أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / الدَّولة العثمانيَّة: خلافة إسلاميَّة أم مُلكٌ عاضٌّ؟ 1 من 5

الدَّولة العثمانيَّة: خلافة إسلاميَّة أم مُلكٌ عاضٌّ؟ 1 من 5

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

برغم مرور قرابة القرن من الزَّمان على سقوط، أو لتقل إسقاط، الدَّولة العثمانيَّة، آخر جامع لأمَّة الإسلام تحت لواء واحد، لم ينتهِ الجدال حول ماهيَّة تلك الدَّولة، الَّتي امتدَّ سلطانها من أواسط آسيا إلى قلب أوروبا، مرورًا بالشام والعراق وجزيرة العرب وشمال إفريقيا، ولم يزل التَّساؤل نفسه مطروحًا: هل كانت خلافة إسلاميَّة احتكمت إلى الكتاب والسُّنَّة وطبَّقت عقيدة الجهاد في سبيل الله تعالى في فتْح البلدان؟ أم كانت مُلكًا عاضًّا تكالَب على السُّلطة والمال وفتَح المجال أم تسلُّط الحُكم الجبري على رقاب المسلمين؟ انهارت الخلافة العثمانيَّة في 3 مارس من عام 1924 ميلاديًّا، الموافق 28 رجب من عام 1342 هجريًّا، ومع تصادُف مرور الذّكرى الـ 96 ميلاديًّا والـ 99 هجريًّا في شهري مارس 2020 ورجب 1441، نعيد تناوُل تلك المسألة، في إشارة إلى مختلف الآراء حول ماهيَّة الدَّولة العثمانيَّة والأسباب الحقيقيَّة لانهيارها وأفول نجم دولة الخلافة الإسلاميَّة إلى يومنا.

برنارد لويس وسقوط الخلافة العثمانيَّة: نموذج من آراء المستشرقين اليهود حول انهيار آخر دولة للخلافة

يتناول المستشرق اليهود المخضرم، والمعروف بحقده الشَّديد على الإسلام، برنارد لويس، في كتابه What Went Wrong?-أين يكمن الخطأ؟ (2002م)، أسباب تراجُع دولة الإسلام حضاريًّا، وسقوطها تحت وطأة الاستعمار الغربي، بعد أن ظلَّت لقرون طويلة مصدر تهديد للعالم الغربي، الذي كان يخشى تمدُّد سُلطان المسلمين ليشمل الغرب. يستعرض لويس تاريخ دولة الإسلام منذ نشأتها، وإن تركَّز اهتمامه على آخر دول الخلافة الإسلاميَّة، الدَّولة العثمانيَّة، التي كادت تخترق قلب أوروبا في القرن السَّادس عشر، وكان سلاطينها كابوسًا مؤرقًا لملوك أوروبا. لا ينكر لويس استغلال المسلمين العلوم التي حصَّلوها في صدر الإسلام، لكنَّ ذلك لم يمنع التفوُّق العلمي الأوروبي في عصري النَّهضة والتَّنوير، ليبدأ التَّراجع التَّدريجي لقوَّة الإسلام، وبخاصَّة بسبب ضعف القوَّة العسكريَّة، النَّاتج عن العجز عن تطوير قدرات تسليحيَّة تضاهي قدرات الغرب. يقدِّم هذا القسم استعراض لويس في كتابه آنف الذِّكر (2002م) التحدِّيات التي واجهت دولة الإسلام، حتَّى سقطت الخلافة العثمانيَّة، وريثة مقام الخلافة بعد سقوط الدَّولة العبَّاسيَّة.

أشدُّ خطرين واجها آخر دولة للخلافة: الصَّفوي والصَّليبي

حقَّق المسلمون إنجازات لا تُنكر بنجاحهم في دحر القوَّات الصليبيَّة عن أراضي الشام، وتبع ذلك إسقاط الدولة البيزنطيَّة وفتح القسطنطينيَّة عام 1453 ميلاديًّا، لتصل أراضي الدولة العثمانيَّة إلى حدود فيينا، في قلب أوروبا. ومع ما تمتَّع به سلاطين الدولة العثمانيَّة من قوَّة رادعة، لم تتوقَّف مؤامرات إسقاط دولتهم، وبخاصَّة من الإمبراطوريَّات المجاورة، وأبرزها فارس الصفويَّة الشيعيَّة وروسيا القيصريَّة الأرثوذكسيَّة. في مطلع القرن السادس عشر الميلادي، نجح الشاه إسماعيل الصفوي، وكان شيعيًّا من أذربيجان يتحدَّث التركيَّة، في توحيد أراضي فارس تحت حُكم موحَّد لأوَّل مرَّة منذ الفتح الإسلامي في القرن السابع. جمع إسماعيل الصفوي بين الزعامة الدينيَّة، أو لتقل الإمامة، والقيادة العسكريَّة والسياسيَّة، ليعمِّم المذهب الشيعي، المشهود بغلوِّه وانحرافه عن صحيح الإسلام، في ربوع بلاد فارس. تحدَّى إسماعيل الصفوي وخلفاؤه السيادة السياسيَّة والزعامة الدينيَّة اللتين استأثر بهما حُكَّام آل عثمان، الذين جمعوا بين لقبي “السلطان” و “خليفة المسلمين”، وعُرفوا كذلك بلقب “خادم الحرمين الشريفين”، لمَّا صارت جزيرة العرب ضمن أراضي الدولة العثمانيَّة.

وعيًا بالخطر الذي شكَّلته الدولة الصفويَّة في الشرق، ودولة المماليك في الجنوب، شنَّ السلطان سليم الأوَّل حملة ضدَّ الدولتين خلال الفترة ما بين عامي 1512 و1520 ميلاديًّا، لينجح في انتزاع حُكم مصر والشام من المماليك؛ أمَّا عن فارس، فقد عجز عن إسقاطها، وإن نجح في ردع إسماعيل الصفوي في أواخر سنوات حُكمه، حيث خرج من المشهد بوفاته عام 1524. لعلَّ في وصف أوجيه دي بوسبيك، السفير الإمبراطوري إلى إسطنبول للتهديد الفارسي للدولة العثمانيَّة ما يعكس عِظم ذلك التهديد، لدرجة أنَّ دي بوسبيك رأى أنَّه أكبر رادع لسلاطين آل عثمان عن اجتياح أوروبَّا.

وكما جاء في كتاب دي بوسبيكItinera Constantinopolitanum et Amasianum (1581)، والذي صدر عام 1927، في نسخة مترجَمة من اللاتينيَّة إلى الإنجليزيَّة تحت عنوان The Turkish Letters of Ogier Ghiselin de Busbecq, Imperial Ambassador at Constantinople 1554–1562-الخطابات التركيَّة لأوجيه غيزيلين دي بوسبيك، السفير الإمبراطوري في القسطنطينيَّة 1554-1562، فارس الصفويَّة أجَّلت قدر أوروبا بالغزو العثماني لأراضيها، في وقت تمتَّع فيه التُّرك بالقوَّة والموارد العسكريَّة والبسالة في القتال، في مقابل الفقر والضعف والروح المنكسرة والانحلال الأخلاقي وانعدام الانضباط في الجانب الأوروبي. ويعلِّق لويس على مخاوف دي بوسبيك بأنَّها كانت “غير مبرَّرة”؛ حيث ظلَّ التُّرك والفرس يتحاربون حتَّى القرن التاسع عشر، وأخذت أراضي التُّرك في التضاؤل حتى سقطت دولتهم (ص9).

تجدر الإشارة إلى أنَّ في عام 1523 ميلاديَّا، سعى الشَّاه إسماعيل الصفوي إلى استعداء ملوك أوروبا المسيحيِّين، ضدَّ الدولة العثمانيَّة، حاملة لواء الخلافة الإسلاميَّة، لمَّا بعث برسالة إلى كارلوس الخامس، ملك إسبانيا وإمبراطور الإمبراطوريَّة الرومانيَّة المقدَّسة وحفيد فرناندو وإيزابيلَّا من ابنتهما خوانا تراستامارا الملقَّبة بـ “المجنونة”، يعبِّر فيها عن تعجُّبه من اقتتال ملوك أوروبَّا، بدلًا من توحيد الصفوف في مواجهة الدولة العثمانيَّة الآخذة في التوسُّع. غير أنَّ كارلوس الخامس لم ينتبه إلى مضمون تلك الرسالة إلَّا بعد رحيل إسماعيل الصفوي بسنوات.

أكمل سليمان القانوني، خليفة سليم الأوَّل، مسيرة توسيع حدود الدولة العثمانيَّة، ووصلت قوَّاته إلى فيينا، التي حاصرها عام 1529 ميلاديًّا، ولكن فشل الحصار في إسقاطها. سبقت الإشارة في المقال التفصيلي عن دور القبَّالة والطُّرق الصوفيَّة المغالية في إسقاط الدولة العثمانيَّة، إلى تآمر روكسلانا، التي اشتهرت باسم السلطانة حُرَّم، زوجة سليمان القانوني يهوديَّة الأصل، مع ملك الفرس للإطاحة بولي عهد القانوني من زوجته الأولى، لكي تُجلس حُرَّم أكبر أبنائها على العرش بعد أبيه. نجحت مؤامرة حُرَّم، ليبدأ عهد الضعف في تاريخ الدولة العثمانيَّة، التي بلغت أقصى اتساع لها في عهد القانوني، بوصول ابنها، سليم الثاني، إلى العرش.

في أوائل حُكم سليم الثاني، بدأت حركة تمرُّد استنزفت طاقات السلطنة لبضع سنين، واستغلَّ ملوك أوروبا ذلك في شنِّ هجوم على الدولة العثمانيَّة بعد أن سمعوا عن نيَّتها فرض سيادتها على جزيرة قبرص، لتنطلق معركة بحريَّة عُرفت بمعركة ليبانت، في أكتوبر 1571 ميلاديَّا. برغم تقدُّم الجيش العثماني في البداية، انقلبت الموازين لاحقًا، وسقط من جنوده ما يقدَّر بثلاثين ألفًا. احتفل ملوك أوروبا بهزيمة الجيش العثماني، ونظم جيمس السادس، ملك اسكتلندا الماسوني، قصيدة احتفاليَّة بتلك المناسبة. غير أنَّ الجيش العثماني استطاع خلال عام واحد إعادة بناء أسطوله البحري، ليتحرَّك تجاه قبرص لحمايتها من الغزو الأوروبي، ويجبر إيطاليا على تسديد غرامة حرب قدرها 300 ألف ليرة ذهبيَّة والاعتراف بالسيادة العثمانيَّة على جزيرة قبرص، كما نصَّت معاهدة البندقيَّة المبرمة في مارس 1573، كما تنقل موسوعة ويكيبيديا الرقميَّة. ويعترف لويس بأنَّ نتائج معركة ليبانت التي صبَّت في مصلحة أوروبا ضئيلة.

مكمن الخطأ في رأي لويس: جهل المسلمين بتطوير الأسلحة الحديثة والاستكشاف الجغرافي

مع ازدرائهم للغرب “الكافر”، أغفل المسلمون عن المهارات التي طوَّرها أبناء الغرب في تطوير الأسلحة والمعدَّات الحربيَّة، كما يزعم لويس (ص12). فطن المسلمون عند انتصار الغزاة في مطلع الحملات الصليبيَّة على الشام، في القرن الثاني عشر الميلادي، إلى أنَّ تفوُّق الخصم في التسليح يستدعي الانتباه؛ فسارع قادة المسلمين إلى الاستعانة بأسرى الصليبيِّين، كما يذكر لويس، في بناء القلاع والحصون، هذا إلى جانب إلحاق مرتزقة صليبيِّين بصفوف المسلمين. انتبه قادة جيوش الدولة العثمانيَّة إلى أهميَّة التسليح في غزوهم جنوب شرق أوروبا؛ فتزوَّدوا بعتاد من مورِّدي أسلحة أوروبيِّين، كمَّا استعانوا بخبراء عسكريين أوروبيِّين، ما يراه لويس من نماذج “المشاركة البنَّاءة” (ص13). غير أنَّ قادة المسلمين في العصور اللاحقة لم يضعوا تجارب التعامل مع خبراء عسكريِّين غربيِّين في حسبانهم، طالما تتقدَّم جيوشهم، وتحقق انتصارات في ميادين القتال. استعان سلاطين الدولة العثمانيَّة بالخبرات الأجنبيَّة في المجال العسكري، لكنَّ ذلك لم يتعدَّ كونه تعاملًا تجاريًّا في نظرهم، دون محاولة للتطوير الذاتي في ذلك المجال، كما يرى لويس.

ازداد موقف العالم الإسلامي ضعفًا مع اكتشاف الملَّاح البرتغالي بارثولوميو دياز طريقًا ملاحيًّا جديدًا عام 1488 ميلاديًّا، هو رأس الرجاء الصالح، أو Cape of Good Hope، يعتمد على الإبحار حول قارَّة إفريقيا، ثمَّ الولوج إلى المحيط الهندي؛ وأسهم إبحار مواطنه، الملَّاح والمستكشف فاسكو دي غاما، وإعداده خرائط تسهِّل الملاحة عبر ذلك الطريق، في تضييق الخناق على دولة المماليك البحريَّة، التي كانت تحكم مصر وأجزاء من الشام، لمَّا تحوَّل طريق التجارة عن البحر المتوسِّط. يثير لويس مفارقة، هي تحذير جمهوريَّة فينيسيا، المستفيد الأكبر من تجارة التوابل المستورَدة من المشرق الإسلامي، السلطان المملوكي في مصر، عام 1502 ميلاديًّا من مغبَّة تحوُّل طريق التجارة إلى رأس الرجاء الصالح، ولكن لم يعبأ السلطان بالتحذير، وما هي إلَّا سنوات وسقط حُكم المماليك على يد الجيش العثماني عام 1517 ميلاديًّا. المفارقة الأكبر، في رأي لويس، هو أنَّ سلاطين الدولة العثمانيَّة أنفسهم لم يأخذوا ذلك الخطر بمحمل الجد. يضيف لويس أنَّ حاكم إقليم آتشيه، الواقع شمالي جزيرة سومطرة الإندونيسيَّة، قد أرسل إلى إسطنبول عام 1563 ميلاديًّا لطلب المدد في مواجهة البرتغاليِّين، مبشِّرًا بنيَّة العديد من الحكَّام غير المسلمين للإمارات المجاورة الدخول في الإسلام، في حال قدَّم العثمانيُّون العون المطلوب. غير أنَّ دولة الخلافة وقتها انشغلت بأمرين أكثر حساسيَّة، وهما حصار مالطا وزغتفار في المجر، ووفاة السلطان سليمان القانوني.

لم يقتصر التهديد على اجتياح غرب أوروبا لشرق آسيا، إنَّما امتدَّ إلى التمدُّد الروسي إلى شمال آسيا، وحينها استنجد حكَّام المسلمين بالدولة العثمانيَّة، التي لم تقصِّر، باعتراف لويس في تقديم المساعدة. أعدَّ العثمانيُّون في عام 1568 ميلاديًّا، مخطَّطًا لحفر قناة تربط خليج السويس في مصر بالبحر المتوسِّط، وقناة أخرى تربط نهري الدون والفولجا؛ بغية أن تتجاوز القوَّة البحريَّة للدولة العثمانيَّة حدود البحر المتوسِّط، بفتح مجال للسيطرة على الملاحة في البحر الأحمر والمحيط الهندي، وكذلك في البحر الأسود وبحر قزوين. مع نهاية القرن السادس عشر، انسحبت الجيوش العثمانيَّة من جبهتي قتال روسيا في شمال آسيا ووسطها، وقتال أوروبا الغربيَّة في جنوب آسيا وجنوبها الشرقي، حيث وجَّهوا التركيز إلى ميدان المعركة الأشرس، بين الإسلام والمسيحيَّة؛ فاتَّجهت جيوش الدولة العثمانيَّة إلى قلب أوروبا. تزامَن ذلك مع تعاظُم موارد أوروبا، بفضل ما جمعته جيوشها من مستعمرات العالم الجديد، سواءً من الأموال، أو من المحاصيل التي أغنت أوروبا عن استيراد بعض منتجات العالم الإسلامي الزراعيَّة.

تحكُّم النساء في مقاليد الحُكم وبداية ضعف الدولة العثمانيَّة

لم يشهد النصف الأوَّل من القرن السابع عشر تحوُّلًا يُذكر في موازين القوَّة بين الشرق والغرب؛ حيث انشغل الطرفان بالمشكلات الدَّاخليَّة، وانصرف اهتمام العثمانيِّين العسكري إلى حماية الحدود الشرقيَّة، مع تجدُّد الصراع مع أكبر خصمين تاريخيِّين للدولة العثمانيَّة، فارس الصفويَّة وروسيا القيصريَّة. في عام 1656 ميلاديًّا، تجرَّأت جمهوريَّة فينيسيا على إغلاق المضايق، وإرسال أسطول إلى الدردنيل، محرزةً انتصارًا بحريًّا. غير أنَّ التقدُّم الأوروبي إلى أراضي الدولة الإسلاميَّة تعطَّل، بوصول الألباني محمد باشا الكوبريللي، إلى منصب الصدر الأعظم، ما يوازي منصب رئيس الوزراء. تولَّى محمد باشا الكوبريللي منصبه في وقت عصيب، في عهد السلطان محمَّد الرَّابع، الذي تولَّى الحُكم عام 1648 ميلاديًّا، بعد مقتل أبيه، إبراهيم الأوَّل، وكانت السلطانة كوسيم، يونانيَّة الأصل وابنة أسقف أرثوذكسي واسمها الأصلي أنستازيا، هي التي تدير البلاد من خلف الستار، حتَّى وفاتها عام 1651 ميلاديًّا. المفارقة أنَّ الوصي على العرش من بعدها صار السلطانة ترخان خديجة، روسيَّة الأصل واسمها الحقيقي ناديا، وصارت تدير المشهد عن بُعد حتَّى وفاتها عام 1683 ميلاديًّا، ولم يدم العرش لابنها من بعدها أكثر من 6 سنوات. تولَّى الحُكم من بعد محمَّد الرَّابع، أخوه سليمان الثاني، ابن السلطانة صالحة ول آشوب، وكانت صربيَّة الأصل واسمها الأصلي كاترينا.

وبرغم تسلُّط نساء الأسرة الحاكمة، استطاع محمد باشا الكوبريللي في فترة تولِّيه الصدارة العظمى (1651-1661 ميلاديًّا)، ومن بعده ابنه فاضل أحمد باشا، الذي خلفه في المنصب (1661-1678 ميلاديًّا)، تجديد دماء الجيش العثماني وإعادة تنظيمه، إلى جانب تثبيت الموارد الماليَّة للدولة، بل واستكمال الصراع مع العالم المسيحي. بعد أن ترك فاضل أحمد باشا الكوبريللي الصدارة العظمى، واجهت الدولة العثمانيَّة صراعًا جديدًا مع روسيا، انتهى عام 1681 ميلاديًّا، بإبرام معاهدة باخشي سراي، التي تنازل التُّرك بموجبها عن أي مطالَبة بأوكرانيا، كما سمحوا بتجارة القوازق، وهم مجموعة من السلافيين الشرقيِّين عاشوا في جنوب روسيا وكازاخستان وسيبيريا، في البحر الأسود. تزامَن ذلك مع وصول قره مصطفى باشا، وهو صهر محمد باشا الكوبريللي، إلى الصدارة العظمى، محاولًا تجديد أمجاد أسرة الكوبريللي في الحُكم، من خلال إعادة محاصرة فيينا عام 1683 ميلاديًّا. باءت المحاولة بالفشل، ويصفها المؤرِّخ التركي المعاصر للحدث سلحدار فندكلي محمَّد آغا في موسوعته التاريخيَّة Tahir-التاريخ بأنَّها هزيمة منكرة، لم تعهد الدولة العثمانيَّة مثلها منذ نشأتها.

شجَّعت هزيمة الدولة العثمانيَّة في حصار فيينا الثاني القوى المعادية لها في أوروبا على تكوين تحالُف لمحاربتها، نظَّمه البابا إينوسنت الحادي عشر، بابا الفاتيكان، تحت اسم الرَّابطة المقدَّسة (Sacra Ligua) عام 1684 ميلاديًّا وانضمَّ إليه الولايات البابويَّة والإمبراطوريَّة الرومانيَّة المقدَّسة والكومنولث البولندي الليتواني وجمهوريَّة البندقيَّة، ثمَّ روسيا القيصريَّة، التي انضمَّت إلى التحالُف عام 1686 ميلاديًّا. اندلعت إثر ذلك معارك متواصلة، استمرَّت حتَّى عام 1699 ميلاديًّا فيما عُرف بـ “الحرب التركيَّة العظمى”، وانتهت بإبرام معاهدة كارلوفجة (Karlofça Antlaşması)، بوساطة بريطانيَّة وهولنديَّة. بموجب تلك المعاهدة، خسرت الدولة العثمانيَّة مساحات كبيرة من أراضيها، لصالح النمسا وبولندا والبندقيَّة.

يرى لويس أنَّ الهزيمة التي مُنيت بها الدولة العثمانيَّة في خصار فيينا عام 1683 ميلاديًّا، أجبرتها على التخلِّي عن بعض مبادئها القديمة، وتغيير طريقة تعاملها مع العالم الخارجي؛ وتكمن أهميَّة معاهدة كارلوفجة في أنَّها “أوَّل معاهدة سلام تبرمها الدولة العثمانيَّة المهزومة مع خصومها المسيحيِّين المنتصرين” (ص17-18). غير أنَّ هزيمة الدولة العثمانيَّة في تلك الجولة في صراع العالم الإسلامي مع العالم المسيحي لم يقلب موازين القوَّة لصالح الأخير، في الصراع الذي بدأ منذ ظهور الإسلام في القرن السابع الميلادي. صحيح أنَّ الحملات الصليبيَّة عطَّلت الزحف الإسلامي لعشرات السنين، بأن ألهت المسلمين بحماية ديارهم، ولكن بدأ الزحف من جديد لاحقًا، لتسقط الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة الأرثوذكسيَّة، وكادت الإمبراطوريَّة الرومانيَّة، مقر الباباويَّة الكاثوليكيَّة، أن تليها. غير أنَّ سقوط دولة الخلافة الأمويَّة في شبه الجزيرة الإيبيريَّة عام 1492 ميلاديًّا حالت دون المساس بالكنيسة الكاثوليكيَّة.

تعاقُب الانتصارات والهزائم…ومزيد من خسارة الأراضي

لم يُحسم صراع الدولة العثمانيَّة مع العالم المسيحي في النصف الأوَّل من القرن الثامن عشر، حيث أحرزت الأولى انتصارًا مرحليًّا على روسيا القيصريَّة في عامي 1710 و1711 ميلاديًّا، وأبرم الطرفان عام 1711 ميلاديًّا معاهدة بروت، التي أجبرت روسيا على الانسحاب إلى شبه جزيرة آزوف. غير أنَّ هزيمة دولة الخلافة الإسلاميَّة أمام فينيسيا والنَّمسا في معركة جديدة أدَّت إلى إبرام معاهدة باساروفجا (Pasarofça Antlaşması) عام 1718 ميلاديًّا، لتخسر الدولة العثمانيَّة بموجبها تمسوارا وبلغراد والصرب الشماليَّة ورومانيا.

