أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / حكم إمامة المرأة للرجال في الصلاة – بحث شرعي موجز 1 من 3

حكم إمامة المرأة للرجال في الصلاة – بحث شرعي موجز 1 من 3

د. هاني السباعي

مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن.
عرض مقالات الكاتب

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد:

هذا بحث شرعي مبسط أقدمه لإخواننا طلبة العلم المبتدئين، ولكل من يهمه أمر المسلمين. نسأل الله أن يستخدمنا لنصرة دينه. وقد سرت في هذا البحث المتواضع على النحو التالي:

أولاً: تقدمة.

ثانياً: هل صلاة الجمعة واجبة في الأصل على المرأة؟

ثالثاً: أدلة القائلين بإمامة المرأة للرجال في الصلاة.

رابعاً: أدلة القائلين بعدم جواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة.

خامساً: نتف من أقوال علماء المذاهب الإسلامية.

صفوة القول.

تقدمة:

أستهل كلامي بحكاية ذكرها العلامة الونشريسي المتوفى سنة 914هـ في كتابه الماتع والموسوعي (المعيار المعرب) في الفرق بين علم القضاء وفقه القضاء وعلم الفتيا وفقه الفتيا: “ومن هذا المعنى ما ذكره ابن الرقيق أن أمير إفريقية استفتى أسد بن الفرات في دخول الحمام مع جواريه دون ساتر له ولهن، فأفتاه بالجواز لأنهن ملكه، فأجاب ابن محرز بمنع ذلك وقال له: إن جاز نظرهن كذلك، ونظرهن إليك كذلك، لم يجز نظر بعضهن بعضاً، فأغفل أسد النظر في هذه الصورة الجزئية فلم يعتبر حالتهن فيما بينهن، واعتبره ابن محرز”[1]

أقول: الشاهد من هذه القصة أن هناك فرقاً بين كون الشخص عالماً بالشئ، وبين كونه فقيهاً فيه، وهو الفرق نفسه بين العلم بالفتيا والفقه بالفتيا؛ فقد يكون الشخص عالماً بالأحكام الكلية للفتيا أو القضاء، لكنه ليس فقيهاً في الفتيا أو القضاء إذ أن الفقه في الفتيا أو القضاء هو العلم بالأحكام مع تنزيلها على النوازل وواقعات الدعوى وهو ما أراد أن يؤكد عليه الونشريسي إذ يقول: “إنما الغرابة في استعمال كليات الفقه وانطباقها على جزئيات الوقائع بين الناس، وهو عسير على كثير من الناس، فتجد الرجل يحفظ كثيراً من الفقه ويفهمه ويعلمه غيره، فإذا سئل عن واقعة لبعض العوام من مسائل الصلاة أو مسألة من الأعيان لا يحسن الجواب، بل ولا يفهم مراد السائل عنها إلا بعد عسر”[2]

لعل ما ذكره الونشريسي ينطبق على حالة الذين أفتوا تلكم المرأة (أمينة ودود) الأمريكية بجواز إمامتها للصلاة بسبب تمسكهم بشبهة تصيدوها من أحكام وأقوال مبثوثة في كتب الفقه فأفتوا لهذه المرأة أو هي أفتت لنفسها ولمن يحركها من أعداء الإسلام فصارت عالمة حسب مقاييسهم! لكنهم عندما أنزلوا الحكم على الواقع (إمامة المرأة لصلاة الجمعة) ضلوا ولم يفهموا مراد الحديث النبوي ولم يأخذوا في الاعتبار مواضيع أخرى متصلة بالصلاة مثل قوله تعالى (قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)[3]، وقوله تعالى (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن)[4]، وقوله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: (« يَا عَلِىُّ لاَ تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَكَ الأُولَى وَلَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ”[5] وحيث جرير بن عبد الله رضي الله عنه: “قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- عَنْ نَظَرِ الْفُجَاءَةِ فَأَمَرَنِى أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِى”[6] وأحاديث أخرى كان ينبغي لمن أفتى بجواز إمامة المرأة للرجال في الصلاة أن يضمها إلى سائر الأدلة لكي يكون عالماً بفقه الفتوى التي أشار إليها صاحب المعيار المعرب.

ثانياً: هل صلاة الجمعة واجبة على المرأة:

قال ابن القيم في خصائص يوم الجمعة: “الخاصة الثالثة: صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين، وهي أعظم من كل مجمع يجتمعون فيه وأفرضه سوى مجمع عرفة، ومن تركها تهاوناً بها، طبع الله على قلبه، وقُربُ أهل الجنة يوم القيامة، وسبقهم إلى الزيارة يوم المزيد قربهم من الإمام يوم الجمعة وتبكيرهم”[7]

أقول: أما من أداها استخفافاً واستهزاءً بهذه الشعيرة العظيمة كما فعلت وتفعل هذه المرأة الأمريكية (أمينة ودود) ومثيلاتها ومن يؤيدها ومن يكثر سوادها ويذب عنها فإنهم جميعاً على شفا هلكة ونحسب أن آية براءة قد شملتهم (قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون. لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم)[8]

استدل القائلون بعدم وجوب الجمعة على المرأة:

بحديث قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: “الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِى جَمَاعَةٍ إِلاَّ أَرْبَعَةً عَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَوِ امْرَأَةٌ أَوْ صَبِىٌّ أَوْ مَرِيضٌ”.  قَالَ أَبُو دَاوُدَ طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ قَدْ رَأَى النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا”[9]

وكما هو معلوم فإرسال الصحابي حجة عند جمهور العلماء وقد استشهد الزيلعي بقول النووي في الخلاصة: “وهذا غير قادح في صحته، فإنه يكون مرسل صحابي، وهو حجة ، والحديث على شرط الصحيحين”[10] وحكم الألباني عليه بالصحة في صحيح الجامع.[11]

قال الصنعاني: “والمرأة وهو مجمع على عدم وجوبها عليها”[12]

وقال الشوكاني في تعليقه على الحديث المذكور:

“فيه عدم وجوب الجمعة على النساء، أما غير العجائز (يقصد الشابة) فلا خلاف في ذلك، وأما العجائز فقال الشافعي: يستحب لهن حضورها”[13]

وقال في بداية المبتدي: “ولا تجب الجمعة على مسافر، ولا امرأة، ولا مريض، ولا عبد، ولا أعمى”[14]

وقال ابن العربي في شروط صلاة الجمعة: “العقل، والذكورية، والبلوغ، والقدرة، والإقامة، والقرية”[15]

قال الخرقي: “ولا جمعة على مسافر ولا عبد ولا امرأة[16]

قالب الغزالي فيمن تلزمه الجمعة: “ولا تلزم إلا على مكلف، حر، ذكر، مقيم، صحيح؛ فالعاري من هذه الصفات لا يلزم فإن حضر لم يتم العدد به سوى المريض”[17]

قال ابن قدامة: “وأما المرأة فلا خلاف في أنها لا جمعة عليها قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لا جمعة على النساء ولأن المرأة ليست من أهل الحضور في مجامع الرجال ولذلك لا تجب عليها جماعة”[18]

وقال ابن حزم في مراتب الإجماع: “واتفقوا أن المرأة لا تؤم الرجال. وهم يعلمون أنها امرأة فإن فعلوا فصلاتهم فاسدة بإجماع”[19]

وفي فتاوى مشيخة الأزهر سئل الشيخ عطية صقر: ” تذهب بعض النساء لصلاة الجمعة فى المسجد ، فهل صلاتها واجبة عليها بحيث لو لم تصلها تعاقب عليها ؟

أجاب: “صلاة الجمعة غير واجبة على المرأة ، وذلك للحديث الذى رواه أبو داود والحاكم ، وصححه غير واحد ” الجمعة حق واجب على كل مسلم فى جماعة ، إلا أربعة: عبد مملوك أو امرأة أو صبى أو مريض (ولحديث أم عطية الذي أخرجه ابن خزيمة: نهينا عن اتباع الجنائز، ولا جمعة علينا.) لكن مع ذلك لو صلت الجمعة صحت وأغنتها عن صلاة الظهر باتفاق الفقهاء ، وهل يستحب لها صلاتها ؟ قال الأحناف: الأفضل لها أن تصلى فى بيتها ظهرا، لمنعها عن الجمعة، سواء أكانت عجوزًا أم غيرها، وقال المالكية: إن كانت عجوزًا لا أرب للرجال فيها جاز حضورها الجمعة، وإن كان فيها أرب كره حضورها، أما الشابة فإن خيف من حضورها الفتنة حرم عليها الحضور، وإلا كره. وقال الحنابلة: يباح لها الحضور لصلاة الجمعة إن كانت غير حسناء، فإن كانت حسناء كره. وقال الشافعية: يكره للمرأة حضور الجماعة إن كانت مشتهاة ولو فى ثياب بالية، وكذا غير المشتهاة إن تزينت أو تطيبت. وكل ذلك إذا أذن لها وليها بالحضور، وإلا حرم عليها حضور الجماعة كما يحرم حضورها إذا خيفت الفتنة “[20]

وفي فقه الإمامية: قال الحلي فيمن يجب عليه صلاة الجمعة:  “ويراعى فيه شروط سبعة: التكليف، والذكورة والحرية، والحضر، والسلامة من العمى والمرض والعرج…”[21]

 قال الطوسي في النهاية تحت عنوان باب الجمعة وأحكامها: “وتسقط عن تسعة نفر: الشيخ الكبير، والطفل الصغير، والمرأة…”[22]


[1]  الونشريسي: المعيار المعرب ـ دار الغرب الإسلامي ـ بيروت ـ ج10 ـ ص78.

[2]  الونشريسي: المعيار المعرب ـ دار الغرب الإسلامي ـ بيروت ـ ج10 ص78.

[3]  سورة النور آية 30.

[4]  سورة النور آية 31.

[5]  سنن الترمذي : الحديث رقم 3004. قال الترمذي هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك. والحديث رواه أبو داود في سننه في كتاب النكاح برقم 2151. وفي مسند أحمد: مسند علي بن أبي طالب برقم 1389. وفي  سنن الدرامي كتاب الرقاق 2765. وفي سنن البيهقي كتاب النكاح برقم 13898.

[6]  صحيح مسلم الحديث رقم 5770.

[7]  ابن القيم: زاد المعاد ـ تحقيق حمدي بن محمد آل نوفل ـ مكتبة الصفا ـ القاهرة ـ  ط1 ـ 1423هـ ـ ج1 ص146.

[8]  سورة التوبة آية 65 ، آية 66.

[9]  أبو داود: سنن أبي داود ـ الدار المصرية اللبنانية ـ القاهرة ـ  ج1 ص280 ـ الحديث رقم 1067.

[10]  الزيلعي: نصب الراية ـ دار الحديث ـ القاهرة ـ ج2 ص240.

[11]  الألباني: صحيح الجامع الصغير وزيادته ـ المكتب الإسلامي ـ بيروت ـ ط3 ـ 1408هـ ج1 ص579 الحديث رقم 31111.

[12]  الصنعاني: سبل السلام ـ دار الفكر ـ  بيروت ـ ج2 ص659.

[13]  الشوكاني: نيل الأوطار ـ  دار الوفاء ـ المنصورة ـ مصر ـ ج2 ص538، ص539.

[14]  الميرغناني: الهداية شرح بداية المبتدي ـ دار الحديث ـ القاهرة ـ مطبوع مع نصب الراية ـ ج2 ص239.

[15]  ابن العربي: أحكام القرآن ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ ج4 ص246.

[16]  ابن قدامة: المغني ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت ـ مطبوع مع الشرح الكبير ـ ج2 ص193.

[17]  الغزالي: الوجيز في فقه الإمام الشافعي ـ دار المعرفة ـ بيروت ـ ج1 ص64.

[18]  ابن قدامة: المغني ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت ـ مطبوع مع الشرح الكبير ـ ج2 ص193.

[19]  ابن حزم: مراتب الإجماع ـ مطبوع مع كتاب محاسن الإسلام لمحمد بن عبد الرحمن البخاري ـ دار الكتاب العربي ـ بيروت ـ ط3 ـ ص27.

[20]  موسوعة فتاوى دار الإفتاء المصر وفتاوى لجنة الإفتاء بالأزهر: الموضوع رقم 62 فتوى الشيخ عطية صقر في مايو 1979م.

[21]  الحلي: شرائع الإسلام ـ مؤسسة الوفاء ـ بيروت ـ ط3 ـ 1303هـ ـ ص73.

[22]  الطوسي: النهاية في مجرد الفقه والفتاوى ـ درا الكتاب العربي ـ بيروت ـ ط1 ـ 1390هـ ص103.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الاستراتيجيات الأمريكية والتحالفات الدولية عرض ونقد وتقييم 9 والأخير

أكرم حجازي كاتب وباحث أكاديمي    يبدو أنه لا يختلف إلا في الشكل. …