مع الإنسان يظهر في عدة أمور:

أولا: المحافظة على أصل الغريزة والإبقاء عليها، دون استئصال أو إلغاء، لأن هذا يخالف غرسها وخلقها وجعلها من طبيعة الإنسان وفطرته، والوصول بالشريعة إلى حد محو الغريزة معناه قتل للبنيان الذي أقامه الله سبحانه وتعالى بغير حق وعلم.

ثانيا: الشارع الحكيم تعامل مع الغريزة بداية بالتهذيب والتربية، حتي تؤدي وظيفتها التي خلقها الله في طبيعة الإنسان، فغريزة الأكل والشرب مثلا لا يمكن للإنسان أن يحيى بدونها، ولذلك أمر الشرع بها، لكنه وضع لها من الضوابط والمعايير التي لا تخرج بها من حد وظيفتها – إقامة النفس – إلى كونها وسيلة للإضرار بالنفس أو الغير.

فالله سبحانه وتعالى قال: ” وكلوا واشربوا ولا تسرفوا…” وأحل الطيبات من المطعومات والمشروبات وحرم الخبائث منها، فحرم أكل لحم الكلب والخنزير والميتة والدم، وحرم الخمر وكل مايذهب العقل، كل ذلك في صالح الكينونة البشرية والنفس الإنسانية، والله سبحانه وتعالى هو الذي وضع معايير الارتقاء بالغريزة لأنه خالق الإنسان، فهو يعلم ما يصلح غريزته ويهذبها ويرتقى بها، ويعلم سبحانه وتعالى ما يفسدها وينتكس بها ” ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ” ” الذي خلق فسوى ” .

فكان من نعمته ورحمته بالكائن البشري أن أنزل له من التشريعات التي تجعل الغريزة تؤدي وظيفتها دون إفراط أو تفريط، وهذا أول قانون أنزله الله على آدم -عليه السلام – أصل الكائن البشري، فقال له من أول هبوط له إلى الأرض ” …فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداى فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكرى – شريعتي – فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى “

كل ما تعانيه النفس الإنسانية اليوم من صعوبة في الحياة وضنك في المعيشة إنما هو نتيجة البعد عن الضوابط والمعايير الشرعية التي أنزلها الله سبحانه وتعالى في قرآنه وسنة حبيبه المصطفى – صلى الله عليه وسلم – فما أصاب البشرية من شقاء وتعاسة إنما هو بما كسبت أيديها ويعف عن كثير ” ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس…”.

ثالثا: الشارع الحكيم ارتقى بالغريزة من حد التهذيب والتربية إلى حد السمو بها لفترات متابعدة، وأوقات غير متقاربة، حتى لا تشغل الغريزة الإنسان عن أصل خلقه، وهو عبادة الله وحده، وإن كان التعاطي مع الغريزة من حيث الأصل مباح، ومن هنا شرعت العبادات التي قد يحرم فى أثنائها تعاطي بعض الغرائز الضرورية في بقاء الإنسان واستمراره في الحياة.

فأصل الصوم – مثلا – الامتناع عن شهوتي البطن والفرج لمدة طويلة من الساعات، وذلك خدمة لغرائز أخرى في الإنسان تريد أن تشبع النفس منها في رمضان، كغريزة العزيمة والحرية وتملك الإرادة وتقويتها وغلبة العدو وقهره، وشبع النفس منها يكون على حساب غريزة الأكل والشرب والجنس المباح طول العام، والذي قد يسرف الإنسان في بعض الأوقات في التعاطي معها، فيأتي الصوم مرجحا غريزة على أخري بتشريع ملزم لا يخرج منه إلا من له عذر” فمن شهد منكم الشهر فليصمه…” .

من هنا يظهر المقصد الأعلى من الصوم، وهو التسوية والاعتدال بين الغرائز جوعا وشبعا، حتى لا تبغي غريزة على أخرى، وحتى تستقيم حياة الإنسان وتعتدل ” …كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ” وأفضل تعريف للتقوى في نظري: الوصول بالغريزة الإنسانية والارتقاء بها إلى حد الاعتدال والتوسط دون إفراط أو تفريط.

ومن المعلوم أن ثورة يناير 2011 م إنما قامت من أجل الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، وهذا المعاني والمبادئ ظاهرة بوضوح في صيام رمضان من خلال الآتي:

أولا: الحرية التي نقصدها هي انطلاق الشخص في المجتمع غير مقيد، يفعل ما يشاء، ويصرح بما يشاء، ويختار المكان المناسب لسكنه ومعيشته ومن يحكمه، الانطلاق من كل القيود في الطعام والشراب والمسكن والملبس والمركب والعمل والسياسة بالاختيار الحر المباشر مقصد كبير من مقاصد الصوم، فالصوم انطلاق من عبء المادة إلى حرية الروح والنفس، كل ذلك مشروع في إطار معايير وضوابط الشرع التى رسمها لانطلاق الغرائز.

فالحرية تعني الانعتاق من أسر العبودية والذلة والمهانة إلى سعة الاختيار، ومن لم يعش الحرية في الصوم فكماله ناقص، وصيامه لم يحقق الغاية، في ظني أن أكبر مكاسب الصوم العتق من دورية الحياة المادية الراتبة إلى فضاء النفس والكون والحياة.

الثورة إنما قامت من أجل أن يتحرر الإنسان من عبوديته لأخيه الإنسان، إلى عبادة رب الكون والشريعة والدين، ومن الذلة والمهانة التي جلبها العسكر إلي بلادنا الحرة الأبية إلى الحرية والتمتع بما أنعم به علينا الله الواحد الديان، وإذا أردت أن تعرف الصيام في لفظ موجز فقل: الحرية من أسر البطن والفرج إلى فضاء الروح والنفس والعقل والأكوان، فهيا نحرر البلاد والأوطان بعد حرية الإنسان عما عاش وألف من الظلم والطغيان.

من الدعاء الذي أوصي نفسي به في كل لحظات الصفاء والعتق والحرية من أسر المادة ” اللهم كما حررت غرائزنا بالصوم حرر أوطاننا من المحتل، يارب تحررنا من أسر شهواتنا فحرر أسرانا في السجون والمعتقلات، يارب تحررنا من شىء فحرر لنا كل شىء حتى نعبدك حق العبادة “.

ثانيا: الكرامة الإنسانية: الاعتزاز والثقة بالنفس، واحترام الذات، والعفة عن الدنايا والنقائص التي تذهب من رفعة النفس وعلو شأنها، وما الصوم إلا رفعة وعزة عن حل ومحرم، وعن ضعف وترهل للإرادة، الصوم سمو في اعتدال، ورفعة بغية الكمال، وتعال عن جرح أو غضب، الصوم ثورة للنفس إلى الأحسن والأرقى والأكرم والأفضل، الصوم ليس حرمان وبطلان ومشقة، وإنما نصرة وقوة وعزة وكرامة.

هذا ما يفسر لك سر انتصار المسلمين في رمضان، كيف تنهزم نفوس في ميدان الحسام وقد هزمت ضعفها وصغارها في ذاتها، فأصبحت عالية النفس، عزيزة الجانب، اللهم ثورة بكرامة، وعزة وقوة في رمضان تخلع الباطل وأهله، وتعيد الحق لصحبه.

اللهم ثورة على الانقلابين في رمضان لا تبقي منهم ولاتذر، تجعلهم كالعهن المنفوش، والفراش المبثوث، والعصف المأكول، اللهم صمنا لك بكرامتنا وعزتنا وعفتنا فحقق لثورتنا آمالها، وأعد لها رشدها، واسحق عدوها، وطهر صفها، واجمع شمل ثوارنا على ما تحبه وترضاه، ويرفع شأن الوطن.

ثالثا: العدالة الاجتماعية: توزيع الغنم والغرم، وهذا هو الصوم، عدل وقسط ومساواة بين الغني والفقير، والقوي والضعيف، والرجل والمرأة، الكل يصوم ما لم يكن هناك مانع أو عذر، الكل يفطرفي البلد الواحد في وقت واحد، الكل يجتمع للصلاة في المساجد.

الصيام لوحة ربانية رسم فيها الجميع بالفرائض والنوافل، لا محاباة ولا مجاملة لأحد، الكل سواء في التكليف والعطاء منه سبحانه وتعالى، فاللهم ثورة في رمضان تحقق لنا العدل والمساواة والأخوة بين أبناء الوطن، حتي لا يعلو غني على فقير، ولا يستبد ظالم على مواطن مظلوم، ولا يقهر مغرور أخيه بل يحبه ويأويه.

الصيام جنة أي وقاية من الضعف والذلة والمهانة والسكوت، وتقوي وتهذيب وتربية، وسمو بالنفس بالعتق بالحرية والكرامة، وثورة للقيم والمبادئ ضد الخائن والباغي والمستكبر، الصوم سياحة إيمانية بالعقل والقلب والنفس والروح والوجدان والإحساس والمشاعر بالتمتع بالقرآن المقروء، والنظرفي الكون المفتوح المنظور.

لذلك شرع الاعتكاف للنظر في الذات الإنسانية ومعرفة قدرها، والحكمة الإلهية وتقديرها حق قدرها، الاعتكاف حقيقته: عبرة من الماضي بكل ما فيه، واجتهاد للحاضر رغم قسوته وشدة ما نلاقيه، ورؤية للمستقبل تعز شبابه وتحقق كل أماله، الصوم ثورة على الماضي الذليل، وقوة للحاضر الذي نبغيه، وحرية وكرامة وعدالة للمستقبل الذي نبغيه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

زراعة الخوف وزراعة الحياة

حسام نجار كاتب صحفي ومحلل سياسي مقالي هذا يختلف في عرضه وطريقة طرحه …