أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / منهج التّحيّز السّياسيّ والمركزيّة الغربيّة

منهج التّحيّز السّياسيّ والمركزيّة الغربيّة

يوسف الحمود

كاتب وباحث سوري
عرض مقالات الكاتب

تتّصف الظاهرة السّياسيّة بالتعقيد والتّشعّب وأنّها ظاهرة متعدّدة مركبّة غير بسيطة ولا أحاديّة، فالتّفسير الأحادي الدوغمائي هو تفسير اختزاليّ لأنّ الظاهرة السّياسيّة معرفيّة إنسانيّة تتداخل فيها العناصر والأبعاد المختلفة ثقافيّاً واجتماعيّاً واقتصادياً وتشمل المتغيّرات والإشكاليّات السّياسيّة والسوسيولوجيّة والتأثيرات المتباينة ممّا يجعل من المنهجيّة السّياسيّة في قراءة وتفسير وتحليل المفاهيم الخاصّة عمليّة صعبة وذات أبعاد متعددّة تحتاج لعدة آليّات وأدوات معرفيّة ومفاهيميّة لتساعد في فهم وتحليل هذه الظاهرة وتكشف عن خصائصها واستجاباتها للدّراسة والتّحليل من خلال عناصر موضوعيّة تبدأ من الرّصد والوصف والتفسير والتّحليل لتنتهي بالتنبؤ والتقويم.

فظاهرة التّحيّز في العقل السّياسيّ الغربيّ استمدّت تحيّزها من رؤيتها واختزالها للحقيقة في الرؤية الغربيّة للثّقافة والمعرفة الماديّة التجريبيّة التّي أسس لها الرّواد الأوربيّون ممّا أعطى العلم الماديّ والعقل الغربيّ مرجعيّة ومعياريّة ذاتيّة ينظر إلى العلم والعالم والسّياسة من نافذتها، وقد انعكست الرؤية العلميّة المعرفيّة على حقل السّياسة وأحدثت فيه تحوّلاً من خلالها باعتبار أنّ الغرب بشقّيه الأوربيّ والأمريكيّ يمثّل مركزيّة كونيّة ومحوريّة في علاقته مع الآخر مستعيناً بما سمّاه المرحوم الدكتور المسيري: ” بالرّؤية المعرفيّة الامبرياليّة ” الّتي ظلّت تهيمن على العقل الغربيّ وعلى تصّوراته اتّجاه الآخر، والغرب وهو يدرس الآخر في آسيا وإفريقيا لم يكن بوسعه تجاوز تحيّزه وعبّر عن هذا التّحيّز من منظور المنفعة والمصلحة ومن وجه آخر القوّة كونها تمثّل قاعدته في علاقته بالآخر، وقد دشّن روّاد النّهضة منذ مكيافللي ذلك في بُعد براغماتيّ نفعي يهدر القيمة والعلائق الأخلاقيّة لحساب الغاية ويتلوّن لحساب المصلحة في السّياسة والعلاقة لأنّ الغاية عنده تبرّر الوسيلة كما جاء في كتابه ” الأمير “، وكذلك  روّج فلاسفة ومفكّرو القوّة مفهوم المصلحة والمنفعة السّياسيّة في النّظر إلى الآخر بعيداً عن جوهر العلاقة الإنسانيّة لأنّ القوّة من وجهة نظرهم هي معياريّة أساسيّة في العلاقات السّياسيّة والدّوليّة، وقد بلغت هذه المركزيّة الغربيّة وهذه الأحاديّة ذروتها في نهايات القرن العشرين عندما بدأ المفكّرون الغربيّون يؤصّلون للنزعة بشكلّ سياسيّ ومعرفيّ من خلال عنجهيّة كونيّة بارزة كما تجلّت في كتاب فرنسيس فوكوياما ” نهاية التّاريخ ” ودراسات هنتنغتون ومن أهمّها ” صدام الحضارات ” كما شاعت دراسات أخرى حول الحتميّات والنّهايات ركّزت نزعة التّحيّز والتّميّز الغربيّ والنّزوع نحو مرجعيّة غربيّة مغلقة لا تنفتح على ما عند الحضارات الأخرى من معطيات حضاريّة وإنسانيّة وثقافيّة مغايرة ومثمرة .

وفي سياق هذه المقولات والفلسفات تركّزت مفاهيم التّحيّز والاستعلاء الغربيّ بشكلّ قطبيّ متفرّد يعطي الحقّ والشّرعيّة للإمبراطوريّة الغربيّة لتشكّل بُعداً كونيّاً تمثّل في مفهوم العولمة الّتي اتّكأت على هذه الدّراسات والفلسفات لإنتاج نظام كوني مركزيّ ضدّ الآخر المختلف حضاريّاً وسياسيّاً ممّا أغراهم بشنّ حروب وقائيّة واستباقيّة ضدّ الآخرين للتّعبير عن المركزيّة والقوّة من جانبه وضرورة الرّضوخ والإذعان من جهة الآخرين لشروطه وإملاءاته كما حدث في العراق وأفغانستان وغيرها منذ بوش الأب والابن إلى كلينتون ومن جاء بعده ، وأخذ النّظام القطبيّ بتصدير صياغات ومقولات سياسيّة معبرّة عن هذه النّزعة مثل: ” من ليس معنا فهو ضدّنا ” ومصطلح محور الشرّ، والدّول المارقة، ورفع هذا الشّعار ضدّ كثير من حركات التّحرّر في العالم وخاصّة في العالم العربيّ الإسلاميّ.

 وأصبحت مقولة الحرب على الأصوليّة ثمّ مقولة الإرهاب والحرب على الإرهاب ممجوجة بغيضة لكثرة توظيفها ضدّ الخصوم والمخالفين في الهويّة والاتّجاه كونها مفاهيم مستثمرة من الغرب البراغماتيّ المتخلّي عن منهجيّة الحقّ والحقوق الإنسانيّة الداّعم للدكتاتوريّات والأوتوقراطيّات كما في مصر وليبيا والسّعوديّة …. حفاظاً على مصالحه وامتيازاته، وعدم وقوفه مع ثورات الرّبيع العربيّ دليل على اللا قيمة واللا أخلاقيّة في سلوكه السّياسيّ وتصديره للمفاهيم الخارجة من قاموسه الغربيّ الانتهازيّ دون اعتبار قيميّ ومعياريّ حقيقيّ لحقوق الإنسان وكرامة الشّعوب وإعطائها دوراً في تقرير مصيرها ومستقبلها وعدم إعطاء الخصوصيّات الثقافيّة والثّقافات الأخرى حقّها واستحقاقها وفق هذه الخصوصيّات وتجاوز الشّروط الموضوعيّة في فهم الحضارات والأعراف والتّقاليد المؤسّسة لهذه الحضارات.

إنّ ما يسمّى بالنّظام العالميّ الجديد هو تلاعب بالألفاظ والمصطلحات وصياغة للمفهوم من خلال قاموس الغرب الأقوى في الصّعيد العسكريّ والاقتصاديّ والتّكنولوجيّ، لأنّ الأقوى عسكريّاً ومعرفيّاً وتقنيّاً واقتصاديّاً هو الّذي يفرض مصطلحه ومفرداته على الآخرين بسبب الغلبة الحضاريّة بحسب التفسير التّاريخيّ والاجتماعيّ عند ابن خلدون، وهو الّذي يعطيه تفسيراً وتأويلاً مفاهيميّاً خاصّاً به بسبب تفوّقه وإنجازه، وهذه التّسميات تسميات نفعيّة براغماتيّة تغطّي نزعة السّيطرة والهيمنة عنده مما أدّى إلى اغتصاب المفهوم ، وعمليّة اغتصاب المفهوم واحتكاره لا تكون إلاّ من خلال معادلة القوةّ، فالقوّة هي الّتي تعطيه الحجيّة والغطاء، لأنّ القوّة مظنّة الفساد والاستكبار إذا لم تُرشَّد بسياسة عاقلة فاعلة راشدة، والمفاهيم تصاغ في الواقع من خلال الأقوى والأشدّ والأكبر حضوراً في السّاحة الحضاريّة والسّياسيّة ممّا أدّى إلى تشويه وتخريب هذه المصطلحات والمفاهيم كما قال وعبّر الإبراهيميّ: ” ظلم الكلمات بتغيير دلالاتها كظلم الأحياء بتشويه خلقهم “.

