دين ودنيا

تقليد الأئمة

محمد عبد الحي عوينة

كاتب وداعية إسلامي. إندونيسيا.
عرض مقالات الكاتب

هل يجوز لمن ليس مجتهداً أن يقلد إماماً غير الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب؟
اعلم أولاً : علمك الله كل خير – أن مذاهب السلف الماضين ، من الصحابة والتابعين ، رضوان الله عليهم أجمعين ، كثيرة لا تكاد تنحصر الآن عدداً ، وكلها اجتهادات استوفت الشروط ، فاستفادت من الله تعالى معونة ومدداً ، ولا يجوز لأحد الطعن فى شئ منها أبداً ، كما قال الشيخ عبد الرؤوف المناوي – رحمه الله تعالى – فى شرح الجامع الصغيرللسيوطى (فيض القدير 1/272 فى شرح حديث اختلاف أمتى رحمة):
“ويجب علينا أن نعتقد أن الأئمة الأربعة، والسفيانين – يعنى سفيان الثورى، وسفيان بن عيينة – والأوزاعي، وداود الظاهري، واسحاق بن راهوية، وسائر الأئمة على هدى من ربهم ، ولا التفات لمن تكلم فيهم بما هم بريئون منه انتهى .
وأما تقليد مذهب من مذاهبهم الآن ، غير المذاهب الأربعة فلا يجوز ؛ لا لنقصان في مذاهبهم ورجحان المذاهب الأربعة عليهم، لأن فيهم الخلفاء المفضلين على جميع الأمة ؛ بل لعدم تدوين مذاهبهم ، وعدم معرفتنا الآن بشروطها ، وقيودها ، وعدم وصول ذلك إلينا بطريق التواتر، حتى لو وصل إلينا شئ من ذلك كذلك، جاز لنا تقليده لكنه لم يصل كذلك .
قال المناوي (فيض القدير شرح الجامع الصغير1/272، شرح حديث اختلاف أمتى رحمة)
لا يجوز تقليد الصحابة – رضي الله عنهم – وكذا تقليد التابعين.
كما قاله : إمام الحرمين، من كل من لم يدون مذهبه، فيمتنع تقليد غير الأربعة فى القضاء ، والإفتاء ، لأن المذاهب الأربعة قد انتشرت، وتحررت ، حتى ظهر تقييد مطلقها وتخصيص عامها، بخلاف غيرهم . لانقراض أتباعهم.
وقال إمام الحرمين أيضاً : “أجمع المحققون على أن العوام ليس لهم أن يتعلقوا بمذاهب أعيان الصحابة – رضي الله عنهم- بل عليهم أن يتبعوا مذاهب الأئمة الذين سبرو، ونظروا ، وبوّبوا”
(نقل عنه ذلك صاحب تيسير التحرير 2/456 ، العبادي في شرح الورقات 2/552 ، نفائس الأصول 9/4150 ، نهاية السول 3/351)
وقد نقل الإمام الرازي إجماع المحققين على منع العوام من تقليد الصحابة وأكابرهم .
وفى مجموع الفتاوى لابن تيمية (20/583 ، 584). وسئل رحمه الله (يعني ابن تيمية) : هل يسوغ تقليد هؤلاء الأئمة ، كحماد بن أبى سليمان ، وابن المبارك ، والثورى ، والأوزاعى .
فقال: إن عدم الجواز هو قول أحمد ، والقائلون به (أي بعدم الجواز) كثيرٌ فى الشرق والغرب .
ومن منع من تقليد أحد هؤلاء فإنما يمنعه لأحد شيئين :
(أحدهما) اعتقاده أنه لم يبق من يعرق مذاهبهم .
(والثانى) أن يقول : الإجماع اليوم انعقد على خلاف هذا القول .
وقال النووى (المجموع 1/55) : وليس له التمذهب بمذهب أحد أئمة الصحابة – رضى الله عنهم- وغيرهم من الأولين ، وإن كانوا أعلم ، وأعلا درجة ممن بعدهم ، لأنهم لم يتفرغوا لتدوين العلم ، وضبط أصوله وفروعه ، فليس لأحد منهم مذهب مهذب محرر مقرر ، وإنما قام بذلك من جاء بعدهم من الأئمة الناحلين لمذاهب الصحابة والتابعين ، القائمين بتمهيد أحكام الوقائع قبل وقوعه ، الناهضين بإيضاح أصولها وفروعها .
قال الشيخ تقى الدين بن الصلاح (نقلا عن : بلوغ السول ص49 ،50، نفائس الأصول 9/4150):
أن التقليد يتعين للأئمة الأربعة دون غيرهم لأن مذاهبهم أُبْسِطَت حتى ظهر منها تقييد مطلقها وتخصيص عمومها ، وشروط فروعها ، فإذا أطلقوا حكماً فى موضع ، وجد مقيداً فى موضع آخر ، أما غيرهم فينقل عنه الفتوى مجردة ، ولعل لها مكملاً أو مخصصاً، أو مقيداً ، لو انضبط كلام قائله لظهر، فيصير فى تقليده على غير ثقة ، بخلاف هؤلاء الأربعة، وقد تقدم أن أصحاب الأئمة ، وعلماء الخلاف ، وأصحاب الترجيح والتخريج خدموا مذاهب أئمتهم ، وبينوا كيف بُنِيَت أقوالهم على محكم الكتاب والسنة .
قال المناوي(فيض القدير 1/272):
نعم يجوز لغير عامي من الفقهاء تقليد غير الأربعة فى العمل لنفسه ، إن علم نسبته لمن يجوز تقليده ، وجمع شروطه عنده ، لكن بشرط أن لا يتتبع الرخص ، بأن يأخذ من كل مذهب الأهون ، بحيث تنحل ربقة التكليف من عنقه ، وإلا لم يجز.
قال راقمه: كلام المناوى يحمل ستة شروط إذا أراد الإنسان تقليد غير الأئمة الأربعة هي :
1) أن أن يكون هذا الإنسان فقيهاً غير عامي .
2) أن يقلد غير الأربعة فى العمل لنفسه لا أن يفتى به لغيره .
3) أن يعلم نسبة القول المراد تقليده إلى صاحبه .
4) أن يكون صاحب القول ممن يجوز تقليده .
5) أن يجمع شروط هذا القول .
6) أن يعمل بهذا القول لرجحانه عنده لا للهروب من التكاليف .
وفي الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي: أنه صرح فى التحريرلابن الهمام: أن الإجماع انعقد على عدم العمل بمذهب يخالف الأربعة ، لانضباط مذاهبهم ، واشتهارها، وكثرة اتباعها(التقرير والتحبير 3/353 ، 354 ، تيسير التحرير 4/456) . انتهى
وإذا علمت هذا ، فاعلم أن المذاهب الآن التى يجوز تقليدها هى هذه المذاهب الأربعة لا غير ، فقد انحصر الآن العمل بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم فى العمل بما ذهب إليه أحد الأربعة فقط على العموم .
فالأمر المتفق عليه ، المعلوم من الدين بالضرورة لا يحتاج إلى التقليد فيه لأحد الأربعة ، كفريضة الصلاة ، والصوم ، والزكاة والحج، ونحوها ، وحرمة الزنا، واللواطية، وشرب الخمر ، والقتل ، والسرقة ، والغصب ، وما أشبه ذلك .
والأمر المختلف فيه هو الذى يحتاج إلى التقليد فيه.
خاتمة:
لا يجوز للعامي (غير المجتهد) أن يقلد أحداً من الصحابة أو التابعين أو الأئمة غير الأربعة المتبوعين لإجماع أهل العلم على ذلك، وقد نقلنا الإجماع في بحثنا هذا عن:
ابن الهمام الحنفي
وإمام الحرمين الشافعي
والفخر الرازي الشافعي
وابن تيمية الحنبلي
ولا نريد الإطالة، ففيما نقلناه كفاية
وصلى الله علي سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى