مقالات

الجمود والجحود الفئوي

محمد صالح عويد

أديب وشاعر سوري
عرض مقالات الكاتب

لماذا يُصرُّ محدودو الاطلاع ، بلا سعيٍ متواضعٍ للاستزادة وسِعة الأفقِ ؟
أن ما يتوافر لديهم هو كل ما أنجزه العقل البشري ؟
لماذا يعتبر الإختلاف بالرأي والمواقف فرصة معركة ، ولا نعتبره مشروع تفكير ومراجعة و نافذة للبحث عن إضاءة مشتركة تميط لثام العتمة عن عيون الطريق ؟
لماذا نعيش الآن بجموعنا حالة انفصال عن الواقع ،وإنكار اجتماعي، وإنسلاخ تاريخي عن إرثنا الثقافي ؟!
ما السرّ والأسباب المعاصرة المشغول عليها منذ قرنٍ فقط و التي فرمتنا لنعيش ثنائيات قاتلة :
بين الأصل والفرع ، بين العقل و ما شُبّه به نقلا ساذجًا أو مدسوسًا ببغائياً ضحلاً ؟
بين النصّ والتأويل الرغبوي البعيد عن مدلولات اللغة الرصينة والمتن وضرورات الواقع ، ومقاصد الشريعة أيّاً كانت ؟
بين النظرية والتطبيق المناسب للوقائع الطارئة بما يخدم الإنسان بأقل الخسارات ؟
بين الله والسلطان : فنحن إن جَهِلنا عبدنا الشمس شامخة ولم ننحنِ لصنم نأكله حين مسغبةٍ .
لماذا نكفر بالأصالة والتراث ، إنّ عزمنا السير في المعاصرة المتسارعة للبشريّة؟
لماذا نعتبر العلوم البحتة والمدنيّة والتجديد المهمة كلها لخلاص الإنسان وتطوره ورفاهيته تتعارض مع الإيمان – أيّاً كان منشأه ؟

أتوجّه لنفسي أولاً، ولأبناء الجغرافيا الأصلاء، ودعونا نكتفي بالشام والعراق لأن كل المشروع الاستعماري منذ بداية القرن ال20 اشتغل عليها ومزّقها وحدها أكثر من غيرها ، لعلنا نبحث في الأسباب ونفهم ما حُيكَ لنا ويتم تنفيذه حتى قيامتنا الآتية .
لو راجعنا ومنذ بدايات القرن التاسع عشر ، لنبحث عمّن تولّى الدفاع عن الإرث والثقافة العربية والإسلاميّة بكل مراحلها التاريخية الموغلة بالقدم لوجدناهم أطيافًا شتّى ومتعددي المشارب، ولكنهم التزموا احترام الثقافة المتمكنة والمتجذّرة، والواقع الاجتماعي السائد .
أستعرض وحسب ما يحضرني في ذاكرتي، عن مطبعة بولاق مثلا 1820، وبداية المعاصرة الثقافية في مصر محمد علي الألباني، عن الشاميين الهاربين من التضييق ووجدوا متسعًا من الأفق في مصر، وأسسوا صحفًا ومجلات ومسارح وفنون شتى، وكذلك المهاجرين في الأمريكيتين وأوربا، وأغلب مبدعي المهاجر من مسيحيي الشام الذين تغنّوا بإرثهم وما ميّزوا قط بين عيسى ومحمّد.
عن دار صادر البيروتية المسيحية التي عَنيت بتحقيق ونشر ذخائر الأدب والفكر العربي الإسلامي ، عن الأب آنستاس الكرملي اللغوي والمؤرّخ العراقي الذي عنى بعلوم العربية وأعتزّ بها ، واضيفوا ما شئتم من الشعراء والأدباء وابدأوا بأخطل تغلب وديك الجن الحمصي ، ولا تتوقفوا عند جبران ونعيمة وحاوي وأبو ماضي والبستاني واليازجي وعريضة وبدوي الجبل وبشارة الخوري ….
وهنا لا يمكن اعتبار شكيب أرسلان كرجل دولة وأديبٍ ، يشبهه بشيء وئام وهاب أو حفيده طلال ؟
وهل مار اغناطيوس أفرام الأوّل بطريرك الرحمة الوطني ، مثل لحّام والراعي ؟
وهل سليمان الحلبي وابراهيم هنانو وإيبش آغا ، مثل ابراهيم ابراهيم – أو صالح مسلم !؟
وهل يصل اليوم من يضرب بالإسلام بادعاء الدفاع عنه من بعض المنتسبين لمسيحيي الشرق لمستوى الراحل إدوارد سعيد وتلاميذه النجباء ؟
وهل كان المنافحون عن ثقافتهم هم فقط العرب السنّة ؟ كما يحاول بعض الحمقى الرغبويون الإيحاء بذلك لتنفيرٍ ،وتحويل هذا لعكّازٍ يهشُّ به على قطيعه،ولهم بها مآرب أخرى من إقصاءٍ وتهميشٍ ساذجٍ أو مدروس ومدسوس انتهازيٍ رخيص !
خلال سبعَة وعشرين عامًا من الاحتلال الفرنسي البغيض، كان هناك ذراع استخباري و أكاديمي نفسي ،وخبراء غير ظاهرين يدرسون التفاصيل من وراء ستار اعتمادًا على تراكم معرفي موثق، استقوها من المستشرقين والدراسات الأكاديمية والآثاريّة التاريخية،
أطلقوا الكثير من بوالين الاختبار لابتلاء رأي الشعوب، و فحص مستويات الوعي وإمكانات التمزيق الخفي العميق .غادروا مرغمين بسبب كفاح الحركة الوطنية، ولكنهم تركوا جيش الشرق الموبوء بالعمالة له ،وأطلقوا سعار الانقلابات، حتى حصلوا على بغيتهم الأمثل : الدنيء الرخيص حافظ الأسد بالتعاون مع البريطانيين .

لقد اشتغل المشروع الاستعماري العميق على الإستقطابات العرقية المذهبية ،وعملوا على تسوير الأحياء عبر الطعن بالعروبة والإسلام ،ومنح كل حيّ ميّزات موهومة لتبعده عن عمقه وانتماءه الثقافي التاريخي – الجغرافي ، وتدفعه للتمترس وراء جدارٍ زجاجي هشّ.
هذه الاستقطابات الحادّة والخبيثة تحوّلت لخنادق متجابهة وقاتلة ، تحوّلت لخصومات فكرية متنكّرة لجذورها التاريخية ، وصار الكثير من أبنائها الحمقى محدودي الرؤى ،خناجر وحراب سياسيّة رخيصة بيد الأعداء يصوبونهم لأي مقتل يعرقل نهوض الوطن ، صارت العروبة والثقافة الإسلامية سبّة وعارًا،
صارت ذرائعهم المستوردة الطارئة الواهية سببًا لسفك الدماء وتمزيق الصفوف .
لهذا لم نجد في ثورتنا من يشبه سلطان باشا الأطرش الذي فرّ مع كوكبة من فرسان السويداء للاردن ليتجنّب الصدام الوطني مع قوّة وجهها الشيشكلي لإعتقالهِ ، فقال الشيشكلي محترمًا إياه : لقد هزمني ، بفرارهِ ….
ولم نجد مثل عقلة القطامي الذي نفاه الفرنسيون للأردن، ومنعوا دخوله سورية بسبب ثورته عليهم ،وبأنه عربي وينتسب لبني غسان، وليس مجرد تابع مسيحي للمستعمر
ولم نجد من يقف ليصرخ بوجه الطاغية الذي قتل شعبه ، كما فعل فارس الخوري من على منبر الجامع الأموي بوجه فرنسا التي جاءت لحماية مسيحي الشرق من الاضطهاد !؟
وعلينا أن نستذكر في الأمس القريب والذي عاصره بعضنا :
في النصف الثاني من الخمسينييات خاض أحد أعيان سهل حوران هاني السالم .مسيحي. انتخابات رئاسة الميتم الإسلامي في مواجهة أحد زعماء الاخوان المسلمين الشيخ اجمد الجنادي، وأختار أهل درعا هاني السالم …
يبقى أن نسأل انفسنا سؤالاً قد يفكك لنا التاريخ لنفهم سيرورته :
لماذا نجحت قبائل بدو الأتراك القادمين من مجاهل آسيا، وأفلحوا فأقاموا إمبراطوريّة عظيمة استمرت لستِة قرون وتحاول بقاياها الآن استرجاع بعض مجدها بذات الطريقة التي بدأها أجدادهم ؟!
لماذا فشلت اسرة الاسد اللقيطة في سورية رغم كل وسائل وإمكانات القوة والقمع والدعم الغربي المفتوح ؟!
لماذا فشل حكم الشيعة الفارسية في العراق بعد اسقاط حكمه الوطني أمريكيا 2003 وتسليم العراق لميليشيات إيران الطائفيّة الوحشيّة رغم دعم الجميع لفسادها وإفسادها ؟
من نحنُ ؟ و إلى أين نمضي ؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى