أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / الدَّولة العثمانيَّة: خلافة إسلاميَّة أم مُلكٌ عاضٌّ؟ 4 من 5

الدَّولة العثمانيَّة: خلافة إسلاميَّة أم مُلكٌ عاضٌّ؟ 4 من 5

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

أصل الأتراك

يظهر مسمَّى “الترك-Turk” لأوَّل مرَّة في القرن السادس الميلادي، عند إشارة الصينيِّين في حوليَّاتهم إلى إمبراطوريَّة عظيمة في آسيا الوسطى، أسَّسها أناس يُطلق عليهم “تو كيو – Tu Kiu”. لا شكَّ في أنَّ الأجيال السابقة لسكَّان نفس المنطقة كان لها دورٌ في تاريخ آسيا، وربَّما أوروبا، ولكن لم يُعرف هؤلاء باسم الترك أو الأتراك. امتدَّت الإمبراطوريَّة التي تشير إليها الحوليَّات الصينيَّة، من حدود الصين إلى البحر الأسود، ولكنَّها سرعان ما تشرذمت على يد الصينيِّين، وسقطت تحت سيادتهم. لم يكن الترك القدماء جماعات من الهمج؛ بل كانت لهم لغة مكتوبة، وتأثَّرت جماعات منهم بديانات الأمم المتحضِّرة، وكانت لديهم ديانة، هي مزيج من البوذيَّة والمانويَّة والمسيحيَّة النسطوريَّة؛ غير أنَّ سكَّان أواسط آسيا لم يكونوا يعتنقون تلك الديانة. حمل العرب خلال القرن الثامن الميلادي الإسلام إلى تلك المنطقة، وتأثَّر الأتراك بالإسلام كثيرًا، رغم أنَّ المسلمين لم يغزوا ديارهم.

بدأ خلفاء المسلمين في القرن التاسع الميلادي يستقدمون العبيد من بلاد القوقاز، بهدف خدمة الجيوش، وعُرف هؤلاء باسم المماليك. وبرغم الوضع المتدني لهؤلاء المماليك، الذين كان يُجمعون من خلال السبي والبيع في أسواق النخاسة، فقد كوَّن هؤلاء طائفة عسكريَّة تتمتَّع بعدة امتيازات، وتربطها ولاءات قويَّة، وأصبحوا يكوِّنون جوهر الجيش الإسلامي في فترة لاحقة، ثمَّ وصلوا إلى مناصب قياديَّة، وسرعان ما أسَّسوا أسرًا حاكمة. يشير لويس إلى أنَّ أوَّل حاكم تركي في العالم الإسلامي ظهر في القرن التاسع الميلادي، وبحلول القرن الحادي عشر، صار معظم حُكَّام هذا العالم من الأتراك، وسيطر هؤلاء على مقاليد الحُكم في العالم الإسلامي على مدار ألف عام.

 تجدر الإشارة إلى مرحلتين شهدتا تأسيس القوَّة التركيَّة في أرض الإسلام وانتشار الشعوب التركيَّة في تلك المنطقة. أمَّا الأولى، فهي خضوع الشرق الأوسط تحت حُكم السلاطين السلاجقة العظام، منذ غزوهم بغداد عام 1055 ميلاديًّا، قبيل الحملة الصليبيَّة الأولى بعد ذلك التاريخ بأقل من نصف قرن، وحتَّى وفاة السُّلطان أحمد سنجر عام 1157 ميلاديًّا، وهو آخر سلاطين تلك الدولة. وأمَّا المرحلة الثانية، فهي الغزو المغولي في القرن الثالث عشر الميلادي، والتي شهدت انتهاكات صارخة لدولة الإسلام هدَّدت بزوالها. لم يكن السلاجقة مجرَّد قبيلة، كما لا يرقون إلى اعتبارهم أمَّةً، وهم من الأتراك الأوغوز، ومؤسِّس دولتهم هو سلجوق بن دقاق، وقد دخلوا بلاد المسلمين في القرن العاشر الميلادي، ليستقرُّوا في مدينة بخارى، الواقعة في أوزبكستان اليوم، وهناك دخلوا الإسلام. تقدَّم السلاجقة إلى فارس، فسيطروا عليها بالكامل، واستمرَّ الزحف إلى أن وصل أحد حكَّام الدولة، طغرل بك، إلى العراق وأخضعها لسلطانه عام 1055 ميلاديًّا، لتنشأ دولة السلاجقة العظام، وبعد ذلك انتزع هؤلاء حُكم سوريا وفلسطين، ثمَّ اتَّجهوا إلى الأناضول، الخاضعة وقتها تحت حُكم الدولة البيزنطيَّة. لن ننسى أنَّ من أهداف البابا أوربان الثاني لمَّا دشَّن الحملة الصليبيَّة الأولى، عام 1096 ميلاديًّا، كان التصدِّي للزحف الإسلامي إلى أراضي العالم المسيحي، خاصَّة بعد هزيمة الجيش البيزنطي في معركة ملاذكرد (Malazgirt Meydan Muharebesi) عام 1071 ميلاديًّا، على يد جيش السُّلطان السلجوقي ألب أرسلان، وكان لتلك المعركة دور كبير في إخضاع الأناضول للسيطرة التركيَّة لاحقًا.

لم تستمرُّ دولة السلاجقة العظام بنفس القوَّة بعد رحيل السُّلطان أحمد سنجر، حفيد ألب أرسلان، عام 1157 ميلاديًّا، حيث تمزَّقت إلى إمارات صغيرة، كانت أنجحها الواقعة وسط الأناضول وشرقها. قبل سقوط دولة السلاجقة العظام، استطاع الأمير السلجوقي قتلمش بن يابغو، وهو ابن عمِّ ألب أرسلان، تأسيس سلالة مستقلَّة، ممَّا أدَّى إلى نشوب صراع بينه وبين ألب أرسلان. نجح سليمان بن قتلمش بعد وفاة أبيه تأسيس إمارة جنوب شرق الأناضول، بفضل قيادته قبل تركمانيَّة كانت تعيش على حدود إمبراطوريَّة السلاجقة. توسَّعت إمارة سليمان بن قتلمش على يد سلالته، برغم ملاحقات سلاطين السلاجقة العظام، وتكوَّنت دولة تركيَّة قويَّة عاصمتها إكونيوم، والتي أطلق عليها الأتراك قونية. حكمت هذه السلالة الأناضول التركيَّة حتَّى مطلع القرن الرابع عشر، تحت اسم دولة سلاجقة الروم. اعتنق سلاطين سلاجقة الروم الإسلام، ومدَّت دولتهم بجذورها في العالم الإسلامي القديم، وخضع الجانب الديني إلى تدقيق ورقابة فئة من علماء الإسلام. لم تصمد دولة سلاطين الروم أمام الغزو المغولي، لتتشرذم مطلع القرن الرابع عشر الميلادي إلى إمارات حَكَمها أمراء مغول أو أتراك.

من بين الإمارات القويَّة التي نشأت عن تفكُّك دولة سلاجقة الروم الإمارة العثمانيَّة، وهي إحدى إمارات الثغور الأناضوليَّة، وقد سُميَّت تيمُّنًا باسم مؤسِّسها، عثمان بن أرطغرل، أو أبو الملوك السُّلطان الغازي فخر الدين قره عثمان خان الأوَّل بن أرطغرل بن سليمان شاه القايوي التركماني. كمنت أهميَّة الإمارة العثمانيَّة، التي استقلَّت عام 1299 ميلاديًّا في دولة، هي نواة الدولة العثمانيَّة التي حكمت آسيا الصغرى 600 عام، في موقعها على حدود إقليم بيثينيا البيزنطي ومدينة القسطنطينيَّة، حيث كانت من أكثر الإمارات قدرة على صدِّ هجوم العدو المسيحي. انتصر عثمان الأوَّل عام 1301 ميلاديًّا في معركة بافيوس على حلف صليبي تشكَّل لمحاربته، بعد سعي عثمان إلى ضمَّ مدينة بورصة، أشدِّ المدن البيزنطيَّة حصانة، إلى أراضيه. لم يعش عثمان الأوَّل حتَّى يشهد التوسُّع السريع في أراضي الأناضول الذي حقَّقته سلالته، بدايةً من ابنه أورخان غازي، الذي فتح بورصة في 1326 ميلاديًّا، عام وفاة عثمان وتولِّي أورخان الحُكم. توالت فتوحات أورخان غازي؛ فدخل نيقيَّة، أو إزنيق، عام 1331 ميلاديًّا، ثمَّ نيقوميديَّة، أو إزميت، عام 1337 ميلاديًّا. بحلول 1340 ميلاديًّا، انتزع العثمانيُّون كافَّة الأراضي التي سيطرت عليها الدولة البيزنطيَّة في آسيا الصغرى.

شهد عام 1354 ميلاديًّا حدثان مهَّدا لحملة العثمانيِّين العسكريَّة على أوروبا، وإن تأخَّرت قرنًا كاملًا، الأوَّل هو الاستحواذ على أنقرة، التي كانت في الأصل جزءً من سلطنة السلاجقة، وتمتَّعت بأهميَّة كبيرة بوصفها مركزًا ثقافيًّا وحضاريًّا وتجاريًّا، وقد أسهم إعادة المدينة إلى العالم الإسلامي في الحصول على خبرات ومعارف ومهارات كانت لازمة في تحسين الأوضاع الداخليَّة، خاصَّة إدارة شؤون البلاد. أمَّا الحدث الثاني فكان الاستحواذ على شبه جزيرة جاليبولي، التي تتمتَّع بموقع استراتيجي في غاية الأهميَّة، حيث تطلُّ على بحر إيجة في جهتها الغربيَّة، وعلى مضيق الدردنيل في جهتها الشرقيَّة. أحرزت السلطنة العثمانيَّة الناشئة تقدُّمًا ملحوظًا في حملاتها في أوروبا في عهد السُّلطان مراد الأوَّل (1362-1389م)، حيث انتزع السُّلطان في بداية عهده من البيزنطيِّين مدينة أدريانوبول (Adrianople)، التي أسَّسها الإمبراطور هادريان في القرن الثاني الميلادي، وأطلق مراد الأوَّل على المدينة اسم أدرنة (Edirne)، لتصبح عاصمة الدولة 90عامًا، حتَّى فتح القسطنطينيَّة. بعد أدرنة، سقطت فيلبي (Philipopolis)، ممَّا دعَّم الوجود الأوروبي لمراد الأوَّل، لتبدأ سلسلة من الغزوات الظافرة، في مقدونيا وبلغاريا والصرب، انتهت بمعركة كوسوفا عام 1389 ميلاديًّا، عام وفاة مراد الأوَّل. اشتعلت المعركة بسبب تحالُف ملوك الغرب المسيحي لمواجهة الزحف العثماني المتواصل في أوروبا، وبرغم سقوط السُّلطان شهيدًا في المعركة، انتصر الجيش العثماني، وفُرضت سيطرة كاملة بذلك على إقليم البلقان، ليخضع للحُكم الإسلامي لـ 500 عام.

