مقالات

شريط الذكريات – وفاة أبي رحمه الله

الشيخ أحمد هليل

إمام وخطيب مسجد الهدى، فرانكفورت
عرض مقالات الكاتب

عام 1970 وكنت في الصف الأول الابتدائي مدرسة الحاج حسين الغرابلي شارع السوق (القديم حاليًا) استقيظت من النوم كالعادة، وأبي رحمه الله طريح الفراش من المرض الشديد الذي ألم به من جراء عمله في الغيط.
لبست المريلة وهي لباس الأولاد في الإبتدائية في هذه الفترة، وكانت من القماش البارشوت كاكية وكانوا أحيانًا إذا زادت قطعة قماش يصنعون منها حقيبة المدرسة وهو ما حدث معي تحديدًا.
على ناصية الشارع خالتي الحاجة زنوبة -رحمها الله -تبيع للأولاد البليلة وسندوتس الطعمية، كنا نحبّ الجلوس إليها حتى لو لم نرد الشراء ،فحلة البليلة الساخنة والتي يخرج منها بخار دافء طيب الرائحة يكفي أن ننال قسطًا من هذه التدفئة يخفف من البرد و(السقعة) التي أثّرت في أيدينا فاصابتها بالقشف وخشونة الجلد ،والتي كانت تعالج حينها بالجلسرين وهو أشبه بالنار الكاوية إذا دهن به أحدنا يصرخ كأنما لدغته حية!
اشتريت طبق البليلة الساخن وهو بتعريفة والتي كانت مصروف أحدنا ليوم أو يومين وهي تمثل نصف في المائة من الجنيه المصري ساعتها،
جلست أستمتع بطبق البليلة وأشعر أن الدنيا بين يدي حزتها بحذافيرها.
من بعيد بدأ صوت المنادي (عمي رجب ابوضهر) رحمه الله وهو المنادي الذي ينادي في البلد بكل ما هو مهم أو جديد
إعلان وفاة..
فتح مصنع جديد يريد عمالاً
حاجة ضاعت من أحد ،يبحث عنها حمار بقرة أو حتى بطة فقد كانت ثروة كبيرة لأصحابها تستحق البحث عنها لو ضاعت.
كان هذا قبل مكبرات الصوت والميكرفون الذي عرفه الناس فيما بعد في الأفراح والمساجد
صوت عمي رجب يقترب شيئًا فشيئًا لكننا لا تكترث به أولاً لأننا عيال ،وثانيًا لأن ما ينادي عليه لا يعنينا، الذي يعنينا هو جرس المدرسة الذي يصخ الأذان ،ويقطع الصمت، ويجعلنا نجري قبل إغلاق باب المدرسة، لأن من يتأخر يأخذ من الضرب على يديه ورجليه ما ينسيه البليلة والدفء ،بل ينسيه اسمه أيضًا
لا إله إلا الله، محمد رسول الله
تلك مقدمة النداء التي يبدأ بها عمي رجب لو كان النداء على ميت أو متوفاة، وساعتها يلقي الناس أسماعهم ويتركون ما في أيديهم ويغلقون المذياع ويسكتون الأطفال، كي يتمكنوا من سماع اسم من مات..
لا إله إلا الله، محمد رسول الله
عمي محمد ابن أبوي الحاج هليل الصعيدي توفي إلى رحمة الله !
التقطت أذني اسم هليل وأظنه أنه لا يوجد هليل في كرداسة غير جدي، بدأت أتابع في النداء التالي بنوع من التركيز:
لا إله إلا الله، محمد رسول الله..
عمي محمد ابن أبوي الحاج هليل الصعيدي
توفي إلى رحمة الله..
ما هذا؟
إنه أبي..
أبي..
هل هو فعلاً
أبي الذي لم اشبع منه
أبي الذي أحتاج إليه
إلى حبه..
إلى رحمته..
إلى حنانه..
أبي، الذي لم ترتسم صورته في ذاكرتي بعد ، فأنا في السادسة من عمري لا اعرف لا أفهم لا اعقل..
سمع الناس والأولاد ما أقول
إنه ابي ..
اقترب عمي رجب المنادي منا أكثر وأصبح صوته أكثر وضوحًا، بل واقترب مني وقد كان يعرفني وطبطب علي، وقال: معلش يا احمد الله يرحمه..
دقّ جرس المدرسة، تذكرت الضرب بالعصا لو تأخرت ،تركت طبق البليلة وهرولت مسرعًا قبل أن يغلق باب المدرسة،
بدأ طابور الصباح،
عقلي شارد ،عيني دامعة قلبي حزين، لكني لا أعرف ماذا أفعل؟
رأيت المدرسين يتحدثون، وينظرون إليّ فكلهم من كرداسة ،ويعرفون أبي والعائلة وأسفر حوارهم على قرار ذهابي إلى البيت، ذهبت مسرعًا نحو الباب.
هل أرى أبي هل أودعه هل أنظر إليه نظرة الوداع ؟
قطع هذه الأفكار نداء من أحد المدرسين وأنا على بعد خطوات من باب المدرسة:
أحمد أحمد تعال..
يبدو أنهم راجعوا قرارهم، فقال أحدهم : هذا طفل صغير لا يعرف شيئًا ،وربما إذا ذهب ورأى منظر النساء الباكيات يتأثر فأفضل له أن يبقى في المدرسة.
قرار غير صحيح ،كنت اتمنى لو اصطحبني أحد المعلمين إلى البيت، وبالتالي أتبع جنازة أبي وأشارك في الصلاة عليه ووداعه ،لكن ذلك للأسف الشديد لم يحدث.
عدت إلى الطابور، ومن ثمّ إلى الفصل دموعي لا تتوقف وحزني ملأ قلبي والأفكار تروح وتجيئ..
مات أبي
مات الحنان الذي لم أشبع منه،
مات الحب ،وماتت البسمة
ومات كثير من مشاعري وأحاسيسي ،ودفنت مع أبي كثيرًا من أحلامي لأبدأ حياة اليتم والتعب والمعاناة..
رحم الله أبي
جزى الله امي عني وعن اخوتي خير الجزاء فقد تحملت مسئولية كبيرة وألقي على عاتقها حمل تنوء بمثله الجبال،
كان عمر أبي عند وفاته 37 سنة
مواليد 1933
توفي 1970
حججت عنه والحمد لله
رحم. الله أبي الحاج محمد هليل وتقبله في الصالحين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى