أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / دور اليهود في إطلاق الحملة الصليبيَّة على المشرق الإسلامي 3 من 3

دور اليهود في إطلاق الحملة الصليبيَّة على المشرق الإسلامي 3 من 3

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

نتيجة تُستخلص من الدراسة بشأن وعدي الأولى والآخرة

هناك تشابه كبير بين دخول المسلمين ودخول بني إسرائيل الأرض المقدَّسة. فقد بدأ سعي المسلمين إلى فتح القدس في زمن رسولنا الكريم، وكانت غزوة مؤتة عام 9 هجريًّا أولى الغزوات إلى الشام، وأكمل المسيرة أول الخلفاء، أبو بكر الصدِّيق (رضي الله عنه وأرضاه)، الذي أرسل عام 13 هجريًّا حملة بقيادة أبي عبيدة بن الجرَّاح وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة، وتقدَّم المسلمون واستولوا على مساحات من أراضي الشام. بيد أنَّ الفتح المبين كان في عهد عمر بن الخطاب عام 15 هجريًّا، حينما أعلن أطربون الروم الاستسلام وطلب تسليم مفاتيح القدس لخليفة المسلمين. وإذا ما راجعنا تاريخ دخول بني إسرائيل إلى الأرض المقدَّسة لوجدنا أنَّهم دخولها كذلك في ثلاث مراحل: الأولى مع رسول الله موسى، لكنَّهم تقاعسوا وقالوا “يَا موسى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ” (سورة المائدة: آية 24)، فجاء ردُّ الله “قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ” (سورة المائدة: آية 26). وكانت المرحلة الثانية مع نبي الله يوشع بن نون، وقد دخلوا بالفعل إلى الأرض المقدَّسة في القرن الثالث عشر قبل الميلاد؛ وجاءت المرحلة الثالثة في القرن الحادي عشر قبل الميلاد مع بني الله داود وطالوت، الذي بدأ عصر الملوك في تاريخ بني إسرائيل. 

دخل بنو إسرائيل الأرض المقدَّسة مع يوشع بن نون بوصفهم أمَّة مؤمنة وموحِّدة بربِّها، ثم دخلت على هذا الحال مع داود إلى القدس. بيد أنَّها سرعان ما حادت عن الشريعة السماوية بإدخال طقوس عبادة الشيطان، المتجسِّد في قرص الشمس؛ فصبَّ عليها ربُّها سوط عذاب على يد الوثنيين البابليين أولي البأس الشديد، لن نقول وفق وصف القرآن الكريم، إنَّما وفق وصف سفر حزقيال. دمَّر البابليُّون أورشليم ومرتفعاتها ومعابدها المقامة فوق الجبال في مظهر سافر للعلو، بعبادة الربِّ في طقوس هي لعبادة الشيطان. لمَّا رجع بنو إسرائيل إلى أنفسهم وتابوا، بشَّرهم الربُّ على لسان دانيال بالعودة، ولكن مع إنذار جديد بالعذاب وبخراب مدينتهم، وهذا ما حدث مطلع القرن الأول الميلادي على يد الوثنيين الرومان هذه المرَّة. استعاد بنو إسرائيل سطوتهم بظهور أبطال من بنيهم، مثل يهوذا المكابي ومن قبله أبيه متتيا، كما جمعوا الأموال، وصارت لهم جاليات في بلدان العالم بعد الشتات فصاروا أكثر نفيرًا. ردَّ الله تعالى الكرَّة لبني إسرائيل على الوثنيين بأن أوقعوا ببعض في شرك اعتناق اليهوديَّة وامتنعوا عن اتِّباع ملَّة الوثنيين هذه المرة، وقد روى سفر المكابيين الأول كيفية قيام ثورة بقيادة رؤساء سبط يهوذا لرفض تقديم القرابين للأوثان. وكان هيرودس، حاكم يهودا الوثني، ممن دخلوا اليهوديَّة، فجدد هيكل اليهود الثاني-المبني بعد العودة من بابل-وجعله تحفة معمارية وأمدَّه بأفخم المكوِّنات؛ ومن المؤكَّد أنَّ المواصفات التي جاءت في سفر الملوك الأول عن بيت الربِّ الشبيه بمعابد آلهة الشمس تنطبق عليه بالكليَّة. استحق بنو إسرائيل العقاب، ليس بسبب الكفر هذه المرَّة، إنما بسبب الرياء، وهذا هو وصف المسيح لهم في إنجيل متَّى (إصحاح 23). دخل الرومان المسجد/هيكل سليمان، كما دخله العباد أولي البأس أوَّل مرَّة: مدمِّرين وقاتلين. فانتهت دولة بني إسرائيل، وتشتَّتوا من جديد، اتَّجهوا إلى يثرب في انتظار المخلِّص الجديد، بني آخر الزمان الذي أخبرت عنه كتبهم الأصليَّة، والذي طمست عليه نبوءة دانيال بادِّعاء أنَّ المسيح يختم النبوَّة.

نأتي هنا إلى استعداد اليهود لاستقبال نبي آخر الزمان، الفارقليط الذي أخبر عنه إنجيل يوحنَّا:

1-كان يهود يثرب مكونين من ثلاثة قبائل، هي بنو قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع.

2-كان هؤلاء يتحكمون في التجارة في يثرب، وفي تجارة الجزيرة العربية بأكملها بصورة غير مباشرة.

3-دأبوا على إشعال النزاعات بين الأوس والخزرج من خلال بيع السلاح؛ وذلك لإلهاء العرب عنهم والحفاظ على كيانهم الشخصي (في تطابُق تام لما يفعله اليهود اليوم بين حركتي فَتَحَ وحماس).

4-كان اليهود يتوعدون العرب بأن يقتِّلونهم تقتيل عادٍ وثمود بعد ظهور نبي آخر الزمان، الذي “يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل”، والذي كان قد أظلَّهم زمانه، وكانوا يهددونهم بأنَّه يستولي على أموالهم ويستأصل شأفتهم-تمامًا مثلما يدَّعى الشيعة عن مهديهم واليهود عن ماشيحهم، أو لتقل كما يزعم الطرفان عن الدجَّاللكنهم كفروا برسولنا الكريم () لمَّا حكم بما أنزل الله ولم يتَّبع أهواءهم، وهذا ما تلخِّصه الآية 89 من سورة البقرة “وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ”.

بعد تحريف بني إسرائيل الشريعة السماوية ودمج كلام الله بعقائد الأمم الوثنية ومردوا على النفاق، حلُّوا محل البابليين والرومان في عملية السعي إلى الاستيلاء على القدس وانتزاعها من الأمَّة المؤمنة. وكانت الحملات الصليبيَّة أواخر القرن الحادي عشر الميلادي دورة الإفساد الأولى لهم باعتبارهم أمَّة كافرة هذه المرَّة، وقد أوضحت النقطة السابقة كيف جاس المسلمون خلال ديار حلب وحماة وحمص والرها، وصولًا إلى أنطاكية وطرابلس والقدس الشريف.

بعد ذلك، عادت الكرَّة لبني إسرائيل على الأمَّة المؤمنة، وأصبحوا يمتلكون أكثر من ثلثي ثروة العالم الماديَّة، وتكفي سيطرتهم على المنظومة المصرفيَّة العالمية-بما في ذلك البنك الدولي التابع للأمم المتَّحدة-لتأمين إخضاعهم الشعوب بتحكُّمهم في أموالهم. أمَّا بالنسبة إلى البنين، فما تخبرنا به الوقائع المثبتة أنَّ المقصود بهؤلاء-والله أعلى وأعلم-أصحاب السلطة والمناصب العليا من اليهود الذين اتَّخذوا من التستُّر برداء الإسلام وسيلة لتنفيذ أهدافهم، عملًا بتعاليم التلمود الذي يأمرهم باعتناق ديانات الأمم الأخرى وتزويج بناتهم الجميلات للحُكَّام كي يلدوا لهم بنين يتقلَّدوا السلطة، أسوةً بأستير، التي أعادت بني إسرائيل من السبي البابلي مكرَّمين إلى أورشليم بفضل زواجها من أحشويروش، ملك الفُرس. لن نشير إلى نماذج أستير في قصور الحكَّام المسلمين، وتكفي الإشارة إلى زواج السلطان العثماني سليمان القانوني من اليهوديَّة روسيَّة الأصل روكسلانا-التي اتخذت اسم هُرَّم، واشتهرت في العالم العربي باسم السلطان هويام بعد استعراض سيرتها في مسلسل بعنوان Muhteşem Yüzyıl، أي القرن العظيم، وقد عُرض باسم حريم السلطان! – حيث مهَّدت لسيطرة اليهود على مقاليد حُكم الدولة بالتدريج وأشعلت الفتنة بين سليمان القانوني وولي عهده القوي بمعاونة ملك الفرس حتى قتله، فحكم ابنها سليم الثاني، ومن هنا دبَّ الضعف في الدولة العثمانيَّة حتى سقطت على يد يهود الدونمة. ومع ذلك، لا توجد مصادر تاريخية تؤكِّد أصل روكسلانا اليهودي!

بفضل إمساكهم بزمام خزائن المال وتحكُّمهم في المناصب الرفيعة من خلال شبكاتهم الخفيَّة في سائر بلدان العالم، أصبح بنو إسرائيل أكثر نفيرًا من السابق. فطن بنو إسرائيل إلى خطأ كبير ارتكبوه لمَّا شنُّوا الحروب الصليبيَّة، وهو أنَّهم دخلوا بلاد المسلمين وهي تحتفظ بأصول دينها كاملة ولم تتزعزع عقيدتها مطلقًا، برغم ابتعاد المسلمين عن دينهم. اجتهد المستشرقون على مدار قرون طويلة في تصيُّد الأخطاء واستغلال الثغرات والتأويلات في العقيدة الإسلامية، ولعلَّ حملات التشكيك في ثوابت الدين الإسلامي في زمننا هذا نتاج جهد المستشرقين ومعاونيهم من المسلمين، ممن اتَّبعوا ملَّة اليهود والنصارى ونالوا رضاهم، فأسهموا بإغراء المال والمنصب في محاربة الإسلام من داخله وعلى يد أبنائه، أي أنَّ جبهة محاربة الإسلام انضمَّ إليها في دورة الإفساد الثانية نفرٌ من علماء المسلمين، فهل يمكن أن يصير بنو إسرائيل أكثر نفيرًا من ذلك؟

قد يستهجن البعض فكرة تكرار دورتي إفساد بني إسرائيل مرَّتين، مرَّة وهم أمَّة مؤمنة حادت عن الحق، والأخرى وهم أمَّة كافرة تحارب عقيدة الإسلام، اتِّباعًا لعقيدة فاسدة مستمدَّة من العقائد الوثنيَّة. بيد أنَّ مراجعة الآية 8 من سورة الإسراء قد يدلِّل على ذلك “عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا”. برغم أنَّ الله تعالى قد وصف وعده الثاني بوعد الآخرة في الآية السابقة، فهو لا يستبعد أن يعود بنو إسرائيل إلى الإفساد؛ وما يثبت ذلك أكثر قوله تعالى في الآية 167 من سورة الأعراف “وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَن يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ”؛ أي أنَّ سيف العذاب سيظلُّ مسلَّطًا على بني إسرائيل إلى يوم القيامة بسبب إفسادهم. من هنا، لا يمكن الجزم بأنَّ دورتي الإفساد لا يمكن تكرارهما. ولمزيد من الإثبات، تحدَّث الله عن العباد أولي البأس الشديد في الآية 5 من سورة الإسراء باعتبار أنَّهم هم الذين أعيدت الكرَّة لبني إسرائيل عليهم في الآية 6، وأنَّهم هم أنفسهم الذين سيسوؤون وجوه بني إسرائيل ويدخلون المسجد “كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ“؛ كيف يعتبر الله تعالى أنَّ العباد المؤمنين الصالحين الذين يحررون المسجد الأقصى ويطهِّرونه في آخر الزمان هم امتداد للبابليين الوثنيين الذين دخلوا المسجد مدمِّرين وقاتلين، كما يقول أصحاب الرأي الأول في تحديد زمن دورتي إفساد بني إسرائيل؟ وفي الوقت ذاته، كيف يمكن أن نعتبر أنَّ بني إسرائيل هم مصدر الإفساد وتحريف الوحي، بينما هم اتَّبعوا ملَّة الأمم الوثنية ونقلوا من عقائدها باتخاذ عقيدة عبادة آلهة الشمس، كما يرى أصحاب الرأي الثاني بأنَّ دورة الإفساد الأولى انتهت زمن رسولنا مُحمَّد وبدأت الدورة الثانية منذ زمن فتح القدس على يد عمر؟

يجدر التذكير بذلك في هذا السياق إبراز حقيقة انتباه الماسونيَّة العالميَّة إلى خطأ وقع فيه فرسان الهيكل، وهو احتلال بيت المقدس قبل محو الإسلام من الذهنيَّة العربيَّة؛ فحرصت الجماعات السريَّة-التي تدبُّ بجذورها في منطقة البحر الميِّت، وتستمدُّ مفاهيمها الموجِّهة من عقائد طائفة قُمران-على التشكيك في الثوابت الإسلاميَّة، ونشْر الفساد الفكري، والدعوة إلى الانحلال الأخلاقي. ومن الإعجاز الإلهي في تناوُل وعْد الآخرة في سورة الإسراء في الآية 7 “إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ ليسوؤوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا” الإشارة إلى فئة مجهولة الهويَّة على اعتبار أنَّها هيَّأت الأجواء لإفساد بني إسرائيل في قوله تعالى “عَلَوْا“. برغم أنَّ بعض المفسِّرين قد رأوا أنَّ الفئة المقصودة هُنا هي بني إسرائيل، ويُشار إليها بصفة الغائب لأنَّها في هذه المرحلة ستكون قد تدمَّرت وانتهت، فالعودة إلى صفة المخاطَب في الآية التالية “وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا” يعارض هذا التفسير. وأنسب تفسير في هذا السياق هو أنَّ الفئة المشار إليها بقوله “عَلَوْا” هي الجماعات السريَّة، بدءًا من حركة “القوَّة الخفيَّة“-تأسيس جماعة قُمران وأساس الماسونيَّة-ومرورًا بفرسان الهيكل، والصليب الوردي، وجمعيَّة الحكمة الإلهيَّة، ووصولًا إلى الماسونيَّة العالميَّة، والحركة الصهيونيَّة؛ فالفاعل في “عَلَوْا” يعود على ضمير مستتر-أي خفي-تقديره “هم”، وهذا ما يتناسب مع طبيعة حركة “القوَّة الخفيَّة”.

على ذلك، فأنسب تفسير لوعد الأولى والآخرة هو أنَّ المقصود في سورة الإسراء والمعني به المسلمون هما فتح صلاح الدين الأيُّوبي عام 1187 ميلاديًّا-583 هجريًّا، والفتح المتوقَّع عام 2022 ميلاديًّا-1443 هجريًّا. أمَّا بالنسبة إلى الوعدين السابقين للإسلام، فالمسلمون غير معنيين بهم، مصداقًا لقوله تعالى في الآية 134 من سورة البقرة، والمكررة بنصِّها في الآية 141 من نفس السورة، “تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ“.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

ثورة التوابين قراءة تأريخية تحليليةعن ثورة جماعة التوابين 3من 4

د. هاني السباعي مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن. خلاصة خطة والي قرقيسيا …