توالى التوسُّع العثماني في آسيا الصغرى في عهد بايزيد الأوَّل، المعروف بـ ” يلدريم بايزيد” (Yıldırım Bayezid)، أو بايزيد الصاعقة، ليشمل الأناضول التركيَّة كلَّها، وسواحل بحري إيجة والمتوسط جنوبًا، ومدينتي سيواس (Sivas) وقيصريَّة (Kayseri) وأعالي الفرات شرقًا. بحلول عام 1394 ميلاديًّا، أصبح بايزيد الأوَّل سيِّد آسيا الصغرى ومعظم أراضي جنوب شرق أوروبا، لتقل غالبيَّة أراضي الدولة البيزنطيَّة، مع استثناء القسطنطينيَّة، وحينها توجَّه السُّلطان المسلم، الحريص على اكتساب الشرعيَّة في حُكمه، إلى مصر، سعيًا إلى الحصول على مباركة الخليفة العبَّاسي، المقيم وقتها في مصر في عهد الدولة المملوكيَّة، بعد أن دمَّر المغول بغداد، عاصمة الخلافة وقتها. المفارقة أنَّ الخليفة العبَّاسي وقتها كان مجرَّد دمية يحرِّكها سلاطين المماليك، وإن كان في استقدام السُّلطان بيبرس للأمير أحمد بن الظَّاهر، ومبايعته له باسم “الخليفة المستنصر بالله” عام 1261 ميلاديًّا، إشارة قويَّة على حرْص حُكام ديار المسلمين حينها على شرعيَّة الحُكم. طلب بايزيد بك، باعتباره أمير الحدود، من الخليفة العبَّاسي براءة تنصيب (diploma of investiture) للقب “سلطان الرُّوم”. ربَّما تردَّد السُّلطان المملوكي وقتها في السماح للخليفة العبَّاسي بالموافقة، ولكن خطر هجوم المغول تحت قيادة تيمورلنك أغراه بالتحالف مع بايزيد الأوَّل لمواجهة الخطر المحدق، الذي منع بايزيد نفسه عن مواصلة محاولاته لحصار القسطنطينيَّة.

بعد سنوات من المناوشات، نشبت معركة بين جيشي تيمورلنك وبايزيد الأوَّل، قُرب أنقرة، تحديدًا في 28 يوليو من عام 1402 ميلاديًّا، وهُزم الجيش العثماني شرَّ هزيمة، لدرجة أنَّ بايزيد نفسه وقع في الأسر، ليموت بعد 8 أشهر. تختلف الآراء بشأن طريقة وفاة يلدريم بايزيد؛ فهناك من قال أنَّه مات من جرَّاء التهاب الشُّعب الهوائيَّة، وتشير مصادر إلى وفاته بسبب حمى أصابته من شدَّة الصدمة، وهناك مصادر تزعم وفاته منتحرًا، ويتبنَّى لويس الرأي الأخير (ص21). تقلَّد محمَّد الأوَّل، والمعروف بـ “جلبي محمَّد” (Çelebi Mehmed)، أي اللطيف البديع، الحُكم بعد أبيه، ليبدأ صراع بينه وبين أخيه، الأمير موسى، على السُّلطة، وليشهد العقد التالي لوفاة بايزيد الأوَّل صراعات وانشقاقات وحروبًا أهليَّة. نجح محمَّد الأوَّل عام 1413 ميلاديًّا في القضاء على تمرُّد أخيه موسى، ليدير تركيزه إلى التوسُّع ناحية الغرب، بعد أن استعاد كافَّة أراضي الأناضول التي فقدها بعد هزيمة أبيه على يد المغول، ومن جرَّاء الانشقاقات في بداية عهده. غير أنَّ حركات التمرُّد لم تنتهِ؛ فتعطَّل حُلم ضمِّ القسطنطينيَّة من جديد. استأنف خليفته، ابنه مراد الثاني (1421-1451م)، مساعي فتح عاصمة الدولة البيزنطيَّة، وبدأ في العام الثاني من حُكمه حصار المدينة، لكنَّه أُجبر على فك الحصار لاحقًا. في عام 1430 ميلاديًّا، أتمَّ مراد الثاني فتح مقدونيا، بإسقاط مدينة سلانيك (Saloniki)، وتقدَّم في السنوات التالية إلى المجر، التي وجد منها مقاومة شديدة، ليضطر عام 1444 ميلاديًّا لإبرام هدنة لـ 10 سنوات.

