أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الإيمان الحاسم

الإيمان الحاسم

مجدي شلش

أستاذ أصول الفقه المساعد بجامعة الأزهر الشريف
عرض مقالات الكاتب

الإيمان بالله ليس مجرد إعلان المرء بلسانه أنه مؤمن، فالمنافقون يقولون: آمنا بالله ولم تؤمن قلوبهم، كما أنه ليس مجرد عبادة خالية من الروح، والقلب خراب من الخير والصلاح، وليس مجرد معرفة ذهنية ثقافية، فكثير من الناس يعرفون الله بعقولهم ثم يجحدون ذلك، قال سبحانه: ” …فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ” 33: الأنعام”.

حقيقة الإيمان تقوم على:
أولا: إدراك ذهني عقلي تنكشف به حقائق الوجود، يصل إلى حد القطع واليقين، وطريقه الأول الوحي المعصوم، وهذا الإدراك لا بد وأن يصل إلى حد الجزم واليقين.

ثانيا: إذعان وتصديق قلبي وانقياد وخضوع إرادي يتمثل في الطاعة والاستسلام لحكم من آمن به، والرضا والتسليم بحكمه.

ثالثا: مشاعر وجدانية وأحاسيس ملتهبة تبعث على العمل والجهاد في سبيل الله بمقتضيات ذلك الإيمان، فالإيمان الحق هو الذي يشرق نوره على جوانب النفس كلها، فيأتي إلى العقل فيقنعه، وإلى القلب فيهزه ويحرقه، وإلى الإرادة فيدفعها نحو الخير والصلاح والهدى والتقوى، فإذا اقتنع العقل وتحرك القلب واتجهت الإرادة استجابت الجوارح واندفعت للعمل.

الإيمان بالله ليس قضية هامشية أو فرعية في حياة الإنسان، فيهتم بها أو يهملها، وإنما قضية أساسية ومبدئية في حياة الفرد، إذ يترتب على الإيمان بالله أن يسمى الشخص مؤمنًا، ومن خالف وأنكر يسمى كافرًا، وشتان بين حياة المؤمن والكافر.

الإيمان بالله سبحانه وتعالى يورث الأمن والأمان والطمأنينة والسلام والسكينة ورغد العيش في الدنيا، وأما الكفر فيورث القلق والاضطراب والخوف والفزع في الدنيا، كما يترتب على حقيقة الإيمان أو الكفر السعادة أو الشقاء في الآخرة، فمن آمن بالله حق الإيمان فهو من أهل السعادة والجنة،
وأما من كفر بالله وأنكر وجوده فالشقاء في النار خالدًا مخلدًا فيها.

جاء الإسلام والعرب أمة صغيرة العقل والقلب والحس والمشاعر تجاه ربها وخالقها، فعبدت الأصنام والأوثان، وانحرفت عن فطرتها السليمة بفعل أكابر المجرمين فيها، ولما دب ريح الإيمان في القلوب، وتحركت المشاعر والأبدان نحو الله سبحانه وتعالى إيمانًا به، وتصديقًا لكتابه، انتصرت على أكبر ممالك الدنيا، فحطمت رؤوس الأكاسرة، وكسرت عظام القياصرة، وفتحت المدائن باسم الله تعالى الواحد الأحد.

إنه الإيمان الذي نقل العقول والقلوب والمشاعر نحو العزة والكرامة والتمكين، وهو ذاته الذي انتصر على المرتدين بعد وفاة النبي – صلى الله عليه وسلم – بقيادة أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – وانتصر في عين جالوت على التتار بقيادة سيف الدين قطز، وانتصر على الصليبيين في حطين بقيادة الناصر صلاح الدين، فما دخل الإيمان معركة إلا وحسمها للمؤمنين الموحدين، وإذا خلت المعارك من الإيمان انهزمت الأمة ورجعت إلى سالف عهدها من الصغار والذلة والهوان.

المقصد الأول والأسمى للوحي العظيم هو معرفة الله حق المعرفة، وقد ورد ذكر اسم الله في القرآن الكريم ما يقرب من (2699) مرة، ما بين لفظ “الله – لله – تالله – بالله – أبالله” فحقيقة الألوهية وبيان صفاتها وعظمتها وقدرتها جاء القرآن ببيانها أجلى بيان وأحسن تفسير، فكل المقاصد القرآنية بعد مقصد بيان عظمة الخالق وقدرته مقاصد جزئية.

المؤمن الحق: هو الذي يظهر الإيمان في قسمات وجهه، ونطق لسانه، وقوة حركته، فإذا خرج الإيمان من قلب قاسٍ أو عقل فارغ أو إحساس متبلد فلا يؤثر في الناس شيئًا، فالناس ترى الصدق في عين المؤمن قبل كلامه، وترى الحب والحنان في وجهه ولحظه قبل لفظه، فمن لم تسعدك رؤيته لم ينفعك لفظه، ومن لم ينعشك عبيره عن بعد فلا تتكلف في شمه، وقديمًا قالوا: فاقد الشيء لا يعطيه، والإناء إذا امتلأ فاض، أما الإناء الفارغ فلا يمكن أن يفيض منه الماء.

