أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / المأساة السورية.. البدايات وجذور البلاء 6 من 6

المأساة السورية.. البدايات وجذور البلاء 6 من 6

معاذ السرّاج

باحث في تاريخ سورية المعاصر وشؤون الحركات الإسلامية
عرض مقالات الكاتب

الحكام الجدد والموقف من الإسلام

مقدمة:

في 5 آذار 1936, أصدر الفرنسيون مرسوما يتضمن مسائل لها مساس بالشؤون الدينية للسوريين, تحت ذريعة “تنظيم الجماعات الدينية”, استقبله السوريون بفتور, ولم يعمل به قط, كما يذكر فيليب خوري في كتابه “سورية والانتداب الفرنسي”.

وفي منتصف كانون أول 1938, عاودت سلطة الانتداب إصدار مرسوم معدل تم رفضه مرة أخرى, وتحرك العلماء هذه المرة بقوة, للضغط على حكومة جميل مردم بك, التي رفضت المرسوم بدورها. والذي دفع إلى أن تثور ثائرة القادة الدينيين, كما يذكر فيليب خوري, هو أن المرسوم الذي جرى تعديله, أجاز من ضمن ما أجاز أن يبدل المسلم دينه وأن تتزوج المسلمة من غير المسلم, ويقول فيليب خوري في هذا السياق ما نصه:

“لم يسبق للفرنسيين أن “أساؤوا اختيار” قضايا بالقدر الذي أساؤوا فيه اختيار قضية الأحوال الشخصية, و”لاسيما أن السوريين لم يكونوا قد استفاقوا بعد من صدمة التنصل من معاهدة 1936, واعتبر المسلمون أن الفرنسيين عاملوهم كطائفة بين عدة طوائف فأصاب بالتالي جذر مفهوم المسلمين للدولة”.

هذه الفقرة الأخيرة تنطبق تماما على موقف الحكام الجدد من الشؤون الإسلامية للسوريين بعد انقلاب البعث عام 1963, وإن لم يكن بالحرفية ذاتها.

في هذه الحقبة من سلطة الحكام الجدد, كانت الساحة التربوية والثقافية والاجتماعية, محل تدخل سافر, من سلطات الحكام الجدد, التي فرضت رؤيتها الجديدة على السوريين, في مختلف المجالات, سواء على مستوى المناهج, أو الهيئات التعليمية والقضائية, وعلى مؤسسة الأوقاف والإعلام وغيرها.

إفساد لغة التخاطب في المجتمع, كان من سوأ ما تمثلت به السياسة العدائية للحكام الجدد تجاه الإسلام, والتي تدنت إلى مستويات وحدود لم تعهدها مجتمعاتنا من قبل, سواء من خلال انتشار الألفاظ والمصطلحات التي تخل بالأدب والذوق والعرف الاجتماعي, أو تلك التي تستهين بالإسلام وشعائره ورموزه, ولا تقيم لها أي اعتبار, بل إنها, وكما سنرى, سمحت وشجعت التهجم على تاريخ الإسلام ومبادئه وحرماته, على مستوى مؤسسات الدولة وإعلامها, وعلى الأخص المدارس والمؤسسة العسكرية. 

لم تختلف مواقف الحكام الجدد من المسائل الإسلامية, عما كانت عليه مواقف الاحتلال الفرنسي, بل وكأنها استمرارا لها, وفي احيان كثيرة تجاوزتها في التعدي والجرأة على فعل ما لم يفعله الفرنسيون, سواء في التأجيج الطائفي, أو إضعاف البنى الاجتماعية, وإنهاك الاقتصاد, وإفساد مؤسسات الدولة الناشئة.

سنرى في هذه الورقة, أن علاقة الحكام الجدد بالإسلام والإسلاميين من علماء وسياسيين وشخصيات مثقفة, لم تكن على ما يرام في أي وقت من أوقاتها, نتيجة سياسات السلطة ومواقفها المستفزة, وأنها كثيرا ما مرّت بفترات من الصراع المحتدم حول قضايا إسلامية, تتعلق بالتعليم والقضاء والأحوال الشخصية ودور الإسلام في الحياة العامة, وكل ما له مساس بهوية المجتمع وأصالته وانتمائه وقضاياه المصيرية.

إفساد ثقافة المجتمع:

كان التدخل في مناهج التربية والتعليم, أحد الوسائل المهمة, التي انتهجها الحكام الجدد في إفساد ثقافة المجتمع, وتشويه الوعي, وخاصة فيما يتعلق بمواد التربية الإسلامية والتاريخ واللغة العربية, التي امتلأت بالمعلومات المغلوطة والآراء الشاذة الفاسدة، ومسخ الحقائق التاريخية وتزييفها والتلاعب بها, والطعن في التراث والرموز الإسلامية. وكانت الإشادة بالحركات الباطنية كالقرامطة والحشاشين وفرق الاغتيال والجاسوسية وما شابه, من ابرز الأمثلة على ذلك.

