مقالات

هل يكون الشعب الليبي أول المستفيدين من جائحة كورونا؟

أنور الغربي

الأمين العام لمجلس جينيف للعلاقات الدولية والتنمية
مستشار سابق في رئاسة الجمهورية
عرض مقالات الكاتب

تنذر تطورات الأحداث في ليبيا بمتغيرات مهمة لصالح الشعب الليبي،وتعطي دفعًا جديدًا لدعاة الحرية والكرامة والدولة المدنية في المنطقة والعالم. فالطريقة التي تتقدم بها قوات حكومة الوفاق المعترف بها دوليًا على أكثر من محور، وسقوط مدن الساحل الغربي التي كانت تسيطر عليها قوات اللواء المتقاعد خليفة حفتر خلال ساعات تدل بوضوح على وجود تخطيط عالي الدقة وإصرار على حسم المعارك وانهاء التمرد على جبهات المنطقة الغربية، في الوقت الحالي، ومن ثم التخطيط لكيفية اعادة سيطرة الدولة على منطقة الهلال النفطي والجلوس على طاولة المفاوضات مع العقلاء والوطنيين في المنطقة الشرقية لتحرير ليبيا من التدخلات الخارجية ،والأجندات العبثية.
فخلال الأسبوع الحالي، أكدت أغلب التقارير المحايدة ،بأن حكومة السراج ربحت الحرب الالكترونية ،وأن طائراتها المسيّرة تسيطر بالكامل على الأجواء ، ونجحت إلى حدّ الآن في إلحاق خسائر كبيرة في صفوف قوات خليفة حفتر التي تتقهقر بسرعة مذهلة مما أربك بالكامل حسابات داعميه والدافعين به إلى المعارك لمواجهة قوات الحكومة المعترف بها دوليَا.
وتؤكد العديد من المؤشرات بأن المعارك في المنطقة الغربية سوف تحسم خلال أيام لصالح قوات حكومة الوفاق التي أعلنت منذ أسابيع رغبتها في وقف المعارك على الجبهات ،من أجل التصدي لوباء كورونا والحد من انتشاره ، ولكن اصرار حفتر على مواصلة القتال وتزايد القصف على المستشفيات وأماكن تواجد المواطنين في أحياء طرابلس، يعطي المبررات القانونية والأخلاقية لحكومة الوفاق للرد والدفاع عن الليبيين ،والشروع في تحرير المناطق التي تم الاستيلاء عليها في السابق .
وفيما يلي أهم المؤشرات التي تدل على ارتباك قوات حفتر المدعومة بقوى إقليمية ودولية معادية لثورات الشعوب العربية:

  • تزايد القصف العشوائي على بعض أحياء العاصمة رغم إدراك حفتر ورجاله ومن يدفعه لمواصلة القتال، بأن ما يقومون به هو انتهاكات خطيرة وجرائم حرب، كما أن السلاح المستعمل هو من النوع المحرم استعماله بحق المدنيين والمناطق الآهلة بالسكان والمنشئات المدنية.
  • انهيار قوات حفتر وتسليم العشرات لأنفسهم لقوات حكومة الوفاق وسهولة وقوع الآخرين في الأسر مع سرعة حسم المعارك على أكثر من محور وحصار ترهونة آخر معاقل حفتر في المنطقة ،ما يدل على فعالية السلاح الذي تسلمته الحكومة من الأتراك بموجب الاتفاقية المبرمة بين الطرفين والتي غيّرت المعادلة بالكامل ،كما يدل على انهيار معنويات الخصوم.
  • مواصلة الإعلام الممول من الرباعي العربي و الموالي لحفتر الحديث عن انجازات والتغني بالبطولات والرقص على وهم الانتصارات للتغطية على الفشل الذريع في الميدان.
  • انكفاء فرنسا الداعم والمحرك الأساسي لحفتر وتراجع دعمها له بسبب المشاكل الداخلية الكبيرة التي نتجت عن جائحة كورونا ،وتزايد التقارير المخابراتية التي تتحدث عن الصورة السيئة لفرنسا لدى أغلب الشعوب الإفريقية والعربية، مع تزايد المخاوف داخليًا من تكلفة مواصلة الصراع مع الأتراك على أكثر من جبهة بخاصة وأن التدخل التركي مشروع بحكم الاتفاقيات الدولية. وتسعى فرنسا حاليًا للتخلص من ورقة حفتر عبر الرمي بها في الملعبين الإماراتي والروسي سعيًا ربما لجني بعض المكاسب لاحقا
  • لم يعد المحللون الاستراتيجيون في فرنسا يخفون مخاوفهم من التراجع الكبير للدور الفرنسي في أفريقيا أمام التمدد الصيني والتركي، وجاءت جائحة كورونا لتبين قوة الأتراك المتصاعدة، ماجعل عديد البلدان الأوروبية الكبيرة تلتجئ إليها عبر اقتناء المعدات التي تساعد على التصدي للوباء، كما تحدثت التقارير الاعلامية الفرنسية عن سيطرة السلاح التركي الذي سيحسم المعارك في ليبيا.
  • ازدياد الحرج في فرنسا مع تواصل صدور التقارير الأممية التي كشفت تورط فرنسا وروسيا في النزاع بشكل كبير رغم القرار الأممي بحظر تزويد ليبيا بالسلاح والعتاد العسكري؛ مع تزايد أصوات الايطاليين الراغبين في التنسيق مع الاتراك وزيادة التعاون معهم في عدة مجالات ،ومنها الملف الليبي
  • كثرة وتنوع التحركات من الجهات الإقليمية والدولية الداعمة لقوات حفتر من أجل المطالبة بوقف القتال ،ومساع أخرى لإيجاد حلول تحفظ خروجًا آمنًا للأطراف المتورطة في الفتنة بين أبناء الشعب الليبي، ومحاولتهم المستميتة من أجل ألا يتمتع الشعب بحصاد ثورة شعبية قامت من أجل الكرامة والعدالة وحقوق الإنسان ، ووقف مسار الدولة المدنية .
  • أما المحور العربي الداعم لحفتر، فإنه سيسعى لمواصلة الدفع به ،وبمن سيخلفه حتى لا تستقر ليبيا وتكون امتدادًا طبيعيًا للمنطقة المغاربية التي تشهد متغيرات عميقة لصالح الشعوب التي ترفض العبودية والاستحمار.
  • تزايد الأصوات التي تطلب من الدول المغاربية ،وبخاصة الجزائر وتونس، لعب دور سياسي واقتصادي أكبر في الملف الليبي ،وعدم الاقتصار على الادوار الديبلوماسية الحالية
  • المؤشر الآخر الذي يدل على أريحية حكومة الوفاق في التعامل مع الأحداث هو كلام رئيس الحكومة السراج بخصوص العرب الذين قتلوا أو أسروا في المعارك ،وكذلك التأكيد بأن الدولة عازمة على حسم الصراع ،وايقاف التمرد؛
    أما التحدي الأكبر فهو كيفية تعامل الحكومة مع خصومها والحفاظ على ليبيا موحدة وحقن دماء أبناء الوطن وبخاصة في المنطقة الشرقية، وكذلك الآليات التي ستعتمدها في المرحلة القادمة، وهذا سيمثل مقياساً لمدى قدرة أجهزة الدولة على محاسبة المعتدين، وتقديمهم للعدالة في الداخل، وتحريك قضايا دولية تخص الجرائم الفظيعة التي حصدت أرواح المدنيين ،ودمرت بشكل كبير البنية التحتية للعاصمة وعمقت المشاكل الاجتماعية للشعب الذي مازال يبحث عن الاستقرار والأمان والرفاه الاجتماعي بعد أن تخلص من نظام دموي حكم البلاد والشعب عبر لجان شعبية وآليات بعيدة عن منطق الدولة والمؤسسات.
    وأصبح واضحا اليوم بأن الدول التي تؤمن بضرورة عودة الاستبداد باعتباره الحل الوحيد لمواجهة حالة عدم الاستقرار، ومن أجل دعم المسار المصري والحفاظ على مصالحها وقطع الطريق أمام تطلعات شعوب المنطقة ،وحصار التجربة التونسية والتصدي للنفوذ الجزائري، فاتها بأن المرحلة قد تغيرت وأن الكثيرين لن يسمحوا بسقوط طرابلس، أو تقسيم ليبيا ،ليبقى المسار السياسي هو الوحيد لبناء الدولة المدنية العادلة.
    ويكفي التذكير هنا بالحملة الكبيرة الرافضة لتصريحات وزير الدفاع في تونس ،والتي أشار فيها إلى تنسيق أجهزة الدولة التونسية مع المليشيات، وأعقبته اتصالات من رئيس الجمهورية قيس سعيد ،اعتبرها عدد من المتابعين محاولات “تونسية” لدعم المحور الفرنسي – الإماراتي، ما دفع السلطات في البلاد للتوضيح والتأكيد على دعم الشرعية ،وبقي المجتمع المدني، ينتظر خطوات التنزيل على أرض الواقع ،حتى لا تصبح تونس مستنقع الصراعات والأجندات المختلفة.

وتؤيد جميع الحقائق على الارض والمؤشرات ما يطالب به العقلاء من الليبيين وهو تبني الخيار السياسي، واحترام خيار الشعب الليبي، وما على الأطراف الدولية الا مساعدة الليبيين وتوفير الأرضية لإجراء حوارات مع الوطنيين من أبناء ليبيا، تؤدي إلى قيام حكومة موحدة تدير شؤون الناس اليومية، وتحافظ على الأمن والسلم، وتؤسس لعملية البناء ،من خلال الرجوع إلى الشعب صاحب القرار النهائي في أي مسار يطرحه الساسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى