أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وأدب / التناص في الشعر القديم والمعاصر (1)

التناص في الشعر القديم والمعاصر (1)

مأمون الشبلي

باحث وناقد
عرض مقالات الكاتب

ألا لعن الله الوشاة وقولهم … فلانة أمست خلَّة لفلان

والبيت من قصيدة مطلعها :

خليليَّ من عليا هلال بن عام …. بِصنعاء عوجا اليوم وانتظراني

ألم تحلفا بالله أنِّي أخوكما …… فلم تفعلا ما يفعل الأخوان

الأبيات لعروة بن حزام ، شاعر من قوم إذا أحبوا ماتوا ، من بني عذرة ، وله قصة أذكرها على عجالة :

أحب عروة ابنة عم له فلما خطبها إلى أبيها طلب منه مهراً لا يطيقه ، فارتحل يبغي جمعه ، لكنه عاد وقد زوُّجت عفيراء ، ثم مات بعد أن زارها وزوجها .

ولقد رأيت أن تكون قصته وقصيدته أول ما أكتبه هنا ، فهي من أقدم قصص العذريين .

يقول في قصيدة رائعة يروى إنه قالها قبل موته ، وهي من أجمل شعره :

وإنّي لتعروني لذكراكِ رعدةٌ…… لها بين جسمي والعظام دبيب

وهو الشطر ذاته في رائعة أبي صخرالهذلي :

وإني لتعروني لذكراك هِزة ………. كما انتفض العصفور بلّله القطر

ومع أن التشبيه في بيت الهذلي بديع إلا أن بيت عروة أشد تأثيرا ، ووصف الهذلي أقرب للمدنية – رغم الإجماع على وضوح ملامح البادية في غالب شعره – من توصيف عروة الذي يشترك فيه المدني والأعرابي ابن البادية ،

فالعصافير لا تسكن البوادي ، ويشترك فيما وصف عروة كل أهل الأرض ، حاضرهم وباديهم ، ولو تتبعنا القصيدتين لرأينا فيهما كثيرا من أوجه الشبه والتشابه .

يتابع عروة بن حزام :

وما هو إلا أن أراها فجاءة ……… فأُبهت حتى ما أكاد أُجيب

وأُصرف عن رأيي الذي كنتُ أرتئي ……. وأنسى الذي حُدِّثتُ ثم تغيب

ويروى الشطر الأول : وما هو إلا أن أراها بخلوة …

وانظروا قول الهذلي :

فما هو إلا أن أراها فُجاءةً ……… فأبْهت لا عُرف لديَّ ولا نُكر

وأنسى الذي قد كنت فيه هجرتها ………. كما قد تُنسي لبَّ شاربِها الخمر

والهذلي يعبّر عن ذهول مطلَق ، كان لوهلة عند العذري .

و قول عروة :

ويظهر قلبي عذرها ويُعينها …… عليَّ فما لي في الفؤاد نصيبُ

فلا أشك أنكم ترونه في الحديث المرسل أو الضعيف : اللهم هذا فعلي فيما أملك ، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك .

وأما قوله :

وقد علمتْ نفسي مكان شفائها ……… قريباً وهل ما لا يُنَال قريب

عشيّة لا عفراء دان ضرارها ….. فتُرجى ولا عفراء منك قريب

فهو في قول كثيّر عزّة :

إني وإيّاك كالصادي رأى نهلا ……… ودونه هوّة يخشى بها التلفا

رأى بعينيه ماء عز مورده ……. وليس يملك دون الماء منصرفا

وفي قول كثير الآخر :

و إنّي وتهيامي بعزّة بعدما ……. تخلّيتُ عمّا بيننا وتخلّت

لكالمرتجي ظلّ الغمامة كلّما …….. تبوّأ منها للمقيل اضمحلّت

كأنّي وإيّاها سحابة ممحل …… رجاها فلما جاوزتهُ استهلّت

وفي قول يُنسب لسيف الدولة :

أقبله على جزع …… كشرب الطائر الفزع

رأى ماء فأطعمه ……… وخاف عواقب الطمع

وصادف فرصة فدن ………… ولم يلتذ بالجرع

وإن كنتُ أرى قول كثيّر الأول هو أجمل ما ذُكر ، على أن أبيات سيف الدولة لا تخلو من مسحة جمال هي الأخرى .

نعود لعروة ونقرأ له :

وآخر عهدي م ن عفيراء أنها ………. تُدير بناناً كُلهن خَضيب

ولو تأملنا أبيات يزيد بن معاوية في قصيدته الميمية :

خذوا بدمي ذات الوشاح فإنني ……. رأيتُ بعيني في أناملها دمي

و قوله :

ولما تلاقينا وجدت بنانها …. مخضّبة تحكي عصارة عندم

ثم قوله :

وعيشك ما هـذا خضاباً عرفتهُ…… فلا تكُ بالبهتان والزور ظالمي

ولكنني لما رأيتك نائياً …….. وقد كنتَ كفي في الحياة ومعصمي

بكيت دماً يوم النوى فمسحته ……. بكفي فاحمرّت بناني من دمي

أرأيتم فيها تناقضا ؟ فإن كان كذلك فأفيدوني يرحمكم الله .

ولقد كان بيت عروة أصدق ، مع جمال أبيات يزيد .

و يستمر عروة في نثر لوعته :

وأحبس عنك النفس والنّفس صبّة ….. بِذكراك والممشى إليك قريب

مخافة أن يسعى الوشاة بظنّة …….. وأحرسكم أن يِستريب مريب

ولقد أحسن المتنبي في إغارته على المعنى و صرف المبنى في قوله :

أغالب فيك الشوق والشوق أغلب ….. وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجب

ومن جميل قول عروة في قصيدته :

فلست برائي الشمس إلا ذكرتها ……… وآلَ إليَّ من هواك نصيب

وإن كنت أراه أجمل في بيت الخنساء ترثي صخرا :

يذكرني طلوع الشمس صخراً ……… وأذكره لكل غروب شمس

وأجمل من القولين قول قيس بن ذريح :

إذا طلعت شمس النهار فسلّمي…… فآية تسليمي عليك طلوعها

بعشر تحيّات إذا الشمس أشرقت …….. وعشر إذا اصفرَّت و حان رجوعها

وجاء بالأجمل ابن القيم في ميميته الرائعة :

إذا طلعت شمس النهار فإنَها …… أمارة تسليمي عليكم فسلموا

سلام من الرحمن في كل ساعة ……. وروح وريحان وفضل وأنْعُم

وهو من قوله صلى الله عليه وسلم : ما من أحد يسلّم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام .

ولطالما شدّتني ميمة ابن القيم ولا أرى بأساً أن نمرَّ بها قليلا ، يقول رحمه الله :

ويا لائمي في حبِهم وولائهم …… تأمَّلْ هداك الله من هو ألْوَم

فنراه في قول أحمد شوقي :

يا لائمي في هواه والهوى قدَر …….. لو شفَّك الوجد لم تعذل ولم تلُمِ

وأما قول ابن القيم :

و كنت إذا ما اشتد بي الشوق والجوى …….. وكادت عرى الصَبر الجميل تفصّم

أعلل نفسي بالتَلاقي وقربه ………… وأوهمُها لكنها تتوهَّم

فهو في قول ابن زريق البغدادي :

لأصبرنَّ لدهر لا يمتّعُني ………. بِهِ ولا بي في حال يُمتّعه

علماً بِأن اصطباري مُعقب فرجا …… فأضيق الأمر إن فكَّرتَ أوسَعُه

والبيت الأخير رائع رائع رائع ، به من حسن الظن ما يُدهش ، وأراه أتم من بيت ابن القيم – ولقد قالت قريبا من المعنى شاعرة معاصرة سأعرّج على أبياتها ذات يوم – وهو من قوله تعالى :

إن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا …. سورة الشرح

ونعود لابن زريق في قوله :

