أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / سُنّة إهلاك الأمم

سُنّة إهلاك الأمم

بشير بن حسن

مفكر إسلامي.
عرض مقالات الكاتب

ما لا يلحظه كثير من الناس، أن الله جل في علاه يهلك المتمرّدين عليه بما يناسب حالهم ، ويكشف ضعفهم ، و يبيّن به عجزهم ، وهذه سنّة من سنن الله في الكون، ( فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ) ،
فحقيقة إهلاك الطغاة والظالمين ، ثابتة ،كما قال تعالى( وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا )
وقال أيضا ( قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ ) .
وقال أيضا ( وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا )
وقال أيضا ( وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ …)
وقال أيضا ( وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِّن دَارِهِمْ حَتَّىٰ يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ) .

ولكن ينبغي التأمل في كيفية إهلاك الأمم ، و زوال الحضارات ، فهو من الفقه الذي يزيد المؤمن إيمانا ، و يزيده نورا وبصيرة ، يقول الله تبارك وتعالى ( وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ (36) إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) ) .

ولما أهلك الله الذين قتلوا ناصر الرسل في سورة ياسين ، قال تعالى عن أولئك المجرمين: ( ۞ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ قَوْمِهِ مِن بَعْدِهِ مِن جُندٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ (28) إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ (29) يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ ۚ ….)،

فتأملوا الآن ، كيف أهلك الله أعداءه ، تعاظم فرعون فقال ( أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ ) وقال ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (36) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَىٰ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا ۚ ..) فكيف هلك ؟ هلك غريقا في أسفل نقطة وأخفض مكان وهو قاع البحر ، وهو الذي أفتخر يوما بالماء الجاري تحت رجليه يوم أن قال ( وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ ) فكانت عاقبته أن أجرى البحر كله فوقه !! قال سبحانه عن هذا المشهد ( … حَتَّىٰ إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً ۚ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) ) .

وهذا قارون ، ( فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ) و تعالى وتبختر بماله وقصره ، فكانت نهايته كالتالي (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنتَصِرِينَ ) .

وهذا هي عاد قوم هود ، الذين قالوا ( مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً ؟) فرد الله عليهم ( أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ) فبماذا سيهلك هؤلاء الأقوياء ؟
بالهواء !!! قال تعالى ( فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ )
( سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَىٰ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَىٰ لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ (8) ) !!

وهذه ثمود ملأوا الدنيا بالعمران ، ونحتوا الجبال بيوتا ، و كثيرا ما رفعوا أصواتهم في وجه نبي الله صالح عليه السلام ، فكيف سيهلكون ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ) ( فَمَا أَغْنَىٰ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) صيحة واحدة من جبريل أهلكتهم ، في مقابل ذلك الصياح بالكفر والطغيان الطويل !!

وهؤلاء قوم لوط عليه السلام ، قلبوا الفطرة ، ونكّسوا الوجهة ، و بدلوا الشهوة ، فكانوا يأتون الرجال شهوة من دون النساء ، فكان عقابهم أن قلب الله بهم قريتهم ( فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ (82) مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83) ) .

و لا تزال سنة الله ماضية الى يوم القيامة ، فمع ما تفشى من الكفر و الظلم والمعاصي ، مع ما انتشر من الطغيان والكبرياء والاستعلاء ، ها هي البشرية تعجز في فيروس !! مخلوق لا تراه العيون المجرّدة !!

في زمان العلم والتطور الطبي والتكنولوجي ، تقف البشرية عاجزة حائرة ، في هذا الفيروس الذي شلّ حركتها ، و أذهل أمرها ، و بعثر حساباتها …
فيروس يرغم الله به أنوف الطغاة !!

فيروس يدمّر الله بها ميزانية شركات ومؤسسات عملاقة !!

فيروس يهوي به إقتصاد دول متقدمة !!

فيروس يحول الله به حياة الإنسان من النعيم إلى الجحيم ، ومن الأمن الى الخوف ، ومن الشبع الى الجوع ،ومن الغنى الى الفقر ، ومن الحرية إلى الحبس والأسر !!!

فسبحان الله ما أعظم قدرته ، وما أشد بطشه ( إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ )

وفي ختام هذا المقال ، أختم بخير قول ، وهو قول الله عز وجل ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ) ..

فهل من معتبر ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الثورة السورية المسكينة المظلومة

د. موفق السباعي مفكر ومحلل سياسي إن القانون الذي وضعه الله الخبير البصير …