أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / أيّ “إسلام” تريده أمريكا للمنطقة؟

أيّ “إسلام” تريده أمريكا للمنطقة؟

ياسر الحسيني

كاتب وإعلامي سوري
عرض مقالات الكاتب

هناك ما قد يتوافق عليه معظم المفكرين والمحللين السياسيين، وهو أنّ بريطانيا لم تتخلّ عن دورها في رسم خارطة العالم، حتى وإن بدت منكفئة بعض الشيء تاركة الصدارة للولايات المتحدة الأمريكية، إلّا أنّ هذا الإنكفاء ظاهريّاً أكثر منه عملياً في حقيقة الأمر، والتعاون بين الدولتين لم ينقطع منذ بروز الولايات المتحدة كدولة عظمى مطلع القرن العشرين وحتى اليوم.

فمنذ نهاية القرن التاسع عشر وقبل الحرب العالمية الأولى كانت بريطانيا تنظر إلى الثورة الصناعية في أوروبا، على أنّها مقدّمة لتحولات سياسية كبرى بسبب نشوء مدارس فكرية جديدة وتراجع أخرى، وهذا ما سيؤدي إلى صراع بين الأيديولوجيات المتناقضة سيقود في النهاية إلى الحرب.

فالمدارس الفكرية التي كانت سائدة في ذلك الوقت يمكن وضعها ضمن مجموعتين، الأولى تضم  الوطنية المحافظة والملكية والليبرالية، أما الثانية فتضم الإشتراكية والشيوعية، ولكن الحرب العالمية الأولى أنتجت مدارس فكرية جديدة دخلت إلى مسرح الصراعات السياسية  تنافس المدارس التقليدية، فظهرت الفاشيّة والديمقراطية كقوّتين تنافسان الشيوعية الصاعدة بعد تراجع الإشتراكية قليلاً وضمور الملكية، فانصبّ اهتمام البريطانيون على مناهضة الفاشيّة التي استلمت زمام السلطة في كلّ من ألمانيا وإيطاليا من جهة، ومحاربة الشيوعية التي وطّدت نفسها في روسيا بعد الإطاحة بالقيصر وإعدام كل أفراد عائلته.

في الفترة ( مابين الحربين العالميتين) عملت بريطانيا على دعم القومية المحافظة لمجابهة الشيوعية الأممية في دول شرق أوروبا وشرق آسيا، كما عززت لديها الليبرالية المحافظة والإشتراكية المحافظة في غرب أوروبا، أما في العالم العربي فكانت القومية والعلمانية لمحاربة الإسلام.

حتى نهاية ثلاثينات القرن العشرين كانت الديمقراطية تجربة جديدة تأخذ مسارها ببطء وثقة في الولايات المتحدة الأمريكية، ولم تكن تسعى إلى فرضها على باقي الأمم، ولكن بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية وتهديد ألمانيا باجتياح أوروبا وصولاً إلى بريطانيا العظمى، اضطرّت كل من أمريكا وبريطانيا للتحالف مع الشيوعية للقضاء على الفاشيّة رغم التناقض الأيديولوجي، وهذا ما يفسّر ظهور الأحزاب الشيوعية في عموم أوروبا في تلك الفترة وعدم التضييق عليها، ولكن ذلك لم يدم طويلاً فبعد انتهاء الحرب،والقضاء على الفاشيّة، ظهر التحالف الجديد ضدّ الشيوعية وباتت العدو رقم واحد في سلّم أولويات السياسة الخارجية لبريطانيا والولايات المتحدة.

انتهى التحالف ضد الشيوعية في عام 1990 مع انفراط عقد الإتحاد السوفييتي، وخروج معظم جمهوريات أوربا الشرقية وانضمامها إلى حلف شمال الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، جرى ذلك بالتزامن مع ثورة الإتصالات والتطور السريع في تكنولوجيا المعلومات الأمر الذي مهّد للترويج لسياسة العولمة التي هي في ظاهرها إقتصادية ولكنّ جوهرها سياسي بحت، هدفها إدارة العالم من خلال الرؤية الغربية بقيادة بريطانيا وأمريكا.

ترافق تعميم العولمة الدعوى بشكل متزايد للإنتقال إلى الديمقراطية، التي لقيت تجاوباً جماهيرياً حتى في أعتى الديكتاتوريات العسكرية في كل من دول أمريكا الجنوبية وشرق آسيا وجنوب غرب أفريقيا، ولم يبق سوى العالم العربي بعيداً عن الديمقراطية، وقد بدا غريباً متخلّفاً يرزح تحت حكم العائلة المستبدّة حتى وإن كان على شكل جمهوريات، ولكنّها لا تختلف عن الممالك والأمارات، فكانت المنطقة العربية هي الوحيدة التي باتت حجر عثرة أمام تقدم العولمة في منطقة من أهم المناطق الإستراتيجية في العالم، حيث تكمن الثروات الباطنية الهائلة وفي مقدّمها النفط والغاز، والتقاء المنافذ البحرية التي تربط قارات العالم.