خرج مراد الثاني من المشهد بوفاته عام 1451 ميلاديًّا، وورث ابنه محمَّد الثاني (1451-1481م)، لاحقًا الفاتح، إمبراطوريَّة عظيمة، ولكن مقسَّمة: في الشرق الأناضول المتشبِّعة بحضارة الشرق الأوسط الإسلاميَّة، وفي الغرب روملي، وهي الأراضي الواقعة في الجانب الأوروبي، المتأثِّر بالحضارة الغربيَّة المسيحيَّة. كما سبقت الإشارة، نجح محمَّد الثاني في إسقاط القسطنطينيَّة في 29 مايو من عام 1453 ميلاديًّا، لتصبح عاصمة دولته، التي صارت موحَّدة لأوَّل مرَّة. توالت غزوات الفاتح لإسقاط كافَّة المدن التي كانت لم تزل تحت حُكم غيره؛ فأخضع المورة، وحوَّل الصرب والبوسنة إلى إمارتين عثمانيَّتين، كما غزا بعض الجُزُر اليونانيَّة. توجَّه الفاتح كذلك إلى آسيا؛ فانتزع حُكم آماسرا (Amasra)، وسينوب (Sinop)، وطرابزون (Trabzon)، وسلَّط الفاتح تركيزه على التوسُّع جهة الشرق، لكنَّ الموت أنهى مساعيه في هذا الصدد. لم يشهد عهد نجله، بايزيد الثاني (1481-1512م) توسُّعًا في الأراضي، بقدر ما شهد إعادة بناء الإمبراطوريَّة مترامية الأطراف، وبخاصَّة العاصمة الجديدة. عُرف بايزيد الثاني بلقب الولي؛ لاهتمامه بالجانب الديني، وحرصه على بناء المساجد.

نشأة الخلافة العثمانيَّة بعد سقوط دولة المماليك

بدأ القرن السادس عشر الميلادي بتغييرين بارزين في المشهد السياسي في الشرق الأوسط؛ الأوَّل هو نشأة الدولة الصفويَّة الشيعيَّة في فارس برغم وجود ملايين المسلمين السُّنَّة هناك، والثاني هو الغزو العثماني لأراضي العالم العربي. بدءً بالتغيُّر الأوَّل، فقد استشعر بايزيد الثاني خطر نشأة دولة شيعيَّة شرق إمبراطوريَّة العثمانيِّين؛ ولذلك أمر بترحيل الشِّيعة من آسيا الصغرى إلى المورة عام 1502 ميلاديًّا، خشية ولائهم لإسماعيل الصفوي، إمبراطور فارس ومؤسِّس الدولة الصفويَّة. نشبت حرب بين العثمانيِّين والفرس عام 1512 ميلاديًّا، وهو عام تولِّي سليم الأوَّل الحُكم بعد تنازُل أبيه المسن لصالحه، وهُزم الجيش الفارسي هزيمة نكراء، بل ووصل الجيش العثماني إلى تبريز، عاصمة فارس وقتئذ. وبرغم الانتصار، انسحب العثمانيُّون إلى الأناضول، ربَّما استعدادًا لإحداث التغيير الثاني الفارق في تاريخ العالم الإسلامي، وهو إسقاط الخلافة العبَّاسيَّة المستقرَّة في القاهرة منذ عام 1261 ميلاديًّا، ونشأة الخلافة العثمانيَّة، ليكون سليم الأوَّل (1512-1520م) أوَّل الخلفاء. شنَّت القوَّات العثمانيَّة هجمات خاطفة على مصر والشام عامي 1516 و1517 ميلاديًّا، لتسقط دولة المماليك، ويسيطر العثمانيُّون على البلدين، ومعهما الحجاز، حاضن الحرمين الشريفين. امتدَّ التوسُّع إلى حدود المغرب غربًا، وإلى العراق شرقًا، ليصل النفوذ العثماني إلى الخليج العربي.

شهد عهد سليمان الأوَّل، الملقَّب بـ “سليمان القانوني” (Kanunî Sultan Süleyman)، ذروة توسُّع الدولة العثمانيَّة. صارت الدولة في عهد سليمان القانوني دولة عظمى بكلِّ المقاييس، اقتصاديًّا وعلميًّا وحضاريًّا؛ فاجتذبت إليها أصحاب الطموح والمواهب المتعدِّدة. أمَّا عاصمة الدولة، إسلامبول، فكانت قبلة لرجال الدِّين والشعراء والعلماء والمعماريِّين ورجال الإدارة، وازدهرت باعتبارها عاصمة عالميَّة. لقَّب الأوروبيُّون سليمان القانون بـ “سليمان العظيم”، وانتشرت بين ملوك الغرب خوفٌ من بطشه، خاصَّة بعد حصاري فيينا والمجر. توفِّي القانوني في 7 سبتمبر 1566 ميلاديًّا في خيمته أثناء حصار مدينة سيكتوار في المجر، وأُخفي خبر الوفاة 3 أسابيع، حتَّى تأكَّد خبر اعتلاء نجله، سليم الثاني العرش. ظلَّت الدولة العثمانيَّة تقاوم الانحدار قرنًا كاملًا بعد وفاة سليمان القانوني، وإن كانت وصلت إلى ذروة توسُّعها في عهده، بل وبدأت تفقد أراضيها تدريجيًّا في عهود سلالته، ويُلقى باللوم جزئيًّا في ذلك على الصراعات الداخليَّة على العرش بين أبناء السلاطين، بالإضافة إلى تسرُّب النفوذ الأجنبي إلى البلاط العثماني من خلال زواج السلاطين من أجنبيَّات غير مسلمات.