إنّ استعادة استقلاليّة المفهوم وحياديّته تتطلّب جهداً كبيراً ونهوضاً حضاريّاً لإعمال وتشغيل المفهوم في حيّز الخصوصيّة الحضاريّة والسّياسيّة المنفتحة على الآخر لا المتفانية والذائبة فيه ومن خلال إعادة الاعتبار للعمليّة المفاهيميّة الّتي ينبغي أن تقوم على أساس نقدي وتقويميّ وتأصيليّ يتأسّس على رفض اغتصاب المفهوم نظريّاً وتطبيقيّاً، لأنّه لا يمكن التّخلّص من نزعة التّحيز إلاّ من نافذة إعادة منظومة البناء المفاهيميّ، فمفاهيم المنفعة والمصلحة والقوّة ومركزيّة الغرب ينبغي تجاوزها لإخراج الحقل المعرفيّ والسّياسيّ والدوليّ من التبيسط المتعمّد والاختزال في المنظومة الغربيّة إلى ضرورة فهم الآخر وعدم إخضاع المفاهيم للتّصوّرات الغربية، وضرورة تفكيك اليقينيّات الّتي اعتُمدت في التّفسير الشّموليّ والحتميّ للظواهر السّياسيّة، وعلى هذا يتمّ تأسيس نقد النّزعة الكونيّة المتحيّزة  من خلال المقارنة مع الآخر كما رأى مؤلّفا ” السّياسة المقارنة ” برتراند بادي وغي هيرمت، وهما ممّن تنبّه إلى هذا الاختزال والقهر لهذه المفاهيم و خطورة الاقتصار على المركزيّة الغربيّة.

 فمن الضّرورة العمل على إبراز العمق القيميّ الإنسانيّ في الاجتماع السّياسيّ والمعرفة الإنسانيّة حتّى تكون عمليّة الصّلاح والإصلاح كما في المفهوم الإسلاميّ موجّهةً للفعل والسلوك السّياسيّ، ليكون النّاس أقرب إلى الصّلاح وأبعد عن الفساد كما في تعريف ابن عقيل للسّياسة وهو يعطي مفهوماً إسلاميّاً جوهريّاً لمعنى السّياسة وفحواها ومقصدها ومرماها فالإستراتيجيّة الإسلاميّة تتغيّا المصلحة الصّالحة النّافعة للاجتماع السّياسيّ الإنسانيّ، فالأخلاق والقيم والمصلحة هي المشترك الإنسانيّ والمعيار الّذي يمكن أن يؤسّس لعلاقة إيجابيّة بين الحضارات والسّياسات الدّوليّة، وبذلك يمكن تجاوز المأزق المنهجيّ لأزمات منهج علم السّياسة من حيث المنهج والوظيفة والاتّجاه، لأنّ بناء علم السّياسة المعاصر ومفاهيمها خضعت لخصوصيّة غربيّة وتاريخيّة وثقافيّة قد لا تتشابه كثيراً مع الآخرين، وعلى هذا تبقى المفاهيم معبّرةً عن تجربة الغرب ومحوريّته الحضاريّة ممّا لا يسمح بمطلق التّعميم على المختلِف السّياسي والثّقافيّ، وبهذا الأساس تكون المنهجيّة المعرفيّة والمفاهيم بعد ذلك قائمة على التّعدد والتّنوع في إطار الوحدة الإنسانيّة والمشتركات القيميّة المتّفق عليها في المنظومات الحقوقيّة والإنسانيّة والسّياسيّة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

سلامًا فيصل القاسم.. وتهنئة باليوبيل الفضي.. وكل عام وأنتم بألف خير

أ. د. عبد المجيد الحميدي الويس سياسي وأكاديمي سوري        أقدم بطاقة تهنئة …