و إن تُغِل أحداً منّا منيّته ……. لا بُدّ في غده الثاني سيتبعه

الذي أحسن الجواهري حين أغار عليه وأعاد صياغته في رثائيته ذائعة الصيت :

في ذمة الله ما ألقى وما أجد ………. أهذه صخرة أم هذه كبدُ

يقول :

كنّا كشقين وافى واحداً قدر …… وأمر ثانيهما من أمره صدد

مُدَّي إليَّ يداً تُمدَد إليك يد …… لابدَّ في العيش أو في الموت نتَّحد

ومن أجمل ما قرأته لشعراء اليوم في هذا المعنى قول الأستاذ الرائع محمد الجوير وهو يحاور ياسمينة ذوت في دار مُهَجَّر نالها القصف :

علمتُ بأنّنا لا بُدَّ يوماً ……. يُؤَلِّف بيننا المولى يقينا

وهو في قوله تعالى : كل نفس ذائقة الموت … آل عمران

وكنت رأيتُ بيت الأستاذ الجوير أجمل وأتم .

ونعود لعروة الذي يقول في آخر قصيدته :

بِنا من جوى الأحزان في الصدر لوعة ……. تكاد لها نفس الشفيق تذوب

ونجده في شعر عنترة :

ولم يبقَ لي يا عبل شخص معرَّف ….. سوى كبد حَرَّى تذوب فأَسقم

و في شعر المجنون :

وليس الذي يجري من العين ماؤها ……. ولكنها نفس تذوب وتقطر

ويُنسب هذا البيت لبشار بن برد :

وليس الذي يجري من العين ماؤها …….. ولكنها نفس تذوب فتقطر

ونجده في شعر ابن زيدون :

لعمري لئن قلّتْ إليكَ رسائلي …… لأنت الذي نفسي عليه تذوب

والأحوص :

فلا تتركي نفسي شعاعاً فإنَّها …….. من الحزن قد كادت عليك تذوب

والبهاء زهير :

بروحي من تذوب عليه روحي …….. و ذُقْ يا قلب ما صنعت يداكا

والشريف الرضي :

أكذا تذوب عليكم ……… نفسي وما بَلغتْ مناها

وبيت المجنون الذي يقتسم و بشار نسبته أجمل الأبيات .

ويختم عروة بن حزام قصيدته بقوله :

وما عجبِي موت المحبّين في الهوى ……. ولكن بقاء العاشقين عجيب

ولقد رأيت المتنبي قد أغار عليه إغارة الحاذق الماكر :

أرق على أرق ومثلي يأرق ……. وجوى يزيد وعبرة تترقرق

وعذلتُ أهل العشق حتى ذُقتُه ….. فعجبت كيف يموت من لا يعشق

كانت هذه جولة في رحاب نص جميل أخذنا إلى غيره ، وقراءة في قصيدة عبرت بنا إلى قصائد ، وسيكون إن شاء الله مقدمة لموضوع مهم في باب التناص والسرقات في الشعر العربي ، وإني لأرجو من كل من يمر بي هنا أن يترك تعقيبا أو تصحيحاً عسى أن ينفعنا الله جميعا بما علّمنا .

أقول قولي هذا ويغفر الله لأحمد شوقي القائل :

بيني في الحب وبينك ما …… لا يقدر واش يفسده

4 تعليقات

  1. عبد المجيد الفريد

    مقال جميل جدا وغني وقليل طراق أبوابه في هذا العصر
    بورك الباحث والناشر

  2. بارك الله بك عمي أبو أيمن
    لاقول بعد قولك والله فإنك أعلمنا بهذا الباب🌹

  3. حامد الكسور

    تحياتي لك وكل الشكر والاحترام

  4. عبد اللطيف الديب

    جميل ورائع جدا جدا.

اترك رداً على عبد المجيد الفريد إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

وفاة الأديب السوري فاضل السباعي

توفى الأديب والناشر السوري فاضل السباعي في دمشق عن 91 عاما. بدأ السباعي بكتابة الشعر …