نبذ مساعي التحديث وراء الانحدار التدريجي

يشير لويس إلى اكتشاف وثيقة تاريخيَّة تتضمَّن مقارنة بين القوَّة العسكريَّة لكلٍّ من الدولة العثمانيَّة والعالم المسيحي، تبرز تفوُّق الأخير، وبخاصَّة من حيث استخدام الأسلحة الناريَّة، وتدريب القوى العسكريَّة وإعادة تنظيمها. يعلِّق لويس عن ذلك بقوله “بشكل مثير، أظهرت المواجهة العسكريَّة السبب الجذري لاختلال التوازن الذي ظهر حديثًا. لم تكن المشكلة، كما سبق وأن ادُّعي، مشكلة انحدار؛ فقد احتفظت الدولة العثمانيَّة، وكذلك قوَّاتها المسلَّحة، بكامل فعَّاليتها المعهودة، ولكن وفق المفهوم التقليدي. وفي هذا كما هو الحال في أمور كثيرة، كان للمخترعات والتجارب العلميَّة الأوروبيَّة الفضل في تغيير توازُن القوَّة بين الطرفين” (ص20). يعتبر لويس أنَّ تعنُّت الدولة العثمانيَّة أمام تطبيق مقوِّمات التحديث من أهم أسباب فقدانها أراضيها، فمساعي التحديث كان مصيرها التنديد والمقاومة والتعطيل. لم تسهم الهزائم المتكرِّرة للجيش العثماني، بما في ذلك عام 1730 ميلاديًّا أمام جيش فارس الأقل حداثةً، في تغيير موقف السُّلطة الحاكمة من مساعي التحديث. استفادت الدولة العثمانيَّة من صراع النَّمسا وروسيا في فترة لاحقة من القرن الثامن عشر الميلادي؛ فاستعادت بعض الأراضي، ولكن لم يخدم الحظُّ العثمانيِّين طويلًا، بأن تعرَّضوا لهزائم متتالية على يد الرُّوس في الفترة ما بين عامي 1768 و1774 ميلاديًّا.

أُجبرت الدولة العثمانيَّة عام 1774 ميلاديًّا على إبرام معاهدة مذلَّة جديدة، مزَّقت ما بقي من أراضيها، هي معاهدة كيتشوك كاينارجي (Küçük Kaynarca Antlaşması)، ومنحت لروسيا الحقَّ في التدخُّل في شؤون الدولة العثمانيَّة بفرضها منح غير المسلمين ميزات لم تُتح لهم من قبل مكَّنتهم من العبث بمقدَّرات الدولة، وأتاحت لها حريَّة الملاحة في البحر الأسود والمضايق، كما أجبرت الدولة العثمانيَّة على التخلِّي عن خانية القرم، لتضمَّها روسيا إلى أراضيها فعليًّا عام 1783 ميلاديًّا. يعتبر لويس أنَّ خسارة خانية القرم يمثِّل صفعة شديدة التأثير، ويختلف عن أيِّ أراضٍ أخرى سيطر عليها العثمانيُّون في أوروبا؛ والسبب هو أنَّ القرم كانت أرضًا مسلمة، ضُمَّت إلى أراضي الدولة العثمانيَّة منذ القرون الوسطى. كانت القرم أوَّل أرض يسكنها شعب مسلم تسخرها الدولة العثمانيَّة لصالح الحُكم المسيحي، ولكن لم تكن الأخيرة!

أجبرت تلك الصفعة المدويَّة الدولة العثمانيَّة على إعادة النظر في توجُّهات متوارَثة لها، باتِّخاذ تدابير “انتهكت المعايير الإسلاميَّة المسلَّم بها” (ص21). دفعت السلطة الحاكمة علماء الدِّين إلى إصدار فتاوى تسمح بتغييرين أساسيين، الأوَّل هو قبول المعلِّمين غير المسلمين والعهود إليهم بطلَّاب مسلمين، والثاني هو التعاون مع الحلفاء غير المسلمين في مواجهة عدوٍّ للطرفين من غير المسلمين كذلك. يجد لويس أنَّ تلك العلاقة مع أصدقاء أو أعداء أوروبيِّين كانت مختلفة بعض الشيء، مشيرًا إلى أنَّ في الدولة العثمانيَّة في تلك المرحلة بدأت تعي بأنَّ أوروبا تتقدَّم حداثيًّا، وأنَّ العالم الإسلامي متأخِّر عنها، مما يعني وجود خطأ يسترعي الانتباه. ينتقد المستشرق المخضرم ميل الشرق الأوسط “اليوم”، ويقصد بذلك زمن تأليف الكتاب عام 2002 ميلاديًّا، إلى إلقاء اللوم على “كبش فداء من الخارج أو الداخل-من الأجانب في الخارج أو الأقليَّات داخل الدولة” (ص22-23). أمَّا الدولة العثمانيَّة، فقد واجهت المشكلة وطرحت السؤال المحوري “فيما أخطأنا؟” فور إبرام معاهدة كارلوفجة عام 1699 ميلاديًّا، وأعادت طرحه بعد 75 عامًا، عند إبرام معاهدة كيتشوك كاينارجي، ويعلِّق لويس ساخرًا بقوله “بمعنى أو بآخر، لم يزل السؤال مطروحً إلى اليوم” (ص23).