ومن المؤسف أن يقف وراء مثل هذه السياسات والأفكار, وعن سابق وعي ومعرفة, شخصيات محسوبة على الفكر والثقافة القومية, من أمثال زكي الأرسوزي, الذي تبناه حافظ أسد ورفقاؤه، وقدموه على ميشيل عفلق وجلال السيد وغيرهما من منظري البعث المعروفين.

وبالإضافة لما كان للأرسوزي من دور في صياغة الثقافة والتربية الجديدة التي سيجري تلقينها لأجيال الطلاب واليافعين, فقد كان حافظ أسد يصحبه هو والدكتور وهيب الغانم, المنظر القومي الآخر, في جولات على معسكرات الجيش لنشر هذه الثقافة في الوحدات العسكرية, بين الضباط والجنود.

ولنا بعد هذا أن نتصور بعضا من جذور الثقافة والفكر التي تلقاها العسكريون حماة الأمة, والسلوكيات التي سيتربون عليها, في ضوء هذه الثقافة, (ولا نعمم هنا بطبيعة الحال, وإن كان الأمر ينطبق على الغالبية).

الدكتور سامي الجندي, كان شديد الإعجاب بالأرسوزي وبسببه دخل معترك السياسة, كما ذكر في بعض كتبه, يقول: “كنا مثاليين نقيم علاقة المجتمع على الحب, وكان الاستاذ – ويعني به الأرسوزي- يتحدث كثيرا عن المسيح وأظنه تأثر كثيرا بكتاب نيتشه.. ويرى الجاهلية مثله الأعلى, يسميها المرحلة العربية الذهبية.. بل ذهب أبعد من ذلك فتبنى ما كان جاهليا في الإسلام فقط, كان إنسان الرفض, ورفضنا معه..”.

ويضيف الجندي: “ناقشته سنة 1945 بالقرآن فعاب علي نزعتي قائلا: أنت راهب في ثياب ثوري.. وجدت في الحديث أنه لم يقرأ حتى القرآن قراءة جدية, وقد لا يعلم كثيرون أنه بدأ يدرس العربية سنة 1940, كان يفضل الحديث قبل ذلك بالفرنسية”. البعث ص 27 و 28

الأرسوزي هذا كان يكتب في مجلة جيش الشعب, وينشر عن طريقها أفكاره وآراءه, المفعمة بالنفس العدائي للإسلام. كتب مرة عما أسماها ب “أسطورة آدم”، وادّعى أن الانحطاط والانحراف عن العروبة وقيمها بدأ مع ظهور الإسلام, تماشيا مع رأيه بأن العصر الجاهلي هو العهد الذهبي للعرب, كما مرّ معنا من كلام سامي الجندي

لم يكن الأرسوزي وحده في الساحة, فقد شاركه آخرون, وشكلوا نهجا ثقافيا وفكريا تم فرضه بقوة السلطة طيلة عقود, ووفق هذا النهج كانت الثقافة التي أرادوا تلقينها للأجيال, ولهذا فإن ثقافة “الكفريّات” وازدراء الدين وتداول الألفاظ النابية مما لم تعتد عليه أكثر المجتمعات الإسلامية, ومنها مجتمعنا السوري, لم تأت من فراغ, حتى إن القرآن الكريم نفسه, لم يسلم من اعتداءاتهم وتهكمهم, ولعل البعض ربما لازال يذكر تلك التسجيلات التي تعارض القرآن الكريم على سبيل السخرية والاستهزاء، الت انتشرت لفترة, في عدد من المحافظات السورية, ولاسيما في حماة ودمشق، وفي بعض الأحيان ألقيت التسجيلات في عدد من مساجد العاصمة.

منذ الستينات من القرن الماضي, رأينا من يشتم الصحابة والرموز والشخصيات التاريخية الإسلامية, وكان صلاح الدين الأيوبي من اكثر الشخصيات التي تعرضوا لها, ولعل البعض لازال يحفظ عبارتهم المسيئة: “: يلعنك يا يوم حطين، والخائن صلاح الدين”, ناهيك عن عبارات مثل: “لا حكم إلا للبعث”, وشعارهم الشهير: “آمنت بالبعث ربا لا شريك له, وبالعروبة دينا ما له ثاني”. تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

كان من أهازيجهم المتداولة:

هات سلاح وخود سلاح     دين محمد ولّى وراح

وأيا كانت التأويلات التي يمكن أن تُساق حول اجترار مثل تلك العبارات والشعارات الفاسدة والمسيئة لمشاعر الناس وثقافتهم وتقاليدهم, فقد كان على الحكام الجدد, ومن حولهم, أن يُدركوا (ولعلهم يدركون ذلك بالفعل), بأن مثل هذه السلوكيات, سيكون لها مفعول الفتيل الذي يشعل الأزمات خطيرة, أو القشة التي تقصم ظهر البعير, في ظل الاحتقان الشديد الذي يسود المجتمع, نتيجة السياسات الاقتصادية والاجتماعية, ناهيك عن حملات القمع والملاحقات الاعتقال, والإصرار على تلك السياسات الفاسدة التي آذت قطاعات واسعة من الشعب السوري.

وقد كانت أحداث مسجد السلطان بحماة عام 1964, كما رأينا في ورقة سابقة, نتيجة مباشرة لمثل هذه السلوكيات التي تتعرض للدين بالاستهزاء والاستخفاف, وسنرى في هذه الورقة أيضا, حدثا آخر خطيرا, تسبب مقال مسيء لضابط طائفي يُدعى إبراهيم خلاص, عام 1967, تهجم فيه على الذات الإلهية وعلى الإسلام ورموزه بعبارات مليئة بالاستهانة والاستخفاف.

الاعتداء على بيوت الله:

ومن المظاهر الخطيرة التي اشتهرت بها تلك الفترة من تاريخ سورية, وفي السنوات الأولى من سلطة الحكام الجدد, الاعتداء على حرمة المساجد وتدميرها ومحاصرة المحتجين والمتظاهرين بداخلها, وسفك الدماء في حرمها. وقد رأينا في ورقة سابقة تفاصيل حادثة جامع السلطان الشهيرة بحماة في ربيع عام 1964, وسنرى في هذه الورقة تفاصيل اوفى عن حوادث اخرى, عرّجنا عليها في تلك الورقة, بصورة موجزة.

مسجد خالد بن الوليد في حمص, شهد هو الآخر حادثة اعتداء وانتهاك لحرمته, وكما هو معروف, فهذا المسجد يضم رفات القائد العربي الإسلامي العالمي خالد بن الوليد كبير الفاتحين في تاريخ المسلمين، كما يضم رفات ولده سليمان على ما تنص بعض الروايات التاريخية، وكان أهل حمص يلجؤون إلى مسجد خالد في الشدة وفي الرخاء، وعندما يحتفلون بالمناسبات التاريخية العظيمة، وأيام مقارعة المحتلين لأرض الوطن، حتى غلب مصطلح “مدينة ابن الوليد”, علماً على حمص التي شرفت به، كما كانت مدينة حماة تسمى باسم مدينة أبي الفداء نسبة إلى الملك الأيوبي العالم المجاهد والمؤرخ الكبير.

في حادثة الاعتداء على مسجد خالد بن الوليد, يروي عدنان سعد الدين في مذكراته نقلا عن أحد المصلين, كيف أحاط رجال الأمن والحرس القومي بالمسجد, فيما كان الناس يستمعون لكلمات عدد من النشطاء, بعد انتهائهم من الصلاة, كما جرت العادة في أحيان كثيرة, واقتحمت المجنزرات صحن الجامع, وخلفها الجنود الذين حطموا باب حرم الجامع, وشرعوا بضرب المصلين وجلدهم والتنكيل بهم، ومن ثم أخرجوهم في وضع مهين، أمام عدد من مسؤولي البعث ووزرائه, ثم زجوا بهم في السجن, وكانوا أكثر مائة معتقل, تعرضوا طيلة أيام للإهانات والتعذيب والتجويع, وخاطبهم أحد الضباط بقوله : “لو كان لديكم قطعة سلاح واحدة، لأبادكم الجيش عن بكرة أبيكم”.

وفي دمشق التي كانت تغلي كالبركان في تلك الأيام، وتعج بالتحرك الجماهيري، احتجاجا على سياسات السلطة, وتحدي الأمة في عقائدها وأخلاقها وقيمها، كثيرا ما كانت تنطلق الاحتجاجات والتظاهرات تتقدمها الشخصيات السياسية والاجتماعية, وعلى رأسهم شيخ دمشق حسن حبنكة الميداني, والشيخ عبد الكريم الرفاعي، والشيخ أحمد الدقر، وقد بلغ الاستياء في نفوس الناس مبلغا كبيرا, وكانت السلطات تواجهها بالقمع الشديد والملاحقات كما ذكرنا اكثر من مرة.

في شهر كانون الثاني من عام 1965, قامت السلطة باعتقال عدد من العلماء والشخصيات الدمشقية, فثار الناس وتجمع الألوف منهم في المسجد الأموي, يعتزمون الخروج في مظاهرة عارمة إلى منزل الشيخ حسن حبنكة, لكن قوات السلطة أحاطت بالمسجد واقتحمت ساحته بالأسلحة الخفيفة والثقيلة، وحطمت أبوابه الداخلية ودخلت حرم المسجد وهي تطلق النار على جموع الناس, واعتقلت المئات منهم وساقتهم وهم مضرجون بالدماء إلى سجن المزة، ليباشر السجانون تعذيبهم والتنكيل بهم، ثم اقتيدوا بعد أيام إلى المسرح العسكري بالربوة ليحاكموا أمام محكمة “صلاح الضللي” و”سليم حاطوم” الذي أمر قواته بكسر باب المسجد واقتحامه. وقد حكم على عدد من أولئك المعتقلين بالإعدام والسجن لفترات طويلة, ولم يُفرج عنهم إلا بعد وساطات ومراجعات, قيل إن أمين الحافظ نفسه, كان وراءها, كما فعل في أحداث حماة, وتدخل بنفسه وأطلق سراح الجميع.

وعلى الرغم من وجود أسباب عميقة وراء تلك الاحتجاجات كما سبق ورأينا, إلا أن السلطة من جهتها, وكما ذكر أكرم الحوراني, كانت تسعى دائما, إلى توريط المواطنين بأنشطة تسوغ لها توجيه ضربة قاصمة لأبناء العاصمة، وتبث الرعب في أوساطهم، وتخيف بسحقهم سكان المحافظات الأخرى, وقد ورد في بعض المصادر, أجهزة المخابرات, هي التي روجت عن طريق مخبريها لدعوة الناس للاحتشاد في المسجد الأموي, حيث سيجتمع العلماء ويتكلمون بشأن الأوضاع في سورية, وكان الشيخ حسن حبنكة رحمه الله, قد نفى علمه بتلك الدعوة, كما فعل غيره من المشايخ, وحاولوا تبليغ الناس, سارعوا إلى المسجد الأموي, دون علم بما يحاك لهم.

وقد دلّت مثل هذه الأساليب بشكل قاطع على أن الحكام الجدد, كانوا يتعمدون افتعال الحوادث, وتهيئة الظروف للانقضاض على الناس بالحديد والنار, وتنفيذ سياساتهم الدموية, لإرهاب الناس وإرعابهم, عن سابق عزم وتصميم, لا يقيمون في ذلك وزنا للدين ولا لدور العبادة ولا لحرمة الدماء والأعراض, فضلا عن الحريات وحقوق المواطنين.

حادثة الضابط ابراهيم خلاص:

وهو من أبناء الطائفة العلوية, وكان قد كتب مقالا نشرته مجلة جيش الشعب التي تصدر عن إدارة التوجيه المعنوي للجيش والقوات المسلحة، بتاريخ 25 نيسان 1967, وردت فيه عبارات غاية في الإثارة والاستهتار, تضمنت انتقاص الدين والتعدي على الذات الإلهية, وعلى حرمات الإسلام ورموزه وشخصياته.

في مقاله ذاك, دعا ابراهيم خلاص إلى وضع الله -حاشاه سبحانه- والأديان في متاحف التاريخ، وتهجم فيه على القيم الإسلامية ودعا لاستبدالها بقيم البعث الاشتراكي. ومما قاله:

“استنجدت أمة العرب بالإله ، فتشت عن القيم القديمة في الإسلام والمسيحية، استعانت بالنظام الإقطاعي والرأسمالي وبعض النظم المعروفة في العصور الوسطى، فلم يجد كل ذلك فتيلا، مع كل هذا شمرت أمة العرب عن ساعديها، ونظرت بعيدًا بعيدًا، لترى طفلها الوليد يقترب شيئا فشيئا، وهذا الوليد ليس إلا الإنسان العربي الاشتراكي الجديد، الإنسان المتمرد على جميع القيم المريضة الهزيلة في مجتمعه، التي ليست إلا وليدة الإقطاع والرأسمال والاستعمار، تلك القيم التي جعلت من الإنسان العربي إنسانًا متخاذلاً متواكلا، إنسان جبريًا مستسلما للقدر، إنسانًا لا يعرف إلا أن يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”.

ومما قاله أيضا: “الإنسان يعلم أن نهايته الحتمية الموت ، ولن يكون هناك نعيم أو جحيم ، بل سيصبح ذرة تدور مع دوران الأرض”.

ومما يلفت النظر أن النفس الطائفي كان واضحا في تلك السلوكيات إلى أبعد حد, وإذا ما أضفنا إليه ما سبق ذكره من سلوكيات المحققين في السجون, وانتماءاتهم, والألفاظ والعبارات المسمومة التي كانوا يستخدمونها, تجاه المعتقلين ودينهم وشعائرهم, بالإضافة إلى ما كان ينتشر على ألسنة كثير من الحزبيين والضباط العسكريين في الجيش, من كلمات وشعارات مسيئة ومعادية للإسلام, يمكن أن نتصور أننا في الواقع أمام سياسة مبرمجة وهادفة, ولا يمكن بحال اعتبارها سلوكيات أو أخطاء فردية يمكن تجاوزها واغتفارها.

والحقيقة أن التهجم على الإسلام وانتشار العبارات المسيئة لم يكن لينتشر ويتكرر على الألسنة وفي وسائل الإعلام, لولا أنه كان يحظى برضى وقبول وتشجيع من الحكام الجدد, واستخفافهم بما يحمله من إثارة واستفزاز, وما يمكن أن يتسبب به من أحداث خطيرة.

وقد يكون مفيدا هنا أن نستحضر ما تحدث عنه أكرم الحوراني بخصوص حادثة مسجد السلطان بحماة حين قال: “لقد كان هذا الأسلوب الاستفزازي هو الأسلوب الذي اعتادت السلطات البعثية استعماله لتفجير النقمة الشعبية واستدراجها ثم إجهاضها قبل نضجها وتمام استعدادها، مع استعداد السلطات الكامل لمواجهة الانفجار”.

تسبب نشر مقال ابراهيم خلاص, بحالة من الغضب والسخط بين الناس, والتهيؤ للخروج في تظاهرات احتجاجية حاشدة, تزامنت مع عودة الشيخ حسن حبنكة من الحج، وهو الشخصية الاجتماعية والدينية محبوبة وذائعة الصيت في دمشق وفي معقلها المهم حي الميدان, فكان أن خرجت الجماهير في تظاهرات ضخمة, وحملت سيارة على أكتافها، ورددت هتافات تندد بسياسات السلطة وتنادي بالإسلام وحكمه, وساد التوتر أجواء العاصمة دمشق.

كان موقف السلطة, هو محاولة التنصل من المقال، وإلقاء وزر ما حدث على الكاتب, وأصدرت بيانا في ذلك, وامرت بمحاكمة كاتب المقال, لكنها وفي الليلة نفسها, قامت باعتقال الشيخ حسن حبنكة، واحتلال معهد التوجيه الإسلامي التابع له، ومصادرة ممتلكاته, وتسريح أساتذته وموظفيه، ووضعت يدها على مزرعة للشيخ في الغوطة، وزجت بالعديد من الشباب الإسلامي والعلماء في السجون..

وقد اتضح من هذه الفعلة الشائنة من الحكام الجدد, أن إجراءاتها تجاه كاتب المقال, لم يكن سوى مناورة مفضوحة, وأن الحادثة برمتها دليل قاطع على انه السلطة هي في الحقيقة من يقف وراء هذه الاستفزازات, كما قاله أكرم الحوراني, وهو أخبر بهؤلاء وما دأبوا عليه من منهجية واضحة في إفساد المجتمع وتخريبه.

كان الشيخ رحمه الله, مع مجموعة من العلماء, ق سطروا موقفهم في بيان شهير وجّهوه للسلطة الحاكمة وطالبوها بالتوقف عن هذه الاستفزازات, والوقوف بحزم وشدة تجاه هذا التعدي السافر, وحذروها من مغبة التمادي في الاعتداء على الدين والشعائر والرموز الإسلامية. وفي الجمعة التالية, ألقى الشيخ حسن حبنكة رحمه الله خطبة الجمعة تناول فيها هذا الموضوع وبين بالتفصيل, موقف العلماء مما حدث, ومطالبهم التي وجهوها للسلطة, والخطبة موجودة على اليوتيوب بعنوان ( https://www.youtube.com/watch?v=VsJA4s7AGsU ).

يسلم العلماء والدعاة والمثقفون الإسلاميون, من بطش السلطة وملاحقات المستمرة , كما بينت هذه الحادثة ومثيلاتها, وتصاعدت اكثر فأكثر, طيلة السنوات التالية, سياسات القمع والتعذيب والتنكيل بقادة المجتمع ورجالاته, والتي ما فتئت تظهر على العلن, منذ أحداث حماة وحمص ودمشق, لاسيما عام 1966, وقبيل هزيمة حزيران بأشهر, حيث نفذّ الانقلابيون حملات اعتقالات واسعة في كافة المدن السورية, وامتلأت سجونها ومعتقلاتها بالمئات من العلماء والدعاة والمثقفين, من كل المدن السورية, وبينهم عدد من قادة الإخوان المسلمين, وقد وثق عدنان سعد الدين في مذكراته الكثير من هذه الأسماء.

كان واضحا للعيان أن الأوضاع تسير في طريق التفاقم, وان الحكام الجدد جاؤوا إلى السلطة, محملين بعقلية محددة, ومنهجية راسخة, تتمثل فيما اسموه ب”العنف الثوري”, الذي ترجمته سياسة القمع والاعتقالات والتعذيب والإعدامات, وسياسة التأجيج الطائفي الذي مازالت أبعاده تُفتضح أكثر فأكثر على لسان مسؤولي حزب البعث وقادته, وكانت كل الدلائل والمؤشرات تؤكد بما لا يدع مجالا للشك بأن هذه السياسة في تصاعد مستمر ولا شيء سيحول دونها على المدى البعيد, بحسب قناعة السلطة, التي فرضت سطوتها وهيمنتها من خلال سياسة الأمر الواقع, القائم على القمع والإرهاب, في ظل تراجع النشاطات السياسية والحزبية, وتراجعها التدريجي, لتتلاشى تقريبا مع أوائل السبعينات, في ظل غياب تما من السلطة ومن المعارضة لأية بادرة للإصلاح السياسي, أو العمل على تلافي مظاهر التوتر والاحتقان المتزايدة, الذي سيبلغ مديات خطيرة في سنوات السبعينات كما سنرى لاحقا.

التعدي على الأوقاف والإفتاء:

كما كانت الهيمنة على الأوقاف ومصادرة مواردها هدفا دائما وسياسة مستمرة لسلطات الانتداب الفرنسي, والحكومات المتعاقبة بعد الاستقلال, تهدف إلى تجفيف موارد المؤسسات الإسلامية والحد من استقلاليتها, وتأثيرها في المجال العام, وخاصة في الأوساط الاجتماعية والتعليم الإسلامي وخدمة بيوت الله, وقد استأنفت سلطة البعث العمل بهذه السياسة, وسعت إلى تأميم الأوقاف, وبناء مؤسسة دينية مشيخية تابعة للسلطة وتأتمر بأوامرها وتنفذ سياساتها, وتكون احد ركائز حلفها السياسي, الذي سيشمل من الآن فصاعدا معظم الأحزاب والتيارات القومية واليسارية, بالإضافة إلى فئات التجار الصاعدين في مرحلة البعث والمنتفعين منها.

ومن هنا فقد باشرت سلطات الحكام الجدد بالاستحواذ على أموال الوقاف وممتلكاتها, بما في ذلك مخصصات الإنفاق على بناء المساجد وترميمها، وعلى الموظفين والعاملين فيها من أئمة وخطباء ومؤذنين وخدم, والإنفاق كذلك على المعاهد والسكن الداخلي الذي توفره بعض المساجد, كما هو معروف في الكثير من مساجد دمشق وتكاياها التاريخية, وضمها إلى الموازنة العامة، وبيع أملاكها بأسعار زهيدة, لتصبح نهبة لذوي النفوذ والسطوة من ضباط السلطة والمقربين منها.

المدارس والمعاهد الشرعية، دخلت في صلب أهداف الحكام الجدد, فعملوا على إغلاق العديد منها, والتضييق على بعضها الآخر, كما رأينا في مثال معاهد الشيخ حسن حبنكة, وإدخال ما تبقى تحت هيمنة السلطة ونفوذها.

 ومن المعروف أن المعاهد والمدارس الإسلامية, تعتبر أحد ركائز النهضة الإسلامية ووسائل الإصلاح والتجديد, وثمرة جهود كبيرة, بذلها عدد من رواد النهضة, منذ أواخر العهد العثماني, وكانت الجمعية الغراء التي أنشأها الشيخ علي الدقر عام 1924, أولى ثمراتها, واعتبرت الأساس الذي قامت عليه نهضة الجمعيات الإسلامية في ثلاثينات القرن الماضي, والتي لم تكتف بنشر الوعي الإسلامي وتجديد المفاهيم الدينية, بل كانت تقود الاحتجاجات والتظاهرات ومقاومة الاحتلال الفرنسي, كما ورد في الكتابات والمذكرات التي أرخت لتلك الفترة.

