أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / العلمانيون وثورة الزنج 5 من 7

العلمانيون وثورة الزنج 5 من 7

د. هاني السباعي

مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن.
عرض مقالات الكاتب

صاحب الزنج يحرض العبيد:

“ثم خرج حتى عبر دجيلًا واجتمع إليه السودان فلما حضر العيد ركز المردي الذي عليه لواؤه وصلى بهم وخطب للعيد وذكر ما كانوا فيه من الشقاء وأن الله سبحانه استنقذهم من ذلك وأنه يريد أن يرفع أقدارهم ويملكهم العبيد والأموال والمنازل ويبلغ بهم أعلى الأمر ثم حلف لهم على ذلك وكانوا جمعًا كبيرًا وليس لهم إلا ثلاثة أسياف وأهدي له فرس فلم يجد له سرجًا ولا لجامًا فركبه بحبل وسنفه بليف. وما زال ينتقل من مكان إلى مكان ويأخذ ما يقدر عليه وينتهب السلاح وغيره حتى صار له قوة وخاف الموالي منه أن يردهم إلى مواليهم فحلف لهم يوثق من نفسه وقال‏:‏ ليحط بي منكم جماعة فإن أحسوا مني غدرًا فليقتلوني ‏.‏ وأعلمهم أنه لم يخرج لعرض الدنيا بل غضبًا لله عز وجل ولما رأى من فساد الدين”[45]

أول سبي لصاحب الزنج:

“ومر على قرية فخالفوه فانتهب منها مالًا عظيمًا وجوهرًا كثيرًا وغلمانًا ونسوة وذلك أول سبي سباه وما زال يعيث وينتهب فجاءه رجل من أهل البصرة فسأله عن البلالية والسعدية فقال‏:‏ إنما جئت إليك برسالتهم يسألونك شروطًا فإن أعطيتهم إياها سمعوا لك وأطاعوا ‏.‏ فأعطاهم ما سألوا (..) إلى أن اجتمع عليه خلق كثير من أهل البصرة فقال‏:‏ اللهم إن هذه ساعة النصرة فأعني فزعموا أنه رأى طيورًا بيضاء فأظلتهم. ‏ وكان سبب هزيمة أعدائه وقتلهم فقوي عدو الله ودخل رعبه في قلوب أهل البصرة وكتبوا إلى السلطان يخبرونه خبره فوجه جعلان التركي ونزل الخبيث سبخة وأمر أصحابه باتخاذ الأكواخ وبثهم في القرى يغيرون”[46]

وفي أحداث سنة 270 هـ يقول ابن الجوزي: “فمن الحوادث فيها‏:‏ وقعة كانت بين أبي أحمد وصاحب الزنج في المحرم أضعفت أركان صاحب الزنج واسمه) بهبوذ) وفي صفر قتل وشرح القصة‏:‏ أن أبا أحمد ألح على حربه ورغب الناس في جهاد العدو وصار معه جماعة من المطوعة ورتب الناس وأمرهم أن يزحف جميعهم مرة واحدة وعبر يوم الاثنين لثلاث بقين من المحرم سنة سبعين فنصر ومنح أكتاف القوم فولوا منهزمين واتبعهم الناس يقتلون ويأسرون فقتل ما لا يحصى وخربت مدينة الخبيث بأسرها واستنقذوا ما كان فيها من الأسارى من الرجال والنساء والصبيان وهرب الخبيث وخواصه إلى موضع قد كان وطأه لنفسه ملجأ إذا غلب على مدينته فتبعه الناس فانهزم أصحابه وغدا أبو أحمد يوم السبت لليلتين خلتا من صفر فسار إلى الفاسق وكان قد عاد إلى المدينة بعد انصراف الناس فلقي الناس قواد الفسق فأسروهم وجاء البشير بقتل الفاسق ثم جاء رجل معه رأس الفاسق فسجد الناس شكرًا لله تعالى وأمر أحمد فرفع على قناة فارتفعت أصوات الناس بحمد الله تعالى وشكره وأمر أبو أحمد أن يكتب إلى أمصار المسلمين بالنداء في أهل البصرة والأبلة وكور دجلة والأهواز وكورها وأهل واسط وما حولها مما دخله الزنج بقتل الفاسق وأن يؤمروا بالرجوع إلى أوطانهم.‏ وولي البصرة والأبلة وكور دجلة رجلًا من قواده ومواليه وولى قضاء هذه الأماكن محمد بن حماد وقدم ابنه العباس إلى بغداد ومعه رأس الخبيث ليراه الناس فيسروا فوافى بغداد يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة بقيت من جمادى الأولى في هذه السنة والرأس بين يديه على قناة فأكثر الناس التكبير والشكر لله تعالى والمدح لابن الموفق وأبيه ودخل أحمد بن الموفق بغداد برأس الخبيث وركب في جيش لم ير مثله من سوق الثلاثاء إلى المخرم وباب الطاق وسوق يحيى حتى هبط إلى الجزيرة ثم انحدر في دجلة إلى قصر الخلافة في جمادى هذه السنة وضربت القباب وزينت الحيطان”[47]

3 ـ قول العلامة ابن الأثير:

ذكر الحافظ عز الدين أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الكريم الجزري في أحداث 257هـ وفيه أحرق الزنج مدينة البصرة وغدروا بأهلها:

“فلما كان في شوال أزمعا الخبيث على جمع أصحابه لدخول البصرة والجد في اخرابها لضعف أهلها وتفرقهم وخراب ما حولهم من القرى ثم أمر محمد ن يزيد الدارمي وهو أحد من صحبه بالبحرين أن يخرج إلى الأعراب ليجمعهم فأتاه منهم خلق كثير فأناخوا) بالقندل) ووجه إليهم العلوي سليمان بن موسى الشعراني وأمرهم بتطرق البصرة والإيقاع بها ليتمرن الأعراب على ذلك ثم أنهض علي بن أبان وضم إليه طائفة من الأعراب وأمره بإتيان البصرة من ناحية بني سعيد وأمر يحيى بن محمد البحراني بإتيانها مما يلي نهر عدي وضم إليه سائر الأعراب‏.‏

فكان أول من واقع أهل البصرة علي بن أبان و(بفراج) يومئذ بالبصرة في جماعة من الجند فأقام يقاتلهم يومين ومال الناس نحوه”[48]

الغدر بأهل البصرة:

“وأقبل يحيى بن محمد فيمن معه نحو الجسر فدخل علي بن أبان وقت صلاة الجمعة لثلاث عشرة بقيت من شوال فأقام يقتل ويحرق يوم الجمعة وليلة السبت وغادى يحيى البصرة يوم الأحد فتلقاه (بفراج) و(برية) في جمع فردوه فرجع يومه ذلك‏.‏ ثم غاداهم اليوم الآخر فدخل وقد تفرق الجند وهرب برية وانحاز بفراج ومن معه ولقيه إبراهيم بن يحيى المهلبي فاستأمنه لأهل البصرة فأمنهم فنادى منادي إبراهيم‏:‏ من أراد الأمان فليحضر دار إبراهيم فحضر أهل البصرة قاطبة حتى ملأوا الرحاب فلما رأى اجتماعهم انتهز الفرصة لئلا يتفرقوا فغدر بهم وأمر أصحابه بقتلهم فكان السيف يعمل فيهم وأصواتهم مرتفعة بالشهادة فقتل ذلك الجمع كله ولم يسلم إلا النادر منهم ثم انصرف يومه ذلك إلى الحربية‏.‏ ودخل علي بن أبان الجامع فأحرقه وأحرقت البصرة في عدة مواضع منها المربد وزهران وغيرهما واتسع الحريق من الجبل إلى الجبل وعظم الخطب وعمها القتل والنهب والإحراق وقتلوا كل من رأوا بها فمن كان من أهل اليسار أخذوا ماله وقتلوه ومن كان فقيرًا قتلوه لوقته وبقوا كذلك عدة أيام”[49]

أقول: هكذا كانت أمجاد صاحب الزنج؛ الغدر واحراق المساجد وقتل الأغنياء والفقراء.. فأين مبادئ ثورة الخبز ونصرة الفقراء كما يزعمون؟!!

وفي أحداث سنة 256هـ يقول ابن الأثير: “ثم رحل إلى المدينة التي سماها صاحب الزنج المنيعة من سوق الخميس يوم الثلاثاء لثمان خلون من ربيع الآخر من هذه السنة وسلك بالسفن في نهر مساور، وسارت الخيل بإزائه شرقي نهر مساور حتى جاوزوا براطق الذي يوصل إلى المنيعة وأمر بتعبير الخيل وتصييرها من الجانبين وأمر ابنه العباس بالتقدم بالشذا بعامة الجيش ففعل فلقيه الزنج فحاربوه حربًا شديدة ووافاهم أبو أحمد الموفق والخيل من جانبي النهر فلما رأوا ذلك انهزموا وتفرقوا وعلا أصحاب أبي العباس السور ووضعوا السيوف فيمن لقيهم ودخلوا المدينة فقتلوا فيها خلقًا كثيرأن وأسروا عالمًا عظيمأ وغنموا ما كان فيها وهرب الشعراني ومن معه وتبعه أصحاب الموفق إلى البطائح فغرق منهم خلق كثير ولجأ الباقون إلى الآجام‏.‏

ورجع أبو أحمد إلى معسكره من يومه وقد استنقذ من المسلمات زهاء خمسة آلاف امرأة سوى من ظفر به من الزنجيات وأمر أبو أحمد بحفظ النساء وحملهم إلى واسط ليدفعن إلى أهلهن ثم بكر إلى المدينة فأمر الناس بأخذ ما فيها فأخذ جميعه وأمر بهدم سورها وطم خندقها وإحراق ما بقي بها من السفن وأخذوا من الطعام والشعير والأرز وغير ذلك ما لا حد عليه، فأمر ببيع ذلك وصرفه إلى الجند”[50]

