أخبار عاجلة
الرئيسية / دين ودنيا / الأسباب التي اتخذها سليمان عليه السلام للتمكين لدين الله (7)

الأسباب التي اتخذها سليمان عليه السلام للتمكين لدين الله (7)

د. علي محمّد الصلابيّ

عرض مقالات الكاتب

تسلَّم سليمان عليه السلام قيادةَ الدولة القوية التي أسست على الإيمان والتوحيد وتقوى الله تعالى، لقد أُوتي سليمان عليه السلام المُلكَ الواسعَ، والسلطانَ العظيمَ، بحيث لم يؤتَ أحدٌ مثلما أوتي، ولكنّه أُعطِي قبل ذلك عطاءً أعظمَ وأكرمَ، هيأه لأن يكونَ شخصيةً فريدةً متميزة في التاريخ، لقد أُعطي النبوةَ، ومُنِحَ العلم، وأوتي الحكمةَ، وذلك مثلما أعطي أبوه من قبل.
أ ـ بداية التمكين:
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالاَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ *وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ *﴾[النمل: 15 ـ 16] بدأ التمكين بتلك الإشارة ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا﴾، وقبل أن تنتهي الآية يجيءُ شكرُ داود وسليمان على هذه النعمة، وإعلانُ قيمتها وقدرها العظيم، فتبرز قيمةُ العلم، وعظمةُ المنّة به من الله على العبادِ، وتفضيل مَنْ يؤتاه على كثيرٍ من عباد الله المؤمنين، ولا يذكر هنا نوع العلمِ وموضوعه، لأنّ جنسَ العلم هو المقصود بالإبراز والإظهار، وللإيحاء بأنّ العلمَ كلّه هبةٌ من الله، وبأنّ اللائق بكلِّ ذي علم أن يعرفَ مصدره، وأن يتوجَّه إلى الله بالحمد عليه، وأن ينفقه فيما يرضي الله الذي أنعم به، وأعطاه، فلا يكونُ العلمُ مُبعِداً لصاحبه عن الله، ولا مُنْسِياً له إياه، وهو بعض مننه وعطاياه.
وبعد الإشارة إلى الإنعام بمنة العلم على داود وسليمان، وحمدهما لله ربهما على منّته، وعرفانهما بقدرها وقيمتها، يفرِدُ سليمانَ بالحديث: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ *﴾[سبأ: 16].

ب ـ فقه سليمان عليه السلام في إدارة الدولة:
إنّ القصص القرآني في سيرة سليمان عليه السلام أشار إلى أساليبه في إدارة الدولة، والمحافظة على التمكين، وأهم هذا الفقه يظهر في النقاط الآتية:
دوام المباشرة لأحوال الرعية، وتفقد أمورها، والتماس الإحاطة بجوانب الخلل في أفرادها وجماعاتها، فهذا كان حال سليمان عليه السلام ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ﴾[النمل: 20] وذلك بحسب ما تقتضيه العناية بأمور الملك، والاهتمام بكل جزءٍ فيه، والرعاية بكلِّ واحدةٍ فيها وخاصّةً الضعفاء.
ولا شك أنّ القيادةَ تحتاجُ إلى لجانٍ ومؤسساتٍ وأجهزةٍ حتى تستطيعَ أن تقومَ بهذه المهمة العظيمة. إنَّ سليمان كان مهتماً بمتابعة الجند وأصحابِ الأعمالِ، وخاصّةً إذا رابَه شيءٌ في أحوالهم، فسليمانُ عليه السلام لمّا لم ير الهدهدَ بادر بالسؤال يعني هو ﴿ مَالِي لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ ﴾ كأنّه يسأل عن صحة ما لاح له،
ثم قال: ﴿ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ *﴾[النمل: 20] سؤال اخر ينمُّ عن حزمٍ في السؤال بعد الترفق، فسليمان عليه السلام أراد أن يفهم منه أنه يسأل عن الغائب لا عن شفقةٍ فقط، ولكن عن جِدِّ وشدّةٍ، إذا لم يكن الغياب بعذر.
لا بد للدولة من قوانين حتى تضبط الأمور بحيث يعاقب المسيء، ويحسن للمحسن، ولا بدّ من مراعاة التدرج في تقرير العقوبة، وأن تكونَ على قدر الخطأ وحجم الجرم، وهذا عينُ العدالة، ولهذا لم يقطع سليمان عليه السلام بقرار واحد في العقاب عند ثبوت الخطأ، بل جعله متوقّفاً على حجم الخطأ ﴿لأَعِذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ﴾[النمل: 21] وقد استدلَّ أهلُ العلم بهذه الآية على أنّ العقابَ على قدر الذنب، وعلى الترقّي من الشدة إلى الأشد قدر ما يحتاجه إلى إصلاح الخلل.

الاهتمام بالأجهزة الأمنية، لا بدّ للدولة المسلمة أن تهتمَّ بالأجهزة الأمنية، وتحرص أشدَّ الحرص على الاهتمام بالأخبار والمعلومات، حتى توظَّفَ لخدمة الدين، وعقيدة التوحيدِ، ونشرِ المبادئ السامية، والأهداف النبيلة، والمثل العليا، وأن تحرصَ على تحبيب الجهاد لأبنائها، بواسطة الأجهزة الإعلامية والوسائل التربوية، وأن تهيِّءَى النفوس للظروف المناسبة لإقامةِ الدين، وإعلاء كلمة الله، وهكذا كان شأن سليمان عليه السلام. كما قال القرطبي رحمه الله: فإنّما صار صِدْقُ الهدهد عذراً له، لأنَّه أخبر بما يقتضي الجهاد، وكان سليمان عليه السلام قد حُبِّبَ إليه الجهاد.
الاهتمام بنصر دعوة التوحيد: ولا بدّ للقيادة في الدولة المسلمة أن تهتمَّ بنصر دعوة التوحيد، وبذل الوسع في تبليغها لكل مكلف، فإنَّ سليمان عليه السلام لمّا استمع إلى خبر القوم المشركين، شمّر عن ساعد الجد لإيصال البلاغ إليهم، وبدأ معهم بالحجة والبيان. قال تعالى: ﴿اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ ثُمَّ تَوَلَّ عَنْهُمْ فَانْظُرْ مَاذَا يَرْجِعُونَ *﴾[النمل: 28].
قال القرطبي رحمه الله: في هذه الآية دليلٌ على إرسال الكتب إلى المشركين، وتبليغهم الدعوة، ودعائهم إلى الإسلام، وقد كتب النبيُّ صلى الله عليه وسلم إلى كسرى وقيصر وإلى كل جبّار.
ولقد كان كتاب سليمان عليه السلام لملكة سبأ يبدأُ بالرحمة، وتتخلله الكرامة، وآخره الدعوة إلى الاستجابة لله، والاستسلام له سبحانه ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ *أَلاَّ تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ *﴾ [النمل: 30 31].
الترفُّع على حطام الدنيا: فملكة سبأ عندما أعملت الحيلة لاختبار سليمان عليه السلام، تفتّقَ ذهنُها عن بعث هديةٍ له تمتحِنُ بها حبه للدين، فأظهرَ عدم الاكتراث بهذا المال، وأعلمَ من جاؤوا به أنّ الله تعالى اتاه الدين الذي هو السعادة القصوى، واتاه من الدنيا ما لا مزيدَ عليه، فكيفَ يُستمال مثلُه بمثل هذه الهدية، وصارحهم بأنّهم هم الذين من شأنهم الفرح بتلك الهدية، التي ظنّوا أنه سيفرحُ بها، أما هو فلن يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف، قال تعالى: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ﴾ ﴿بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ *﴾[النمل: 36].
المقدرةُ على اتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب للمكان المناسب، وعدم التردد في القرار الصعب للتغلب على الحال الأصعب، فعندما وجد سليمان عليه السلام أنَّ القوم مازالوا على الشرك، بل يريدون استمالته وتنحيته عن صلابته في الحق، قال للوفد الذي جاء بالهدية: ﴿ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لاَ قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ *﴾[النمل: 37] ولا مانع من ركوب الشدة مع المعاند، واستعمال القوة في إرهاب من يصد عن الدعوة، فإنّ ذلك قد لا ينفعُ غيره في إنقاذِ الناس من الشرك، بل من المعادن البشرية ما لا يلينُ إلا تحتَ وهج السيف وسنابك الخيل، وكان هذا الأسلوبُ سبباً في إسلام ملكة سبأ، وانقيادها وجنودها لسليمان، ولا مانع من استعمال الذكاء والعقل النير، ودقة التدبير، في استجلاب قلوب المدعوين إلى الدين، واستخدام نعم الله في دلالة الخلق على الله، ومخاطبة الناس بالكيفية التي تستهوي قلوب عوامهم، وتجلب احترام خواصهم، فسليمان عليه السلام لمّا بلغه خبرُ مجيء ملكة سبأ في جمعٍ من حاشيتها وجنودها، أراد أن يُعْلِمَها مدى ما أعطاه الله من قوة، حتى إنّ عرشهـا الذي تركتـه في حمايـة عظيمـة وحرس كثيف سبقها إليه.
الاستفادة من المهارات والمواهب: وعلى الدولة المسلمة أن تستفيدَ من المهاراتِ والمواهبِ وإمكانات الخاصة في أفراد الرعية، ووضع الفرد المناسب في مكانه الصحيح، إنّ مملكة سليمان عليه السلام كان فيها من الإنس والجن وغيرهم ما كان يمكن أن يؤدّي مهمة الهدهد، ولكنّ سليمان عليه السلام اختاره مع ضعفه وصغره لتأدية هذه المهمة، فـتخصيصه عليه السلام إيّاه بالرسالة دون سائر ما تحت ملكه من أمناء الجن الأقوياء على التصرف والتعرف، لما عاين فيه من مخايل العلم والحكمة.

ج ـ صفاته القيادية:
إنّ الآيات الكريمة عرضت صفات سليمان عليه السلام كملك وحاكم مُمَكَّنٍ له في الأرض، وفي هذا إشارة من الله تعالى إلى الصفات القيادية المطلوبة للإشراف على تمكين شرع الله تعالى.
• الحزم: ويظهر ذلك في القيادة عند غلبة الظن أنَّ هناك تقصيراً، أو تكاسلاً عن الحضور وقت الطلب، أو التأخر وقت العمل (لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَاباً شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ﴾[النمل: 21] فإنّه قد تبين لسليمان عليه السلام أنَّ الهدهد غائبٌ، فتهدَّده بذلك أمام الجمع الذي يعلم أنَّ الهدهد غائب، حتى لا يكونَ غيابُه ـ إن لم يؤخذ بالحزم ـ سابقةً سيئةً لبقية الجند.
• التريث والتأني قبل الحكم، فلعلّ للغائب عذراً، أو للمقصر حجة تدفع الإثم، وترفع العقوبة، ولهذا قال سليمان عليه السلام بعدها: ﴿أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ *﴾[النمل: 21] أي: بحجة تبيّن عذره في غيبته. وهذا هو اللائق بالحاكم والقاضي إذا كان عادلاً، وسليمان عليه السلام الذي اشتهر بالعدالة هو وجنوده حتّى عند النمل، لا يُنْتَظَرُ منه مع الهدهد، أو ما دونه أو ما فوقه، إلا أن يكون عادلاً، لا يعاجِلُ بالعقوبة قبل ثبوتِ الجريمة، ولا يبادر إلى المؤاخذة قبل سماع الحجة.
• سعة الصدر في الاستماع إلى اعتذار المعتذر، وحجة المتخلف: وسليمانُ عليه السلام أنصتَ لاسترسال الهدهد حتى انتهى من قوله، على الرغم من أنّ فيه نوعُ معاتبةٍ لسليمان، وفيه نسبةُ عدم الإحاطة إليه: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ * إِنِّي وَجَدْتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ *وَجَدْتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لاَ يَهْتَدُونَ *أَلاَّ يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ *﴾ ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * اللَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ *﴾[النمل: 22 ـ 26]، كلُّ هذا وسليمانُ لا يقاطعه، ولا يكذّبه، ولا يعنّفه، حتى ينتهيَ من سرد الحجة، التي كانت مفاجأةً ضخمةً لسليمان عليه السلام.
• قبول الإعتذار ممن يعتذر في الظاهر: وإيكال سريرته إلى الله، فسليمانُ عليه السلام سكتَ عن المؤاخذةِ، وانتقل إلى تحرّي الخبر. قال القرطبي رحمه الله: هذا دليلٌ على أنَّ الإمامَ يجب عليه أن يقبلَ عُذرَ رعيته، ويدرأَ العقوبةَ عنهم في ظاهر أحوالهم بباطن أعذارهم، لأنّ سليمانَ عليه السلام لم يعاقبِ الهدهدَ حين اعتذر إليه.
• التـروّي فـي تصـديق الخبـر، هذا الذي حكاه الهدهـد، أمرٌ ليس بالسهـل ولا باليسير، ثم إنَّ الهدهد لا يجرؤ على اختلاق هذه القصة الطويلة، وهو يعلم تمكُّن سليمانَ من الرعية، ومقدرتُه على التأكد من صحة الأخبار، ومع ذلك لم يبادر عليه السلام إلى التصديق، كما أنّه لم يتعجَّل التكذيب، بل قال: وهو من ﴿سَنَنْظُرُ﴾، أو التأمل والتحري، وقوله تعالى: ﴿أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ *﴾[النمل: 27]، يعني أصدقتَ في خبرك، أم كذبت لتتخلّص من الوعيد؟!.