هكذا كان الأنبياء، الناس يرون في وجوههم الإيمان والصدق قبل كلامهم، فهذا الرجل الذي دخل على النبي – صلى الله عليه وسلم – وآمن به بمجرد رؤيته وقال: “إن هذا الوجه ليس بوجه كاذب” فالمؤمن بالله سبحانه وتعالى يحذر كل الحذر أن يخالف قوله فعله، وألا يظهر أثر الإيمان في حياته وحركته، فالناس ترى الأفعال قبل الأقوال، جاء عن الحسن البصري – رضي الله عنه – أن رؤية وجهه يتصبر بها العباد سبعة أيام، وجاء رجل يسأل عنه، فقيل له: إذا رأيت رجلًا في المدينة لا يشبهه أحد من الناس فهو الحسن البصري.

أساس الإيمان يتكون من :
أولا: هداية الفطرة: فالفطرة التي فطر الله الناس عليها بمقتضاها يتحصل للإنسان علوما ضرورية، وهذا ما أجاب به سيدنا موسى عليه السلام لما سأله فرعون عن ربه، قال تعالى: ” قال فمن ربكما يا موسى قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ” طه: 49ـ50″ فالله سبحانه خلق خلقه وغرز فيه نوع من الهداية تحصل بها بعض المعارف الضرورية التي يحتاجها المخلوق في أمر أكله وشرابه وصون حياته، قال تعالى: ” الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى” الأعلى: 2ـ3 ” وهذا ما يسمى إيمان الفطرة، قال تعالى : ” فطرة الله التي فطر الناس عليها…” الروم: 30″

لكن هذه الهداية وحدها لا تكفي في تحقيق قضية الإيمان بالله سبحانه وتعالى، إذ هي شاملة للإنسان والحيوان وكافة المخلوقات، والمكلف بالإيمان الإنس والجن فقط، كما أن هذه الهداية وإن ثبتت للإنسان فهي قابلة للتغيير كما قال أسعد الخلق صلى الله عليه وسلم: ” كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه”.

ثانيا: مع هداية الفطرة الناقصة تأتي هداية الحواس، من اسمع وبصر وشم وذوق ولمس، فهي أدوات للمعرفة، قال تعالى: ” والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون” النحل: 78″ فلكل حاسة من هذه الحواس وظيفة تقوم بها لتحصيل العلم والمعرفة بالأشياء، لكن هذا النوع من الهداية وإن أكانت أهميته كبيرة إلا إنه ليس كافيا للوصول إلى حقيقة الإيمان بجميع أركانه ومفرداته.

ثالثا: تأتي بعد ذلك هداية العقل: وهي من نعم الله الكبرى على الإنسان، إذ به يتميز الإنسان عن غيره من المخلوقات، فحقيقة الإنسان أنه كائن مفكر، وكثيرة هي الآيات التي خاطبت العقل، وحثته على النظر والفكر والتذكر والتعقل، حتى يصل بهذه الملكة الى حقائق الأشياء وكنهها وسر خلقها ومدى عظمة خالقها، لكنها أيضا بنفسها لا تستطيع الوصول إلى حقيقة الإيمان التامة الكاملة، ومعرفة مطلوب الله سبحانه وتعالى من خلق الإنسان وبيان سر ومقصد وجوده.

رابعا: لذا جاءت هداية الوحي: المصدر الأساس في معرفة حقيقة الإيمان، والوصول إلى مراد الله من الخلق والتكليف، صحيح الهدايات السابقة لها أثرها في معرفة بعض الأشياء، إلا أن هذه المعرفة أمام هداية الوحي محدودة، ومن هنا تظهر مهمة الرسل وسبب إرسالهم للناس، قال تعالى: ” قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي…” سبأ: 50″ وقال سبحانه: ” وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم” الشورى: 52″.

هداية الوحي عرضت قضية الإيمان عرضا واضحا جليا مفصلا لا لبس فيه ولا غموض، فالوحي هو المصدر الأول لتلقي العقيدة الصحيحة السليمة البعيدة عن أي شبهة أو انحراف، وهذه الهداية الكبرى لا شك تحتاج إلى عقلٍ واعٍ، وحواس ناصعة، وفطرة سليمة حتى تؤتي أكلها وتظهر ثمرتها.

هذا الإيمان هو المصدر الأول للنصر على الشبهات التي تعكر صفوه، والشهوات التي تميته، ميدان النصر الأول لقضية الإيمان هو النفس البشرية، ثم يأتي النصر في ميدان التحرير الأوطان من سلطان، أمتنا لم تنهزم ومعها الله التي تخضع لأحكامه، وتصون حرماته، وتعلي ذكره، وتحكم شرعه.

الأمة موعودة بالنصر والتمكين بعد إتمام عقد الإيمان، والعمل بمتطلباته، وفي مقدمتها الأخذ بالأسباب، فحقيقة الإيمان جهاد لا هوادة فيه، وثبات لا تراجع معه، وكفاح بلا كلل، وحركة بلا كسل، وسعي بلا خلل أو ملل.

الإيمان هو الروح الذي تسري في كيان الأمة، فيحييها بعد موات، ويعزها بعد ذله وهوان، الإيمان هو فصيلة دم النصر والرفعة والكرامة والصمود والعزة، إيمان باعث على الفكر والعمل، والنهوض والأمل، والتقدم والنظر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

قضية للنقاش

د. محمد عياش الكبيسي أكاديمي عراقي يستند (الإسلام السياسي) إلى مقولات ينبغي أن …