يقول عنه الذهبي في أحداث سنة 270 هـ في كتابه العبر في اخبار من غبر:

“سنة سبعين ومائتين فيها التقى المسلمون والخبيث فاستظهروا ثم وقعة أخرى قتل فيها‏.‏ وعجل الله بروحه إلى النار واسمه علي بن محمد العبقسي المدعي أنه علوي ولقد طال قتال المسلمين معه واجتمع مع الموفق نحو ثلاثمائة ألف مقاتل أجناد ومطوعة وفي آخر الأمر التجأ الخبيث إلى جبل ثم تراجع هو وأصحابه إلى مدينهم فحاربهم المسلمون‏.‏ فانهزم الخبيث وتبعهم أصحاب الموفق يأسرون ويقتلون ثم استقبل هو وفرسانه وجملوا على الناس فأزالوهم فحمل عليه الموفق والتحم القتال وإذا بفارس قد أقبل ورأس الخبيث في يده فلم يصدقه فعرفه جماعة من الناس فحينئذ ترجل الموفق وابنه المعتضد والأمراء فخروا لله سجدًا وكبروا وسار الموفق فدخل بالرأس بغداد وعملت القباب وكان يوما مشهودًا وأمن الناس وشرعوا يتراجعون إلى الأمصار التي أخذها الخبيث وكانت أيامه خمس عشرة سنة‏.‏ قال الصولي‏:‏ قتل من المسلمين ألف ألف وخمسمائة ألف‏.‏ قال‏:‏ وقتل في يوم واحد بالبصرة ثلاثمائة ألف وكان يصعد على المنبر فيسب عثمان وعليًا وعائشة ومعاوية‏.‏ وهو اعتقادً الأزارقة وكان ينادي في عسكره على العلوية بدرهمين وثلاثة وكان عند الواحد من الزنج العشرة من العلويات يفترشهن وكان الخبيث خارجيًا يقول‏:‏ لاحكم إلا لله‏.‏ (على طريقة الخوارج طبعاً).. وقيل‏:‏ كان زنديقًا يتستر بمذهب الخوارج وهو أشبه فان الموفق كتب إليه وهو يحاربه في سنة سبع وستين يدعوه إلى التوبة والإنابة إلى الله مما فعل من سفك الدماء وسبي الحريم وانتحال النبوة والوحي فما زاده الكتاب إلا تجبرًا وطغيانًا‏”[51]

وذكر الملك المؤيد إسماعيل بن أبي الفداء في تاريخه في أحداث سنة 270 هـ :” فـي هـذه السنـة قتـل صاحـب الزنـج لعنـه اللـه بعـد قتـل وغَـرقِ غالـب أصحابه وقُطع رأسه وطيف به على رمح وكثر ضجيج الناس بالتحميد ورجع الموقف إِلى موضعـه والـرأس بين يديه وأتاه من الزنج عالم كثير يطلبون الأمان فأمنهم ثم بعث برأس الخبيث إِلـى بغـداد وكـان خـروج صاحب الزنج يوم الأربعاء لأربع بقين من رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين وقتل يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين فكانت أيامه أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام”[52]

أبو المحاسن جمال الدين يوسف بن تغري بردي:

يقول في نجومه الزاهرة في أحداث 255هـ: “فيا كان ابتداء خروج الزنج، وخرج قائدهم بالبصرة، فلما خرج انتسب إلى زيد بن علي (..) بن الحسين بن علي بن أبي طالب؛ وهذا نسب غير صحيح، وانضم إليه معظم أهل البصرة وعظم أمره وفعل بالمسلمين الأفاعيل”[53]

أما في أحداث 270 هـ يقول ابن تغري بردي: “وفيها توفي علي بن محمد صاحب الزنج وكانت مدة اقامته أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وعشرة أيام. ولقي الناس منه في هذه المدة شدائد؛ قال الصولي: قتل من المسلمين ألف ألف وخمسمائة ألف مابين شيخ وشاب وذكر وأنثى، وقتل في يوم واحد بالبصرة ثلاثمائة ألف. وكان له منبر في مدينته يصعد عليه ويسب فيه عثمان وعلياً ومعاوية وطحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم. وهذا رأي الخوارج الأزارقة ـ لعنة الله عليهم ـ واستراح المسلمون بموته كثيراً ولله الحمد والمنة”[54]

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الأسس القانونية للتدخل الدولي الإنساني دراسة حالة ليبيا 1من 2

الدكتور السيد مصطفى أبو الخير خبير أكاديمي في القانون الدولي مقدمة      ازدادت …