• عدم الاغترار بقوة النفس وكثرة الجند وسعة السلطان: وإسناد الفضل إلى الله في كلّ نعمة، وتجديد الشكر على هذه النعم، وسليمان عليه السلام لمّا طلبَ الإتيانَ بعرش بلقيس أجابته جنوده التي سخرها الله له، مسارعين إلى الطاعة، فلما وجد سليمانُ عليه السلام طلبَه مجاباً، وأمره مطاعاً، سارعَ إلى ضبط النفس في سلك الخشية ومنهاج التواضع والطاعة لله رب العالمين: ﴿فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ﴾[النمل: 40] أي: رأى العرشَ ثابتاً عنده قال: ﴿هَذَا مِنْ فضل ربي﴾ أي: هذا النصرُ والتمكينُ من فضل ربي، ليختبرني أأشكر نعمته أم أكفرها؟ فإنَّ من شكر لا يرجع نفع شكره إلا إلى نفسه حيث استوجبَ بشكره تمامَ النعمةِ ودوامهَا والمزيدَ، ومن كفر النعم، فإنّ الله غنيٌّ عن شكره، كريمٌ في عدم منع تفضله عنه.
• التواضع: كان سليمانُ عليه السلام ـ وهو في قمة المجد وللتمكين ـ دائم التواضع، حتى قيل: إنّه كان يمشي منكسر الرأسِ خشوعاً لله، وأثناء استعراضه لجنوده من الجن والإنس والطير مرَّ على واد النمل، وفي نظرة التواضع إلى الأرض أبصرَ نملةً، فأشخصَ النظرَ صوبها، وأصاخَ السمعَ إليها، وبما عُلِّم من منطق الطير والحيوان حاول تفهم أمرها. لقد علم أنها تتخوّف من بطش أقدام جنوده، لقد سمعها وفهم قولها: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَاأَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ *﴾ نعم إنها كائن صغير في مملكة ضخمة عظيمة، تسعى كأخواتها للرزق، وتنصح لهم أن يفسحوا الطريق أمام ركب الملك، حتى لا تقع مَظْلَمةٌ غيرُ مقصودة من أحد منهم، قال القرطبي رحمه الله: التفاتة مؤمن: أي من عدل سليمان وفضله وفضل جنده لا يحطمون نملة، فما فوقها إلاّ بألا يشعروا.
إنَّ هذه النملة لم تكن إلاّ واحدةً من رعايا سليمان عليه السلام في مملكته التي ضمّت إلى جانب الإنس والجن أنواعاً وألواناً من الحيوان والطير والهوام، لقد سمع كلامها، وتفهّم شكواها، فتبسّم من قولها، فرقّ قلبه الكبير رفقاً لجِرْمها الصغير، فرحمها وأخواتها، وشكر ربه إذ علّمه منطق هذه المخلوقات، حتى يتمكّنَ من إنصافها وإيصال العدل إليها، وسُرَّ بأن عدالته وعدالة جنوده قد عرفها كل مخلوق، حتى مثل هذه النملة التي اعتذرت عنهم مقدماً، بأنهم إن أصابوا نملةً بأقدامهم، فإن ذلك من غير قصد منهم ولا شعور ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِنْ قَوْلِهَا﴾ ﴿وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ﴾[النمل: 19] لقد أدرك سليمانُ عليه السلام أنّه في جنب الله في حاجة إلى الرحمة والعطف واللطف أشدّ من حاجة هذه النملة إلى ذلك منه، ولهذا قال: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ *﴾[النمل: 19].

المصادر والمراجع:
– علي محمد الصلابي، سنة الله في الأخذ بالأسباب، 2017، دار الروضة للطباعة والنشر والتوزيع، استنبول، ص(38:31)
– عبد العزيز مصطفى كامل، الحكم والتحاكم في خطاب الوحي (2/600).
– سيد قطب، في ظلال القران (5/2638).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

التداوي بأعضاء الخنزير جائز أم ممنوع؟؟

د. أكرم كساب كاتب ومفكر إسلامي ونجح الإنسان في نقل قلب خنزير للإنسان …