أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / مراجعات للبطريرك 11 من 12

مراجعات للبطريرك 11 من 12

محمد القدوسي

كاتب وصحفي مصري
عرض مقالات الكاتب

مراجعة تشريعية:

9 ـ البابا.. واليهود!

إشارة:

أليس من حق الكاتب أن يضع هامشا، يشرح أو يؤكد عبارات قالها؟ إن كانت الإجابة بـ«نعم»، أرجو أن تعتبروا «البابا واليهود» هامشا على ماسبقه من «مراجعات للبطريرك». وهو هامش لا يسعى فقط إلى «تأكيد ما سبق»، لكنه أيضا صوت يأتى من الماضى القريب، ليشهد على أن ما يواجهه الفاتيكان* لم يكن ـ برغم فضائحيته ـ خارج نطاق التوقع، إذ النتيجة الطبيعية لقرون من تقديم «السياسى» على «العقائدى» أن ينفتح الباب واسعا أمام «فساد أهل الثقة». كما يشهد على أن الفاتيكان، الذى يدافع اليوم عن نفسه، مدعيا أن فضحه ليس إلا حملة تشهير يهودية مدبرة، تلقى تحذيرا واضحا من «جزاء سنمار» الذى سيلقاه على يد اليهود، لكنه أصر على المضى فى سياسة «الاستخذاء» أمامهم، من أول «شكر الرب» على أنهم «استردوا أرض أجدادهم»، إلى وضعهم مع الكاثوليك والإنجيليين داخل «الدائرة الحصرية» للمؤمنين.

بالنسبة لى، لم يكن مدهشا أن يبتلع المطران المتقاعد «جياكومو بابينى» لسانه، متراجعا عن اتهامه لليهود بالوقوف وراء اتهام الكنيسة الكاثوليكية بأنها كانت مسرحا لجرائم شذوذ واغتصاب، ارتكبها الكهنة ضد أطفال أو مع بالغين.

لم يدهشنى تراجع «بابينى» الأسقف الفخرى لمدينة جروسيتو الإيطالية، والعجوز الذى تجاوز الثمانين، لأن أدلة الاتهام أقوى من الادعاء بأن التهمة/الفضيحة مجرد تشهير، ولأن «بابينى» وجد نفسه وحيدا، أمام «عاصفة من الردود» اختار الانحناء ـ بشدة ـ أمامها، متنصلا من كل ما نسب إليه، وزاد على ذلك أنه وصف اليهود بإخوته، وذلك فى بيان كتبه وأصدره الفاتيكان، يقول فيه: «لقد نسبت إلى تصريحات ضد إخوتنا اليهود لم أدل بها قط»! ليتأكد كل ذى عقل، أن مقام اليهود عند الفاتيكان أسمى من أى مقام!

على أية حال، فإن «البابا واليهود» مقال كتبته فى سبتمبر 2006م، محذرا «ذى الرداء الأحمر ـ بابا الفاتيكان» من عقابيل استكانته لليهود، ومطالبا مسيحيى الشرق عموما بالتصدى لممارسات البابا، باعتبارها «سياسة»، وإن لبست ثوب «الدين». ومازال التحذير والمطلب كلاهما قائم.

البابا .. واليهود:

لم تكن مجرد شائعات، تلك التى صاحبت اختيار الكاردينال «جوزيف راتسينجر» ليصبح البابا «بندكت السادس عشر»، فقد تردد وقت اختياره ـ ابريل 2005م ـ أنه مرشح كنائس اليمين الأمريكى المتطرف، التى تقود تيار «المسيحية الصهيونية»، وقيل إن مساندة هذه الكنائس له جاءت من باب «رد الجميل» بعد مواقفه المساندة للكنائس الإنجيلية فى ألمانيا، لكن الأيام ـ وهى كما نعلم «حبالى يلدن كل جديد» ـ كشفت اللثام عن سر اختيار هذا «البابا القابل للابتزاز»؛ ذلك أنه كان فيما بين العاشرة إلى الخامسة عشر من عمره عضواً فى منظمة الشبيبة النازية، ما يمنح الصهاينة ورقة ممتازة للضغط عليه ووضعه تحت أضراسهم، وهذا ما حدث فعلاً، فالبابا الذى تجاوزت تصريحاته المعادية للإسلام دائماً حدود «الجرأة» بدا حملاً وديعاً أمام اليهود، الذين تفننوا فى معاملته على طريقة الذئاب، فى مشاهد متكررة بدت وكأنها تعيد صياغة قصة «ذات الرداء الأحمر» المعروفة عربياً باسم «ليلى والذئب»!

ذو الرداء الأحمر، أو «بندكت السادس عشر» استهل «بابويته» باجتماع حضره على رأس كرادلة الفاتيكان، وافتتحه بقوله «أبارك الإخوة الأحباء الشعب اليهودى». مضيفاً: «لنا مع اليهود علاقات روحانية مشتركة». وكان رد الصحف الصهيونية على تصريحاته شديد الغطرسة، فقد قالت «يديعوت أحرونوت» إن: البابا المسن لن يعمر طويلاً، ومهمته الجديدة لن تكون جديدة، فهو سيواصل العمل على توطيد العلاقة بين الفاتيكان واليهود. وانضمت إليها «هآرتس» التى قالت إن بندكت سيسير على خطى سلفه «يوحنا بولس الثانى» فى دعم اليهود.

فى المقابل بدأ بندكت تصريحاته العدائية ضد الإسلام، وضد الكنيسة الأرثوذكسية من وقت مبكر، فقد قال إن الإسلام سيظل أسيراً فى النص القرآنى، وحدد دائرة الإيمان بالكاثوليك والإنجيليين واليهود ـ هكذا! ـ وكان واضحاً جداً أنه جاء لتسميم الآبار بين المسيحيين والمسلمين، خاصة فى الشرق حيث مازالت الكنائس الأمريكية تعانى يأسا وصعوبات فى اختراق صفوف المسلمين والمسيحيين، وحيث يرى المسلمون والمسيحيون كيف تمتهن سلطات الاحتلال الصهيونى مقدساتهم فى فلسطين، بفضل دعم أمريكى مادى ومعنوى.

هذا ما فعله «ذو الرداء الأحمر» لكنه لم يحصل من «الذئب» الصهيونى إلا على أنيابه التى نهشته كلما كان نهشه ممكناً، مثلاً: فى 25 من يوليو 2005 ألقى «بندكت» كلمة أدان فيها الاعتداءات التى وقعت فى العالم، وذكر مصر وتركيا والعراق وبريطانيا، ولأنه ـ فقط ـ لم يذكر الكيان الصهيونى بين الضحايا، فقد احتجت خارجية الكيان الصهيونى باستدعاء سفير الفاتيكان لدى تل أبيب وإبلاغه الاستياء، وأيضا نقل «نمرود بركن» رئيس قسم يهود الخارج الاحتجاج للفاتيكان. ومع أن ما فعله البابا لم يكن «إهانة»، ومع أنه حرص فى تصريحاته التالية على «تصحيح الخطأ»، فإن الصهاينة حرصوا على أن «يعرفوه مقامه» عبر صفحات الرأى وبريد القراء والتعليقات على الإنترنت، وإليكم بعض النماذج «المهذبة»:

* من يهودى علمانى: سيظل الألمانى ألمانياً! لينتقم الرب.

* من شمعون: إن «نمرود بركن» ورؤساءه يتميزون بالغباء ولا يتمتعون بالكبرياء القومى، من الذى تطالبونه بأن يذكركم؟ تطالبون رأس الكنيسة الكاثوليكية التى قتلتم إلهها؟

* من موشيه: هؤلاء هم المسيحيون، ومن كان يعتقد أنهم طيبون؟

* من ناتالى: هل تعلمون ماذا كان الألمان النازيون؟ كانوا مسيحيين! إن البابا ليس مقدساً بل هو منافق من المنافقين الدهاة.

.. مقالات ورسائل وتعليقات كلها شتائم، والنتيجة المزيد من تزلف «بندكت» لليهود، والمزيد من التصريحات العدائية ضد المسلمين، وآخرها تلك الحماقات التى تفوه بها فى ألمانيا، أثناء حديثه عن «دمج المسلمين فى المجتمع الألمانى»، ولنعلم مدى سوء نية هذه التصريحات ـ لا سوء معرفة ولا سوء فهم ـ نذكركم بأن معظم المسلمين فى ألمانيا من الأتراك، وأن «بندكت» سيزور تركيا بين 28 إلى 30 من نوفمبر المقبل*، وبدلاً من أن يكون ودوداً لتنجح الزيارة، خاصة وأنه مطالب بمحو الأثر السيئ لموقفه السابق ضد تركيا، إذ رفض ـ وهو كاردينال ـ أن تنضم تركيا للاتحاد الأوربى، بدعوى أنها دولة ذات ثقافة مغايرة (إسلامية)، بدلاً من أن يكون ودوداً أطلق «بندكت» تصريحاته العدائية كأنه يريد لزيارته أن تفشل قبل أن تبدأ، ما يؤكد أنه يمارس لعبة سياسية وإن ألبسها ثوب الدين، لعبة لصالح «الغرب» الذى يقوده التيار الصهيونى بجناحيه، وضد الشرق الذى تقود «واشنطن» حملة مهووسة لإشعال الفتن الدينية والعرقية والمذهبية فيه، وقد وجدت فى «ذى الرداء الأحمر» أداة مناسبة لتأجيج الفتنة بين المسلمين الغاضبين بحق، والمسيحيين المدعوين ـ قبل غيرهم ـ لاستنكار الحماقة التى تفوه بها ذو الرداء الأحمر. ولا أظننى فى حاجة إلى تذكيرهم بأن الفاتيكان أعلن براءة اليهود من دم المسيح عليه السلام، بينما اليهود يصرون على أنهم قتلوه، ولا بتذكيرهم بمواقف بندكت المؤسفة تجاه الأرثوذكس والكنائس الشرقية ولجنة الحوار بين الأديان!


* نشر هذا الفصل فى صحيفة «الدستور» أثناء تفجر فضيحة جرائم العِرْض التى أدين بارتكابها بعض قيادات الكنيسة الكاثوليكية، الذين ثبت ارتكابهم الاغتصاب والزنا واللواط وهتك العرض مع عدد من «المؤمنين» ذكرانا وإناثا، أطفالا وبالغين.

* المقصود: 28 إلى 30 من نوفمبر 2006

شاهد أيضاً

العقل الفقهيّ بين نزعتي الحروفيّة والمقاصديّة

يوسف الحمود كاتب وباحث سوري إنّ سجاليّة العقل الفقهيّ وتمظهراته المعرفيّة هي سجاليّة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.