تطبيق الشريعة الإسلاميَّة في دار الخلافة

احتفظ سلاطين الدولة العثمانيَّة بالهويَّة الإسلاميَّة، وكانت الشريعة الإسلاميَّة المصدر الأساسي لتحديد صلاحيَّات الحُكم، كما استُخدم العربيَّة في دواوين الحكومة. كان لقب حُكَّام الدولة العثمانيَّة في الغالب “الغازي-Gazi”، وكذلك “البك-Begi”، حتَّى أهمَّ بايزيد الأوَّل بطلب براءة تنصيب من الخليفة العبَّاسي بلقب “سلطان الرُّوم” نهاية القرن الرابع عشر، معلنًا نفسه وريثًا لدولة السلاجقة العظام. اعتقد حُكام الدولة العثمانيَّة أنَّ وجود نبيٍّ في كلِّ زمان لا يلزم، بينما يسفر عن غياب وليِّ الأمر صاحب السيادة فوضى وعدم استقرار. يكفل القرآن الكريم لوليِّ الأمر العرفان والاحترام والطاعة، التي قرنها بطاعة الله والرسول (ﷺ)، طالما أطاع وليُّ الأمر الله ورسوله، مصداقًا لقوله تعالى “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ” (سورة النساء: الآية 59). تناوَل المؤرِّخ العثماني طورسون بك، والمشهور بتدوينه وقائع عن السُّلطان محمَّد الفاتح، أهم خصال من المفترض توفُّرها في وليِّ الأمر، وهي “العدل والرفق والوسطيَّة والحكمة”، نقلًا عن لويس (ص39). يكفل العدل الحفاظ على الوضع الصحيح للعالم، ومنع التعدِّيات والتجاوزات. من الملفت أنَّ لويس لا يشير إلى الحُكم العثماني باعتباره خلافة إسلاميَّة ورثت الخلافة العبَّاسيَّة، إنَّما باعتباره إمبراطوريَّة حكَّامها من المسلمين، واصفًا الفِكر الذي يعبِّر عنه طورسون بك بأنَّه نتاج تأثير الثقافة الإسلاميَّة والفلسفة اليونانيَّة “في الفترة ما بين سقوط الخلافة الإسلاميَّة وتأثير الأفكار الغربيَّة” (ص39-40). المفارقة أنَّ حُكَّام الدولة العثمانيَّة، بدءً سليم الأوَّل عند سيطرته على مصر التي كانت مقرًّا للخلافة العبَّاسيَّة عام 1517 ميلاديًّا، جمعوا بين لقبي السُّلطان والخليفة، حتَّى السُّلطان وحيد الدِّين محمَّد السادس (1918-1922م)، الذي تنازَل عن العرش لوليِّ عهده، عبد المجيد الثاني، عن مقام الخليفة، بعد إسقاط نظام السلاطين، سنة قبل إعلان الجمهوريَّة التركيَّة في أكتوبر من عام 1923 ميلاديًّا. احتفظ عبد المجيد الثاني بالخلافة حتَّى 3 مارس من عام 1924 ميلاديًّا، الموافق 26 رجب 1342 هجريًّا.

يعلِّق لويس على غياب السُّلطة التشريعيَّة البشريَّة في الإسلام، واقتصار مصادر التشريع على الوحي الإلهي، في القرآن الكريم والسُّنَّة النبويَّة المطهَّرة. لا يسنُّ وليُّ الأمر القانون، بل يخضع هو ذاته للقانون، الذي سبق تولِّيه منصبه. بما أنَّ وليَّ الأمر يراقب تطبيق القانون الإلهي، فطاعته واجبة؛ وبالتالي فالتمرُّد عليه في حُكم الجريمة. اعتبر كوتشي بك (Koçi Bey)، وهو أحد كبار موظَّفي الدولة العثمانيَّة في القرن السابع عشر، في تقرير قدَّمه للسُّلطان مراد الرَّابع عام 1630 ميلاديًّا، أنَّ منذ عهد الخلفاء الأوائل، لم تثبت أسرة حاكمة ولاءها للإسلام، أو تظهر احترامها لأحكام الشريعة أكثر من آل عثمان، ويرى لويس أنَّ هذا التصريح “ليس مبالغًا فيه على الإطلاق” (ص42). لم يعبِّر لقب “سلطان الرُّوم”، الذي استحدثه بايزيد الثاني، عن الثقافة الغربيَّة التي أُدخلت إلى ديار المسلمين، إنَّما إلى الرقعة الجغرافيَّة الأناضوليَّة، التي عُرفت بهذا الاسم، بسبب استيطان الرُّوم لمساحات كبيرة منها. بعد امتداد أراضي الدولة العثمانيَّة إلى مساحات واسعة من العالم العربي، بما فيها أرض الحرمين، لم يعد مسمَّى “أرض الرُّوم” يعكس هويَّة آسيا الصغرى، حاضنة الخلافة حينها. وقد أشار السُّلطان سليمان الأوَّل إلى نفسه، في مقدِّمة كتابه قانون نامه سلطان سليمان، أو دستور السُّلطان سليمان، بلقب “سلطان العرب والفرس والرُّوم”، كما استُبدل لقب “سلطان الرُّوم” بـ “سلطان الإسلام”.