في حقيقة الأمر، بدأ تأمُّل أسباب تراجُع الدولة العثمانيَّة قبل تلك المرحلة بأمدٍ بعيد نسبيًّا، حيث ألَّف لطفي باشا، والذي شغل منصب الصدر الأعظم زمن سليمان القانوني، بعد عزله من منصبه عام 1541 ميلاديًّا، كتابًا وضع حدَّد بعض العيوب في الهيكل العثماني، مرشِّحًا بعض الحلول لها. وفي عام 1630ميلاديًّا، ألَّف موظَّف حكومي في إقليم البلقان يُدعى كوتشو بك كتابًا يلفت الانتباه إلى مواطن الضعف في الجهازين، المدني والعسكري، مقترحًا إصلاحات لمواطن الضعف تلك. وتغلب على هذين المؤلَّفين، وغيرهما ممَّا كُتب في السياق ذاته، سمة الحنين إلى “الطرق القديمة، الإسلاميَّة والعثمانيّة” (ص23). وهناك سمة أخرى في أولى المؤلَّفات التي تتناول مواطن الخلل، وهي عدم الإشارة إلى نهضة أوروبا وتقدُّمها الملحوظ على العالم الإسلامي بأسره. أمَّا بعد معاهدة كارلوفجة، فقد تعالت نبرة جديدة، لم تكتفِ بالسؤال “فيما أخطأنا؟”، بل أتبعته بسؤال أهم “فيما نصيب؟”، وبالطبع بالسؤال الجوهري “كيف يمكننا اللحاق بهم، فنستعيد أسبقيَّتنا المشروعة؟” (ص25).

يتطرَّق لويس إلى مسألة كان لها تأثير كبير في تغيير العالم الإسلامي نظرته إلى أسلوب حياته النمطي، وهو التعامل المباشر مع الغرب، من خلال الزيارات المتبادلة، ممَّا أدَّى إلى المقارنة بين نُسق الحياة في العالمين الإسلامي والمسيحي. بدأت الدولة العثمانيَّة في فتح سفارات وقنصليَّات لها في العواصم الأوروبيَّة، وبدأ توافد الغربيُّون بأعداد كبيرة إلى العالم الإسلامي، وبخاصَّة بهدف الحجِّ إلى الأرض المقدَّسة. كما سبقت الإشارة، استعانت الدولة العثمانيَّة لأوَّل مرَّة بمهارات وخبرات غربيَّة مسيحيَّة من جنسيَّات مختلفة لتطوير أسلوب الحياة، وبخاصَّة في المجال العسكري، وإن كان التأثير الأجنبي الأكبر فرنسيًّا؛ حيث كانت الفرنسيَّة لغة تدريس العلوم العسكريَّة. ومع وصول السلطان سليم الثالث إلى سُدَّة الحُكم عام 1789 ميلاديًّا، ازداد التأثير الأجنبي؛ لاهتمام السلطان الجديد بالإصلاح والتحديث، حتَّى أنَّه كان يتواصل مع لويس السادس عشر، ملك فرنسا، منذ أن كامن لم يزل وليًّا للعهد، ونشأت بذلك علاقة تعاوُن بين الدولتين، استمرَّت حتَّى الحملة الفرنسيَّة على مصر والشام، وكان كلا البلدين تحت النفوذ العثماني، عام 1798 ميلاديًّا. توتَّرت العلاقات بين الدولة العثمانيَّة وفرنسا بعد أن هدأت قليلًا بعد فشل الحملة الفرنسيَّة، ولكن سرعان ما نشب الصراع من جديد بعد إبرام نابليون اتفاقيَّة سلام مع روسيا القيصريَّة على حساب الدولة العثمانيَّة.

شاهد أيضاً

العقل الفقهيّ بين نزعتي الحروفيّة والمقاصديّة

يوسف الحمود كاتب وباحث سوري إنّ سجاليّة العقل الفقهيّ وتمظهراته المعرفيّة هي سجاليّة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.