وعلى اية حال فإن حملات السلطة في التنكيل بمدرسي التربية الإسلامية والأساتذة الإسلاميين, لم تتوقف, فقد كانوا يمتنعون عن توظيف الخريجين منهم, رغم الحاجة الماسة إليهم, كما كثرت أعداد المنقولين منهم والمبعدين إلى الأماكن النائية, وبعضهم كانوا يُنقلون إلى المعامل والشركات التي لا علاقة لها باختصاصهم, بل إن الحكام الجدد تعمدوا نقل بعض مدرسي التربية الإسلامية إلى معامل البيرة والخمور, إمعانا في إذلالهم والحط من شأنهم, وشأن مادة التربية الإسلامية, بل وشأن الدين بصورة عامة.

الشيخ أحمد كفتارو:

المساعي الحثيثة للسلطة في الهيمنة على الاتجاه الإسلامي, وتجفيف منابعه, إثارة الفتنة بين العلماء والتدخل في شؤونهم, لم تقف عند حد, وكان احد أهدافها تشكيل حاشية متحالفة معها من المشايخ الطامعين بحظوة السلطة, والقرب منها, وقد نجحوا في مساعيهم تلك, حين تمكنوا بقوة السلطة ونفوذها من التحكم بمنصب مفتي الجمهورية, فكانت البداية بإقالة الشيخ الدكتور أبي اليسر عابدين, الذي كان من أبرز علماء دمشق, وسليل عائلة معروفة بالعلم والعمل والتقوى.

كان الشيخ أبو اليسر معروفا بعلمه واستقامته ومكانته, ويحظى باحترام كافة العلماء وتقديرهم, لكن الحكام الجدد أقالوه, وأحلوا محله الشيخ أحمد كفتارو, وقد بدا هذا الإجراء ولوقت طويل مستهجنا وغير مقبول, وأثار الفتنة والانقسام في صف العلماء والمشايخ.

في فترة لاحقة, كررت السلطة سياستها تلك مرة أخرى, حين دفعت بالشيخ كفتارو للمنافسة على الإفتاء وصدارة هيئة العلماء بدمشق, والتي كان جل علماء دمشق ومشايخها, قد قدموا لها الشيخ حسن حبنكة, لما كان يحظى به الشيخ حسن من ثقة واحترام, ومكانة تاريخية مرموقة بين أهل الشام, منذ أيام الفرنسيين, وخاصة حي الميدان. وبدا واضحا أن الشيخ أحمد كفتارو لم يكن ليحظى بمنصب الإفتاء, هذه المرة, لولا دعم السلطة, وتدخلها السافر.

وبطبيعة الحال فقد شكلت هذه المواقف والمنعطفات, مقدمة لتحالف طويل الأمد بين الشيخ أحمد كفتارو ومجموعة المشايخ الذين ساروا على ذات النهج, وبين السلطة, منذ انقلاب البعث وطيلة الفترات اللاحقة, وقد استمر كفتارو في منصبه طيلة أيام حافظ أسد, ثم بقي وفيا لابنه بشار حتى وفاته.

يجدر أن نشير هنا إلى أنه سبق وكان للشيخ أحمد كفتارو مواقف مماثلة مبكرة, تعود إلى الانتخابات التكميلية للبرلمان السوري عام 1957, أوردها الاستاذ أكرم الحوراني في مذكراته, وكان طرفا فيها, إذ عقدا صفقة, يتعهد بموجبها الشيخ أحمد كفتارو بتأييد رياض المالكي في مواجهة الدكتور مصطفى السباعي مرشح الإخوان المسلمين في حينها, مقابل دعمه للوصول إلى منصب “مفتي الجمهورية السورية”, وقد نقل الاستاذ عدنان سعد الدين عن الحوراني ما نصه: “كان الشيخ كفتارو يطمح إلى مركز الإفتاء, وكان يأمل أن يصل إلى هذا المركز, قمت بزيارته, وبحثنا معه الوضع الانتخابي بدمشق, وضرورة تأييد المالكي ضد مرشح الإخوان المسلمين, فأبدى استعداده للمساهمة في المعركة, لأنه لم يكن على وفاق مع الإخوان, وقد برّ الشيخ كفتارو بوعده”. سعد الدين جزء1 ص 125 –  الحوراني ج3.

