أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / العلمانيون وثورة الزنج 4 من 7

العلمانيون وثورة الزنج 4 من 7

د. هاني السباعي

مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن.
عرض مقالات الكاتب

بيع الحرائر وكشف عوراتهن:

يقول الطبري في مرثية باكية تتفتت لها لأكباد في معرض حديثه عن أحداث 267هـ حول خبر مقتل أحد قواد الخبيث ويدعى صندل: “وكان ـ فيما ذكروا ـ يكشف وجوه الحرائر المسلمات ورؤسهن ويقلبهن تقليب الإماء، فإن امتنعت منهن امرأة ضرب وجهها ودفعها إلى بعض علوج الزنج ببيعها بأوكس الثمن”[32]

وفي أحداث 268هـ: “واستنقذوا جماعة من النساء اللواتي كان الخبيث استرقهن، ودخل غلمان الموفق سائر دور الخبيث ودور ابنه انكلاي، فأضرموها ناراً، وعظم سرور الناس بما هيأ الله لهم في هذا اليوم”[33]

وفي أحداث 269هـ: “واستنقذوا من النساء والأطفال ما لا يحصى عدده”[34]

“وهرب الخبيث في ذلك اليوم ولم يوقف في ذلك على مواضع أمواله. واستنقذوا في هذا اليوم نسوة علويات كنّ محتسبات في موضع قريب من داره التي كان يسكنها، فأمر الموفق بحملهنّ إلى عسكره وأحسن إليهنّ، ووصلهنّ”[35]

معاملة الموفق نساء وأولاد صاحب الزنج:

ذكر ابن جرير أن جند الموفق: “أخذوا حرمه وولده الذكور والإناث وكانوا أكثر من مائة بين امرأة وصبي، وتخلص الفاسق ومضى هارباً نحو دار المهلبي، لا يلوي على أهل ولا مال، وأحرقت داره وما بقي فيها من متاع وأثاث وأتى الموفق بنساء الخبيث وأولاده فأمر بحملهم إلى الموفقية ـ مدينة بناها الموفق أمام مدينة الخبيث ـ والتوكيل بهم والإحسان إليهم”[36]

أقول: هكذا كانت أخلاق أبي أحمد الموفق وابنه أبي العباس الذي صار خليفة فيما بعد.. وكان هذا دأب الموفق في خروجه ضد الأعداء.. ففي أحداث 269هـ: “فأمر جماعة من غلمانه السودان وعرفهم بأن يقصدوا المواضع التي اعتادها الزنج وأن يستميلوهم ويستدعوا طاعتهم فمن أبى الدخول منهم في ذلك قتلوه وحملوا رأسه وجعل لهم جعلاً فحرصوا وواظبوا على الغدو والرواح فكانوا لا يخلون في يوم من الأيام من جماعة يجلبونهم ورؤوس يأتون بها وأسرى يأسرونهم”[37]

حكم الموفق في أسرى الزنج ورحمته بهم:

أعتقد أن العلمانيين يحسنون القراءة لكنهم لا يحسنون الفهم (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) الحج/46.

فهذا أنموذج لما كان يتعامل به الموفق وابنه مع أسرى الزنج ومن يأتيهم مستأمناً:

ففي أحداث 269هـ ذكر الطبري: “ولما كثرت أسرى الزنج عند الموفق أمر باعتراضهم فمن كان منهم ذا قوة وجلد ونهوض بالسلاح منّ عليه وأحسن إليه وخالطه بغلمانه السودان وعرفهم مالهم عنده من البر والإحسان ومن كان منهم ضعيفاً لا حراك به أو شيخاً فانياً لا يطيق حمل السلاح أو مجروحاً قد أزمنته أمر أن يكسى ثوبين ويوصل بدراهم، ويزود ويحمل إلى عسكر الخبيث فيلقى هناك بعدما يؤمر بوصف ما عاين من إحسان الموفق إلى كل من يصير إليه وأن ذلك رأيه في جميع من يأتيه مستأمناً ويأسره منهم فتهيأ له من ذلك من استمالة أصحاب صاحب الزنج حتى استشعروا إلى ناحيته والدخول في سلمه وطاعته”[38]