برغم اعتقاد سلاطين الدولة العثمانيَّة أنَّ الحُكم حقٌّ إلهي مكفول لكافَّة أبناء الأسرة الحاكمة، استُحدث قانون، أباحه فقهاء الإسلام، تجنُّبًا للصراع على المُلك، وهو استباحة قتل الإخوة، انطلاقًا من مبدأ “أن يموت واحدٌ خيرٌ من أن ينقلب العالَم إلى فوضى“، واستند الفقهاء في تبرير ذلك بالآيتين 191 و217 من سورة البقرة. ظلَّ قانون استباحة قتل الإخوة معمولًا به على مدار قرن ونصف بعد فتح القسطنطينيَّة، وكان السُّلطان محمَّد الثالث من أواخر مَن طبَّق هذا القانون عند وصوله إلى الحُكم عام 1595 ميلاديًّا، حينما أمر بقتل 19 أخًا له، ومعهم 15 من الجواري الحوامل. استُبدل هذا القانون الصارم في القرنين السابع عشر والثامن عشر للميلاد بقانون قضى بتحديد إقامة إخوة السُّلطان وأسرهم في مقرِّ إقامتهم، ليخرجوا منه إلى القبر. حتَّى منتصف القرن السابع عشر، كان الديوان الإمبراطوري مركز الحُكم وإدارة شؤون الدولة، وكان أبرز أعضاء الديوان المعنيُّون بإدارة المحفوظان والشؤون الماليَّة والقانونيَّة والدينيَّة، إلى جانب قادة الجيش. كان أعضاء الديوان يجتمعون بالسُّلطان لاتخاذ التدابير اللازمة، وكان تحت إمرتهم موظَّفون مكلَّفون بتنفيذ القرارات، وكان الصدر الأعظم، أو رئيس الوزراء، يشرف على أعمال أعضاء الديوان.

يشير لويس إلى التحوُّل الكبير الذي طرأ على النظام السياسي في الأناضول، بعد قيام الدولة العثمانيَّة، واعتمادها الإسلام دينًا رسميًّا. كانت الأناضول قبل أن يوحِّدها عثمان بن أرطغرل، عبارة عن إمارات من المحاربين، “وُلدوا وتعلَّموا على الجبهة، مهنتهم الحرب، ودخلهم من الغنائم، ودينهم العقيدة الصوفيَّة غير العقديَّة التي أخذوها عن الدراويش، مرشديهم الروحانيِّين”، ما يعني أنَّ تطبيق الشريعة الإسلاميَّة كانت بمثابة نقلة فارقة في تاريخ الأناضول (ص51). أغرى التقدُّم السريع للأتراك في آسيا الصغرى وشرق أوروبا مسيحيِّين، من اليونانيِّين والسلافيِّين والألبانيِّين، بالانضمام إلى صفوف مقاتلي الجيش العثماني، معتنقين الإسلام، وقد تبلور تأثير انضمام هؤلاء إلى الجيش العثماني في حدوث تحوُّلات جليَّة في تنظيم الهرم الداخلي للسلطة داخل الجيش، حيث تسرَّب إلى الجيش العثماني مسألة تفضيل فئة بعينها من القادة بالمناصب والمزايا، على حساب الأفراد الباقين. يلفت لويس إلى أنَّ مسألة الدَّين لم تكن ذات حساسيَّة على الجبهة بين صفوف الجيش العثماني، ممَّا يعني أنَّ الالتزام بأحكام الشريعة على جبهة القتال لم يُعرف، كما أنَّ “المهرطقين من كافَّة الأنواع” كانوا يجدون لهم ملاذًا في الجبهات التي لم تعرف التمييز بين مؤمن وملحد، على حدِّ قول المستشرق الشهير (ص55).

لم يمتنع حُكَّام الدولة العثمانيَّة، برغم تطبيق الشريعة الإسلاميَّة، عن تطبيق نظام الاسترقاق، بإباحة تجارة الرقيق، بل وبالاستعانة بـ “الخصيان” في مقاومة طموح الأسر النبيلة في توسيع النفوذ، كونهم ليس لديهم فرصة تكوين أسرٍ (ص57). عرفت دولة السلاجقة العظام تجارة الرقيق، وأدخل سلاطين آل عثمان نظام الاسترقاق، وبتأييد من رجال الدِّين. احتفظ السلاطين في قصورهم بجماعة من الخصيان، كانت مهمَّتهم حماية الحريم والإشراف عليهنَّ. يضيف لويس أنَّ حريم القصر كُنَّ يقيمنَّ في جناح يُعرف بـ “Saadet Kapısı”، أو باب السعادة، تحت حماية كبير الخصيان السود (ص77). لم يتوقَّف الاسترقاق على الخصيان والجواري، بل امتدَّ إلى استقدام غلمان أجانب، كانوا يقومون بأعمال الخدمة بعد تدريبهم وتعليهم داخل القصر.

