أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / صحّح أشواقك

صحّح أشواقك

بشير بن حسن

مفكر إسلامي.
عرض مقالات الكاتب

على إثر حادثة إفراغ المسجد الحرام من المصلين والطائفين هذا الأسبوع ، بدعوى التعقيم ضد فيروس كورونا الذي لا يزال يحصد أرواح المئات من البشر ، لاحظت تعاطفا واسعا و تأسفا كبيرا في صفوف المسلمين، إلى حدّ أن بعضهم أجهش بالبكاء!!
وقد أتفهم هذه العاطفة الدينية ، فإن بيت الله الحرام ، قبلتنا ومهوى أفئدتنا ، كما يعبر بذلك ، وإن كان ابراهيم عليه السلام قد دعا فقال ( فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ  ) والمقصودون في هذه الآية هم هاجر وإسماعيل عليهما السلام ، و تشوق المسلم لزيارة بيت الله أمر محمود ، غير أنه يجب الحذر من عدم الوقوع في لوثة الوثنية ، لأن الكعبة المشرفة لا تعدو أن تكون حجارة لا تنفع ولا تضر، و لا تُفيض على زائرها ولا الطائف بها ولا المتمسح بجدرانها أو كسوتها البركات والنفحات!! فإن من اعتقد ذلك فقد شاب نُسكَه لوثة الوثنية التي قامت أساسا على تعظيم الأحجار من دون العزيز الجبار ، ولهذا أمر الله تبارك وتعالى بعبادته لا بعبادة بيته وبينهما فرق فقال (  فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (4) ) !!
ولولا أن الله عز وجل أضاف هذا البناء الى نفسه إضافة التشريف والتكريم كما قال ( أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ ) ما كان ليحظى بهذه المكانة، وإنما المقصود في الحقيقة هو الرمزية فقط وليست الحجارة !! و هي رمزية الإذعان لله و الإسلام له ، وافراده بالعبادة دون سواه ، وعند ذلك تتحقق البركة والخير ، فلا بد من تصحيح هذه المفاهيم المغلوطة، ولذا لا نعجب حينما نرى تصرفات وسلوكيات لا علاقة لها بالاسلام والتوحيد من قبل كثير من الحجاج والمعتمرين ، عند الكعبة و ما حولها ، من التمسّح و التبرك والحركات الشّركية التي ما انزل الله بها من سلطان , وقد عرف الفاروق رضي الله عنه المقصد من تقبيل الحجر الأسود فقال ( والله إني لأعلم انك حجر لا تضر ولا تنفع ولو لا اني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبّلك ما قبّلتك ) رواه البخاري ومسلم، وتقبيل النبي صلى الله عليه وسلم للحجر الأسود تعظيما لله لا تعظيما للحجر على أنه حجر ليس كالحجارة إذ قد صحت الأحاديث أنه من الجنة وصدق الله ورسوله
كما أنه يجب التنبيه على أمور أخرى تتعلق بقدسيةذلك المكان ، منها أنه يجب شرعا أن يكون أكثر بقاع الأرض رحمة ببني آدم وتكريما له ، كما أراد الله ذلك فقال ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ ..) وقال ( وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا ) أي أمنوه، ولذا كان العرب يتحصنون بالبيت الحرام، في الجاهلية، حتى أن ابن القاتل يرى قاتل ابيه يطوف بالكعبة فلا يهيجه حتى يخرج من مكة !!
ولقد كنت فيما سبق ، أتأثر وأتشوق لتلك البقعة إلى حد البكاء ، فإذا ما وصلت إليها لا أملك نفسي ، كما هو شأن الكثيرين، دون أن أكون واعيا بما يدور حول ذلك المكان الطاهر من فظاعات و ظلم تنوء الجبال بحمله ، يمارس على الفئات الكادحة ، والطبقة العاملة، والأجانب عن تلك الديار، رغم أنهم مسلمون مؤمنون، ناهيك عن الاوساخ والقذارات التي لا تبعد الا عدة أمتار عن الحرم ، فضلا عن البيوت القزديرية و المساكن التي تكاد تسقط على رؤوس أصحابها لا تتوفر فيها أدنى مرافق الحياة كالماء الصالح للشرب !!
لقد كنت على التدين العاطفي الذي يُخدع أصحابه بكل ذلك البهرج الذي في المسجد الحرام والمسجد النبوي ، من الثريات والرخام اللامع والسجاد الوثير وغيرها من مظاهر الترف ، ووالله لبطون جوعى المسلمين أولى، ورضي الله عن عمر بن الخطاب لما قيل له اكس الكعبة بكسوة من حرير فقال : بطون المسلمين أولى أن تشبع من كسوة الكعبة !!
هذا الاسلام الذي كان عليه السلف يا سلفيون، اسلام الإنسانية وتكريم بني آدم واحترام حرمات المسلمين، فلحرمة المسلم أعظم عند الله من حرمة البيت الحرام لو كنتم تعقلون، ولذا ها أنا أعلنها مدوية، لا شوق لي لذلك البهرج ولا لتلك المظاهر التي تخدع الرعاع والدهماء، فلا رخام إيطاليا الذي يغطي جدران الحرمين الشريفين يشدني ، ولا الثريات المستوردة من المانيا يجذبني، ولا حتى اصوات الممثلين من كهنة آل سعود بالقرآن تؤثر في، ولا تلك الأبراج الأمريكية تهزني، حتى يقوم العدل في تلك الربوع، ويكرّم الإنسان ولا يهان، ويخرج العلماء والمصلحون من سجون الطغاة، ويعلو صوت الحق، ويخمد صوت الباطل.

كما أعلم جيدا ان السلفيين ومن لفّ لفّهم سيقولون كلامك هذا يا بشير له خلفية سياسية وانت حاقد على بلد التوحيد كما ينعتونها، وأقول لهم ابقوا في عمى قلوبكم.

( فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ) .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

جامعة العَرَب امرأة زوجها هَرَب

مصطفى منيغ سفير السلام العالمي مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي في سيدني-استراليا عرض مقالات …