ملاحظات أخيرة:

ثمة ملاحظات لافتة, حول موقف السلطة من الإسلام والاتجاه الإسلامي عامة, ينبغي التوقف ومراجعتها بحيادية وموضوعية, لعلها تلقي الضوء على بعض النقاط الإشكالية فيما يتعلق بالإسلاميين, منها على سبيل المثال: علاقتهم بالسلطة, ومنها أيضا إشكالية توظيف الدين في السياسة, وأخيرا طبيعة التحالف المشيخي مع السلطة, وانعكاسات ذلك على الأحداث والمنعطفات التي مرت بها سورية في العقود الأخيرة, وخاصة أحداث الثمانينات, وأحداث ثورة 2011.

ففي النقطة الأولى رأينا أن مواقف السلطة وسياساتها تجاه المسألة الإسلامية, اتسمت بالعدائية والخصومة المسبقة, دون مبرر معقول أو مقبول. وانتقل الأمر إلى وسائل الإعلام والثقافة والتعليم, ووصل إلى حد التهجم والانتقاص كما رأينا في حوادث ومناسبات عديدة. وبالمقابل, فإن المسألة الإسلامية, في الواقع, لم تشكل خطرا يُذكر على السلطة, وخاصة من الناحية السياسية, فلم يُعرف عن الإسلاميين, على سبيل المثال, أنهم شاركوا في محاولة انقلابية أو تبنوها, أو شكلوا قوة سياسية تنافس على السلطة, أو تسعى للهيمنة على البرلمان, وما كان يدور من نقاشات وحوارات وسجالات, كان يتركز في الغالب حول مكانة الإسلام, ودوره في حياة الدولة والمجتمع, وربما تناول أحيانا مسائل تشريعية وتربوية وأخلاقية. ولهذا فقد كان العلماء والسياسيون والمثقفون الإسلاميون, يأخذون الموقف الدفاعي بصورة عامة, وخاصة في ضوء السياسات التي انتهجها الحكام الجدد.

ومن هنا, فإن فمن المتعذر فهم مواقف السلطة تلك, في ضوء التحليل الموضوعي, إلا بكونها تحمل نفسا وروحا عدائية مسبقة, للإسلام نفسه, لأسباب ودوافع ليس هنا محل نقاشها, وتتخذ من تلك المواقف المستفزة والمثيرة, وسيلة لتصفية الآخرين والتنكيل بهم, وفرض سلطة الأمر الواقع بالقمع والعنف الدموي.

وفي ضوء ما ذكرنا, فإن السلطة هي التي سعت إلى توظيف الدين في السياسة, وجرِّ المسألة الإسلامية إلى حيز التنافس السياسي, بمحاولاتها الحثيثة لاصطناع فئات من المشايخ والشخصيات المحسوبة على الإسلام, واستخدامها كواجهة لتدعيم سياساتها التي سلف ذكرها, ناهيك عن إحداث شرخ وفتنة في صفوف العلماء والإسلاميين عامة. ورأينا في إشكالية الشيخ أحمد كفتارو مثالا واضحا على هذا التوظيف. ولعلنا نشير في هذا السياق, إلى أن مؤسسة العلماء أو الفقهاء, عُرف عنها تاريخيا أنها تقف على الجانب الآخر من السلطة, وتتخذ منها موقف الحذر, إلى درجة الخصومة والتباعد في أكثر الأحيان, والشواهد التاريخية, متضافرة على ذلك, وقد عقد الدكتور فاروق عمر فوزي, أستاذ التاريخ الإسلامي, فصلا خاصا بهذا الموضوع, في كتابه “الإدارة الإسلامية في الدولة العباسية”, وربما نعود إلى هذه النقطة بتفصيل أكثر في مباحث أخرى.

ولعلنا نشير أخيرا إلى أن من الضروري إلقاء المزيد من الضوء على التحالف المشيخي مع السلطة في ضوء النقطتين السابقتين, لجهة تفكيك وتحليل إشكالية التعميم تجاه مواقف العلماء, تجاه القضايا الكبرى من قبيل ما يحدث في سورية على سبيل المثال وما يما يماثله مما يحدث في بلدان أخرى, وحاصل القول في هذه النقطة, التي تحتاج بالتأكيد غلى الكثير من التفصيلات, أن من الجور بمكان تعميم صورة  التحالف المشيخي مع السلطة, والذي رأيناه في سورية, على عامة العلماء, وأن الموقف الفصل في هذه المسألة لا يعتمد على المواقف السياسية وحسب, وإنما على المواقف الجذرية للسلطة تجاه الإسلام بصورة عامة, من جهة, وعلى موقف العلماء, ومنهجهم وأسلوبهم في نشر الدين, وتعاليمه وأخلاقياته بصرف النظر عن مسألة السلطة والسياسة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

عيد جيش “أبو شحاطة”

معاذ عبدالرحمن الدرويش كاتب و مدون سوري يقول أحد العساكر كنت أخدم سائقا …