إسلامبول…عاصمة الدولة العثمانيَّة وآخر ديار الخلافة الإسلاميَّة

ينقل لويس عن أحد مؤرِّخي الدولة العثمانيَّة قوله، أنَّ السفير العثماني إلى الهند ردَّ على سؤال السُّلطان عن تجربته هناك بأنَّ أعظم تجربة مرَّ بها هي عودته من ذلك المكان إلى العاصمة، التي تشبه الجنَّة، وكان ذلك عام 1659 ميلاديًّا. قد يعتقد البعض أنَّ القائل قصد المداهنة، وأنَّ قوله فيه مبالغة، لكنَّ هذا القول يعكس “شعورًا حقيقيًّا بالفخر والحب”، على حدِّ قول لويس، الذي يستعرض قصيدة لأحد الشعراء، يتغزَّل فيها في المدينة التاريخيَّة، ويصفها بـ “مكان للفرص، ومركز للفنِّ والعلم” (ص96-97). لا ينكر لويس أنَّ محمَّد الفاتح كان له عظيم الفضل في إعادة إعمار القسطنطينيَّة وقت دخلها، عام 1453 ميلاديًّا، بعد إذ تسلَّمها “أكثر قليلًا من الحطام” (ص100). سيق الناجون من المعركة الحاسمة إلى سوق النخاسة في العاصمة العثمانيَّة الأولى، أدرنة، بعد أن صاروا عبيدًا للمنتصر. لم تقصر سياسة إعادة التوطين لمحمَّد الفاتح العيش في العاصمة الجديدة، إسلامبول، على المسلمين والأتراك؛ بل سمحت لليونانيِّين، وغيرهم من المسيحيِّين واليهود، بالإقامة، وبل وشُجِّع أصحاب الحرف والمواهب اللازمة على القدوم إلى العاصمة الجديدة. لم يكن الأتراك الذين دخلوا المدينة من الهمج، كما صوَّرهم بعض الكُتَّاب الغربيِّين، إنَّما كانوا حملة إرث دولة السلاجقة العظام، وبعدهم سلاجقة الرُّوم، ويشهد إتقانهم فن العمارة على ذلك، الذي تجلَّى في بناء القصور والمساجد.

الإسلام في هويَّة الدولة العثمانيَّة

اعتاد الأوروبيُّون في وقت من الزمن إقران مُسمَّى “تركي” بالإسلام، بأن جرى استخدام هذا المُسمَّى في الإشارة إلى المسلمين. لم يكن هذا الخلط عفوي؛ إنَّما جاء نتيجة لاعتماد الدولة العثمانيَّة الإسلام دينًا رسميًّا لها منذ نشأتها، وكذلك لتكريس الدولة جهودها لتقدُّم الإسلام، ثمَّ للدفاع عنه في مواجهة “الكافرين” (ص145). تضاعَف الشعور بالوازع الديني لدى العثمانيِّين بعد أن صارت أرض الحرمين الشريفين ضمن أراضي الدولة، إلى جانب دمشق وبغداد، العاصمتين السابقتين للخلافة الإسلاميَّة، منذ الربع الأوَّل من القرن السادس عشر. بما أنَّ الإسلام لا يعرف الكهنوت، أي لا يوجد وسيط بين العبد وربِّه من رجال الدِّين، تفرَّغ مشايخ الإسلام لدراسة العلوم الدينيَّة، وأُولي بالشريعة اهتمام كبير. كما سبقت الإشارة، كان تطبيق الشريعة الإسلاميَّة يغني عن القوانين الوضعيَّة، ولم تكن وظيفة السُّلطان العثماني وضع قوانين، إنَّما مراقبة تطبيق القوانين المستمدَّة من القرآن الكريم والأحاديث النبويَّة، التي جمعها فقهاء الإسلام قبل قرون، على حدِّ قول لويس. وتولَّى كبير المفتين، أو شيخ الإسلام، مهمَّة إصدار فتاوى بشأن السياسة العامَّة، وفق أحكام الشريعة، وقد منح السلاطين شيخ الإسلام مكانة رفيعة، جعلت منصبه يوازي منصب الصدر الأعظم. كان يُطلب من شيخ الإسلام الإذن بإعلان الحروب، وخلع السلاطين، والموافقة على إصدار القواعد والقوانين التنظيميَّة.

تأثير التصوُّف على مستقبل الدولة العثمانيَّة

يتطرَّق لويس إلى مسألة في غاية الحساسيَّة، ولها تأثير كبير على الحياة الدينيَّة والسياسيَّة في الدولة العثمانيَّة، وهي ممارسة طقوس الصوفيَّة مِن قِبل جماعات من الدراويش، عُرفت بالطُّرُق الصوفيَّة. يصف لويس إلى الطقوس الروحانيَّة لدراويش الصوفيَّة بأنَّها “أضافت الكثير ممَّا نقُص في الإسلام السُّنِّي”، زاعمًا أنَّ الدراويش “ملأوا الفراغ الذي تركته عقيدة أهل السُّنَّة بين العبد وربِّه”، بأن باشروا مهمَّة إرشاد العامَّة “في البحث عن الرَّب، و، أحيانًا، في الصراع من أجل الحاجات البشريَّة” (ص152). يتغزَّل المستشرق المخضرم في الدراويش بقوله “اتَّصف إيمانهم بالدفء والرَّوحانيَّة والبداهة، واتَّسمت عبادتهم بالحماسة والنشوة؛ فقد استخدموا الموسيقى، والإنشاد، والرَّقص في خلق وحدة روحانيَّة بين المؤمن وربِّه” (ص152). واختلف الدراويش عن علماء الدِّين في بقائهم بين صفوف العامَّة، يمارسون تأثيرًا قويًّا عليهم، وينتقلون مع الجيوش إلى الأراضي حديثة الانضمام إلى الدَّولة، ويعقدون حلقات للذِّكر يسهل على العامَّة المشاركة فيها. يعترف لويس بأنَّ بعض طقوس الصوفيَّة مستمدَّة من الشامانيَّة، وهي ديانة إقليم الأناضول قبل الإسلام، وكذلك من ديانات شرق آسيا الوثنيَّة، هذا بالإضافة إلى تسرُّب بعض العقائد المسيحيَّة والشيعيَّة إلى عقيدة أهل السُّنَّة الصحيحة، وعلى رأسها وَحدة الوجود.

إلى جانب الطريقة البكتاشيَّة والطريقة المولويَّة، حصدت النقشبنديَّة نسبة ليست بالهيِّنة من جمهور المتصوِّفين في الدَّولة العثمانيَّة منذ مهدها. يشير لويس إلى أنَّ الطريقة النقشبنديَّة يعود أصلها إلى آسيا الوسطى، وأنَّها دخلت إلى آسيا الصغرى من خلال شاعر تركي، تأثَّر بالطريقة أثناء وجوده في بخارى، حيث دُفن بهاء الدِّين نقشبند، مؤسِّس الطريقة، وذلك أواخر القرن الرابع عشر للميلاد. اصطحب الشاعر التركي إلى إسلامبول شيخ للطريقة النقشبنديَّة، ليؤسِّسا معًا أوَّل محفل للطريقة. أمَّا عن سبب الإقبال على الانضمام إلى تلك الطريقة تحديدًا، فهو تشابه عقائدها مع معتَقَد أهل السُّنَّة، إلى جانب مراعاة المشايخ والمريدين المواظبة على الفرائض، من صلاة وصيام، واحترامهم الشريعة الإسلاميَّة. وينقل لويس عن الرَّحَّالة والمستكشف العثماني أوليا شلبي (Evliya Çelebi) رأيه القائل بأنَّ “كبار مشايخ الطُّرُق (الصوفيَّة) يمكن تقسيمهم إلى طريقتين أساسيتين، هما الطريقة الخلوتيَّة والطريقة النقشبنديَّة” (ص158).

اشتُقَّ اسم الطريقة الخلوتيَّة، كما يخبر اسمها، من الخلوة، وهي الاختلاء بالنَّفس للاستغراق في التأمُّل، وعادة المريدين هي الاختلاء بأنفسهم في مكان مظلم لفترة تصل إلى 40 يومًا، من المفترض أنَّ المختلي يُكشف له فيها أسرار كونيَّة، ويتواصل مع أرواح الصالحين، وربَّما يصل إلى المشاهدة الإلهيَّة! نشأت هذه الطريقة في القرن الرابع عشر في بلاد القوقاز، وتسرَّبت إلى القبائل التركمانيَّة في أوزبكستان وشرق تركيا، لكنَّها نضجت واكتملت على يد البخاري محمد بن أحمد بن محمد كريم الدين الخلوتي، المتوفَّى في مصر أواخر القرن السادس عشر الميلادي. وجدت الخلوتيَّة طريقها إلى إسلامبول زمن السُّلطان محمَّد الفاتح، أي في النصف الثاني من القرن الخامس عشر، وقد أمر السُّلطان شيخها بترك المدينة، وإلَّا تعرَّض وجماعته إلى الملاحقة؛ ممَّا يعكس عدم رضا الفاتح عن ممارسات تلك الطريقة، المحسوبة اسمًا على السُّنَّة. تلقَّت الطريقة الخلوتيَّة صفعة قاسية في النصف الثاني من القرن السابع عشر، بعد تصارُع المريدين على زعامة الطريقة، إلى جانب الخلاف الناشئ عن تجاهُل بعضهم الالتزام بصحيح السُّنَّة، فيما يخصُّ تدخين التبغ واستخدام المنبِّهات وممارسة طقوس الرقص والغناء، حيث يحظر معتَقَد أهل السُّنَّة هذه الأمور؛ ويعلِّق لويس على ذلك بقوله “يعتبر الصراع بين الروحانيِّين والمتمسِّكين بصحيح العقيدة مسألة أساسيَّة في الحياة الدِّينيَّة للدولة العثمانيَّة، ولم يتوقَّف بعد إلى يومنا” (ص160).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الإسلام والإرهاب متابعات سياسية وإعلامية وإحصائية في الميديا الغربية 1من 2

أكرم حجازي كاتب وباحث أكاديمي مبدئيا      في ظل الحرب الباردة بين القطبين …