“وانطلق الموفق ومعه أبو العباس وسائر قواده وجميع جيشه قد غنموا أموال الفاسق واستنقذوا جمعاً من النساء اللواتي كان غلب عليهن من حرم المسلمين كثيراً”[39]

أقول: هكذا كان الموفق قائد هذه الحروب.. فمن الذي يستحق أن يتغنى بأمجاده؟! الموفق هذا الرجل القوي الرحيم الشفوق صاحب الدين والمروءة أم ذاك الخبيث صاحب الزنج سفاك الدماء الغادر الخائن المخالف للعهود والوعود؟! لو أنصفوا لأشادوا بأبي أحمد الموفق ولصبوا اللعنات على صاحب الزنج السفاح الأفاك!! لكنهم لا يخجلون لمرض في قلوبهم!!

الجزء الثاني

نهاية صاحب الزنج ودولته

يقول ابن جرير الطبري:

في سنة 270هـ : “وانتهى الموفق إلى نهر أبي الخصيب، فوافاه البشير بقتل الفاجر، ولم يلبث أن وافاه بشير آخر ومعه كف زعم أنها كفه، فقوي الخبر عنده بعض القوة. ثم أتاه غلام من أصحاب لؤلؤ يركض على فرسه ومعه رأس الخبيث، فأدناه منه، فعرضه على جماعة ممن كان بحضرته من قواد المستأمنة، فعرفوه. فخر لله ساجداً على ما أولاه وأبلاه، وسجد أبو العباس وقواد موالي الموفق وغلمانه شكراً لله، فأكثروا حمد الله والثناء عليه، وأمر الموفق برفع رأس الفاجر على قناة ونصبه بين يديه، فتأمله الناس وعرفوا صحة الخبر بقتله فارتفعت أصواتهم بالحمد لله”[40]

أقول: إنه منظر مهيب يحرك المشاعر ويلين القلوب قبل العيون .. أن ترى جيشاً بأسره ساجداً لله على ما أيدهم بنصره.. إنها صورة مهيبة بحق تهز كيان الإنسان وتزلزل مشاعره وأحاسيسه وهو يرى خليفة المسلمين وولي العهد وكبار القادة وسائر الجند وعوام المسلمين كبيرهم وصغيرهم يؤدون وظيفة العبودية لله وهم يمرغون وجوههم في التراب شكراً وحمداً لله رب العالمين قاصم الجبابرة.. الأمة كلها ساجدة لله رب العالمين؛ الذي أنقذهم وحررهم من هذا الورم الخبيث المسمى بصاحب الزنج الذي كاد أن يقضي على الأخضر واليابس.. وكادت شمس الخلافة أن تغيب!! إنه منظر يهيج القلوب المتعطشة إلى شفاء الصدور وذهاب الغيظ.. لقد كانت التسابيح والتهاليل تهز أركان الخلافة مغردة بالنصر المبين وشاكرة للرب العظيم.. لم نسمع طبلاً ولا زمراً ولم نر رقصاً ولا عربدة لانتصارات مزيفة ولأبطال من ورق!! بل ردت الأمة وقادتها الأمر كله لله وحده.. وهذه المعاني لا تلامس شغاف قلوب العلمانيين لذلك لا يفهمونها ولا يشعرون بها!!

ويلخص لنا الطبري تلكم الحقبة بقوله: “وكان خروج صاحب الزنج في يوم الأربعاء لأربع بقين من شهر رمضان سنة خمس وخمسين ومائتين، وقتل يوم السبت لليلتين خلتا من صفر سنة سبعين ومائتين، فكانت أيامه منذ خروجه إلى اليوم الذي قتل فيه أربع عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام، وكان دخوله الأهواز لثلاث عشرة ليلة بقيت من شوال سنة سبع وخمسين ومائتين”[41]

يقول أبو عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي في أحداث 255هـ:

“وللنصف من شوال هذه السنة‏:‏ ظهر في نواحي البصرة رجل زعم أنه علي بن محمد بن أحمد بن علي بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب وكان يقول أن جده لأمه خرج مع زيد بن علي على هشام بن عبد الملك وكان من أهل) ورزنين) وكان عبادًا يتكلم في علم النجوم فربما كتب العوذ فخرج في نفر من الزنج فأخذه محمد بن أبي عون فحبسه ثم أطلقه فخرج في قراب البصرة في مكان يقال له‏:‏) برنجل) وجمع الزنج الذين كانوا يكتسحون السباخ فاستغواهم ثم عبر دجلة ونزل (الديناري) وكان هذا الرجل متصلًا بقوم من أصحاب السلطان يمدحهم ويستميحهم بشعره ثم خرج من) سامراء) سنة تسع وأربعين ومائتين إلى البحرين وادعى أنه من ولد علي بن أبي طالب ودعا الناس إلى طاعته فتبعه جماعة وأباه جماعة فوقع بينهم قتال على ذلك فانتقل عنهم إلى الإحساء فضوى إلى حي من بني تميم وصحبه جماعة من أهل البحرين ثم كان ينتقل في البادية من حي إلى حي ولم يزل أمره يقوى إلى سنة سبعين”[42]

يوحى إلى صاحب الزنج بالاتجاه إلى البصرة!!:

” وكان يقول‏:‏ أوتيت آيات من آيات القرآن إمامتي منها لقيت سورًا من القرآن لا أحفظها فجرى بها لساني في ساعة واحدة منها‏:‏ سبحان والكهف وص وألقيت نفسي على فراشي فجعلت أفكر في الموضع الذي أقصد له وأقيم فيه إذ نبت بي البادية فأظلتني سحابة فبرقت ورعدت وقيل لي‏:‏ أقصد للبصرة فمضى إليها فقدمها في سنة أربع وخمسين. ونزل في بني ضبيعة فاتبعه جماعة منهم علي بن أبان المهلبي ووافق ذلك فتنة البصرة بالبلالية والسعدية فرجى أن يتبعه منهم أحد فلم يتبعه فهرب وطلبه محمد بن رجاء عامل السلطان بها فلم يقدر عليه فأتى بغداد فأقام بها فاستمال جماعة فلما عزل محمد بن رجاء عن البصرة وثب رؤوس الفتنة من البلالية والسعدية ففتحوا الحبوس وأطلقوا من كان فيها فبلغه ذلك فخرج إلى البصرة في رمضان سنة خمس وخمسين وأخذ حريرة وكتب عليها‏:‏ (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة) ‏.. وكتب اسمه واسم أبيه وعلقها على رأس مردي وخرج في السحر من ليلة السبت لليلتين بقيتا من شهر رمضان”[43]

يأمر الغلمان بضرب مواليهم:

” فلقيه غلمان فأمر بأخذهم وكانوا خمسين غلامًا ثم صار إلى مكان آخر فأخذ منه خمس مائة غلامٍ ثم صار إلى الموضع آخر فأخذ منه مائة وخمسين غلاما وجمع من الغلمان خلقًا كثيرًا وقام فيهم خطيبًا فمناهم ووعدهم أن يقودهم ويرأسهم ويملكهم ولا يدع من الإحسان شيئًا إلا فعله لهم ثم دعا قد أردت ضرب أعناقكم لما كنتم تأتون إلى هؤلاء الغلمان الذين استضعفتموهم وقهرتموهم وحملتموهم ما لا يطيقون فكلمني أصحابي فيكم فرأيت إطلاقكم فقالوا‏:‏ إن هؤلاء الغلمان أباق فهم يتهربون منك فخذ منا مالًا وأطلقهم لنا ‏.‏ فأمر بهم فبطح كل قوم مولاهم وضرب كل واحد منهم خمسين سوطًا أحلفهم بطلاق نسائهم أن لا يعلموا أحدًا بموضعه وأطلقهم”[44]

شاهد أيضاً

العقل الفقهيّ بين نزعتي الحروفيّة والمقاصديّة

يوسف الحمود كاتب وباحث سوري إنّ سجاليّة العقل الفقهيّ وتمظهراته المعرفيّة هي سجاليّة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.