مع موجة الربيع العربي التي اجتاحت الدول العربية انطلاقاً من تونس، برزت إشكالية “البديل” الذي لن يأتي كما يريد الغرب حتى ولو كان هذا البديل خارجاً من صناديق الإقتراع، فالإسلام السياسي كان هو الوحيد القادر على تسلّم السلطة

لأسباب عديدة، تبدأ من دعم الحكومات السابقة لهذا التوجه منذ احتلال الاتحاد السوفييتي لأفغانستان وتصاعد الحركة الجهادية وتنظيم القاعدة بدعم غربي واضح، وصولاً إلى غزو العراق وإسقاط نظام صدام حسين 2003 ، فكانت التنظيمات الإسلامية تحظى بنوع من حرية النشاط داخل المجتمع أكثر من باقي التيارات السياسية التي كانت في معظمها تنتمي للمدرستين القومية والإشتراكية العلمانية، ولم تستطع تلك الأحزاب أن تطوّر من خطابها السياسي في خضم المتغيرات العميقة التي طرأت على المنطقة.

ما يفسّر خذلان الولايات المتحدة للربيع العربي وتحويله إلى حروب أهلية من جهة، ودعم الثورات المضادة كما حصل في مصر وعودة الحكم العسكري فيها من جهة أخرى، فتراجعت الدعوى للديمقراطية واستبدالها بمحاربة الإرهاب، كلّ ذلك سببه عدم السماح للإسلام السياسي أن يتمدّد في العالم العربي ويسيطر على الحكومات، وهذا ما جعل الساحة السورية هي المقترحة للقضاء على كل التيارات الراديكالية الإسلامية التي تداعت من كل حدب وصوب لتخوض معركة الإلغاء فيما بينها، وبرغبة بريطانية أمريكية جامحة تمّ السماح لإيران بزجّ جماعاتها وميليشياتها في المعركة باعتبارها هي الراعية للإسلام الشيعي يقابلها المملكة العربية السعودية التي تمثل الإسلام السني من خلال خطابها السلفي وبحكم وجود المقدّسات اللإسلامية على أراضيها.

إنّ الغرب عموما لا يفرّق بين إيران والمملكة العربية السعودية، ويرى كليهما وجهين للتطرّف وإن كان لابد من الإسلام في المنطقة فليكن إسلاماً على النمط السائد في أندونيسيا أو تركيا، إسلام قادر على الإنسجام مع الديمقراطية والعولمة كما يرغبون، ولعلّ التجربة التركية لحزب العدالة والتنمية هي الأكثر قبولاً في هذه المرحلة، لأنّها استطاعت أن تقترب من النموذج الأمريكي في تطبيق الديمقراطية الإجتماعية والنهوض بتركيا اقتصادياً في العقدين الأخيرين.

شاهد أيضاً

كورونا بين الإسلاميين والعلمانيين

نعيم مصطفى كاتب وباحث سوري لابد بداية من الإشارة إلى أنني أستهدف العلمانيين  …

2 تعليقان

  1. يحيى الخطيب

    اضاءة جديدة وذات مصداقية، ولكن هل خلت الساحة بالربيع العربي من التوجه الوطني واقتصرت على الاسلام السياسي ’ وما هو تقييم الاسلام السياسي بأوجهه المتعددة من القاعدة الى حزب التحرير الى الاخوان الى…. يتناحرون فيما بينهم كما تم بين داعش والنصرة وجيش الاسلام وفيلق الرحمن و… فأي اسلام سياسي مؤهل

  2. لايمكن بتر التاريخ عما تريده امريكا ومن ورائها اوروبا…فتاريخ اوروبا مع الدولة العثمانية هو الذي يدفع اوروبا وامريكا لمحاربة الاسلام (السياسي)…فنذ مئة عام اسقطت اوروبا النظام السياسي الاسلامي بالقضاء على الدولة العثمانية التي اجتاحت معظم اوروبا الشرقية …وكان القلق سيد الموقف في اوروبا…فكانت المسألة الشرقية التي تعبر عن هذا القلق …لذلك فإن الاوروبيين والامريكان بل وباقي الدول المؤثرة مثل روسيا والصين..كلهم معنيون بعدم ظهور دولة اسلامية تحمل الاسلام لتعيد الى اذهان الاوروبيين المخاطر من الاطاحة بالانظمة السياسية الاوروبية وحكم اوروبا بالاسلام…وهذا الهلع من الاسلام هو الذي دفع ويدفع الاوروبيين والامريكان من اعلان حرب (عالمية) لا هوادة فيها على الاسلام تحت مسمى الارهاب حينا ومباشرة احيانا اخرى بدون مواربة…وما اعلان ترمب قبل ايام اثناء لقائه مع حاكم الهند مودي عنا ببعيد حيث صرح بأن امريكا تتحالف مع الهند في محاربة الاسلام الراديكالي…وامريكا واوروبا بل وروسيا والصين والهند كلها تشن حربا مادية وفكرية مع المسلمين …فليس غريبا ان تحاول امريكا والدول المعادية للاسلام تشويه الاسلام وتغيير احكامه من خلال هذه الحرب المصيرية بالنسبة لهم…فإيجاد (اسلام) ونظم سياسية تكرس النفوذ الاستعماري في دويلات العالم الاسلامي وارد…وتجربة حزب العدالة والتنمية التركي اعجبت الامريكان…لذلك اطلقت امريكا يد اردوغان من اجل الترويج لهكذا نظم سياسية تظهر ان الاسلام الفردي هو المطلوب …وليس الاسلام الذي يطبق لضبط حركة الحياة…
    على كل …الاسلام قادم ولا محالة …ولن يمنعه محاربة امريكا له…ربما تفلح امريكا وحلفاؤها في تأخير ظهور دولة الاسلام ولكن لن تمنع ظهور دولة الاسلام …لذلك على امريكا ان تعترف بهذه الحقيقة وان تكف عن محاربة الاسلام …فالامة الاسلامية امة عملاقة وظهور دولتها سيغير وجه التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.