أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / العلمانيون وثورة الزنج 1 من 7

العلمانيون وثورة الزنج 1 من 7

د. هاني السباعي

مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن.
عرض مقالات الكاتب

تنبيه: هذا المقال كتب عام 1997

تقدمة:

كان لطه حسين السبق في إبراز أحداث النشاز في التاريخ الإسلامي ؛ ففي سنة 1946 نشر مقالة في مجلة (الكاتب المصري)[1] بعنوان (ثورتان) حث فيها طه حسين الأدباء والمثقفين العرب على استلهام ثورة الزنج كما استلهم الأوربيون ثورة (سبارتكوز) بغية الوصول إلى العدالة المنشودة على حد زعمه ومن ثم فقد فتح طه حسين شهية العلمانيين وخاصة الماركسيين والشيوعيين ومن يسمون أنفسهم اليسار الإسلامي!، وأرباب المدرسة الإعتزالية للنيل من الإسلام بحجة البحث والإبداع وإيصال الماضي بالحاضر!

وفي منتصف الخمسينات نشر فيصل السامر ـ شيوعي عراقي ـ كتابه (ثورة الزنج) وفي سنة 1961 نشر اللبناني اليساري أحمد علبي كتابه (ثورة الزنج وقائدها علي بن محمد) .. ثم ألف د. محمد عمارة (معتزلي حالياً وماركسي سابق) كتابه (مسلمون ثوار).. كتب فصلاً مطولاً عن صاحب الزنج وتعاطف معه وحسن صورته وبيض فتنته عكس من سبقه من الكتاب!! فمثلاً: الكاتب أحمد علبي ذكر أن لصاحب الزنج وثورته سلبيات.. أما الدكتور عمارة فلم يثبت هذه السلبيات ـ أقصد الجرائم التي ارتكبها صاحب الزنج في حق الإسلام ـ ثم توالت الكتابات حيث نشر معين بسيسو مسرحيته الشعرية (ثورة الزنج) .. وكتب نور الدين فارس مسرحيته الشعرية (لتنهضوا أيها العبيد) .. ثم عاود أحمد علبي الكتابة عن صاحب الزنج فنشر سنة 1985 كتابه (ثوار وعبيد) .. وفي سنة 1995 صدر كتاب (شخصيات غير قلقة في الإسلام) لهادي العلوي وخصّ صاحب الزنج بفصل كامل وسار على درب من سبقه من يساريين وعلمانيين!!

وبعد.. فكل هذه المؤلفات تدندن حول التمجيد والإشادة بثورة علي بن محمد صاحب الزنج، والإنتصار له حيث كان ـ في نظرهم ـ كان ضحية لمؤامرة تاريخية كبرى!!

أما الكتاب الإسلاميون فلا تكاد تجد كتابة حيثة عن صاحب الزنج وفتنته تعالج هذه القضية من منظور إسلامي بحت؛ لا من وجهة نظر ماركسية أو علمانية أو قومية.. وقد يرجع ذلك إلى أن كتب التاريخ الإسلامي المعتمدة قد حسمت هذه القضية التاريخية بما فيه الكفاية.. بل إن علماء الإسلام على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم قد اتفقوا على تضليل وتفسيق هذه الفتنة التي يطلق عليها العلمانيون (ثورة الزنج)!! ولكن لما دعت الحاجة إلى دحض شبهات المبطلين الطاعنين في الإسلام وعقيدته تحت ستار الدفاع عن صاحب الزنج والتعاطف معه .. قمنا بكتابة هذه المقالة مساهمة منا في وضع لبنة لبناء جبهة تاريخية ترد على شبه المرجفين.. ودعوة الغيورين على تاريخ الإسلام أن يساهموا في الذب عن تاريخ أمتنا التليد حتى يستبين الحق من الباطل.. ويظهر الغث من السمين..

بعد هذه التقدمة أشرع في النقاط التالية:

أولاً: أقوال بعض العلماننيين ومن على شاكلتهم في صاحب الزنج:

يقول أحمد علبي: “أما الدافع الذي حملنا على انتقاء ثورة الزنج بالذات؛ فهو أن هذه الثورة تلقي نوراً كاشفاً على طبيعة العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية خلال القرن الثالث الهجري في الدولة العباسية؛ بالإضافة إلى أنها حلقة لاهبة من الثورات التي اجتاحت بلدان الخلافة في كل قطر من أقطارها، بحيث إن دراستها بعث لتراثنا الثوري، واحياء فكري لنضال العبيد الزنج في سبيل الخبز والحرية”[2]

ويتساءل علبي: “ولكن هل يعتقد القارئ أن الثورة انتهت إلى لا شئ؟ إن كل ثورة مهما أصابت من النجاح الضئيل أو الفشل الذريع، هي وقود لثورة قادمة ومعركة تحريرية تالية.. فالثورة المخفقة تنجح في تبيان أخطاء اخفاقها.. وتقود إلى ثورة أمضى.. وثورة الزنج كانت، على الأرجح، مهمازاً لثورة القرامطة وغيرها من الثورات التي شملت العالم الإسلامي في القرن الرابع الهجري”[3]

ويقول أدونيس: “يتضح مما تقدم أن ثورة الزنج هي من جهة؛ ثورة عبيد على أسياد، وأنها من جهة ثانية؛ وعد بحياة كريمة يملكون فيها ملك أسيادهم، وأنها من جهة ثالثة؛ ذات قيادة من طبيعة نبوية فهة لم يخرج لعرض من أعراض الدنيا كما أعلن وإنما خرج (غضباً لله)، ولما رأى عليه الناس من فساد في الدين… وقد استمرت حركة الزنج أربع عشرة سنة، بين سنة 255هـ وسنة 270هـ السنة التي قتل فيها علي بن محمد، وكانت في أساسها ثورة فقراء مسحوقين على أسياد طغاة ظالمين”[4]

ويقول هادي العلوي: “مهما يكن فصاحب الزنج عربي لا زنجي وقيادته لحركة الزنج تندرج في ظاهرة ملحوظة في تاريخ الحركات الاجتماعية وهي أن المسحوقين غالباً ما يقود ثوراتهم وانتفاضاتهم ناس من خارجهم. ويرجع ذلك إلى عدم توافر الفرص لظهور القيادات بين المسحوقين وتوفرها للفئات والطبقات المالكة للثروة والمصدرة في المجتمع والتي تنعم بإمكانات تأهيل وتوعية تساعد على تشكيل الكفاءات في مناحي الحياة المختلفة”[5]

أما د. محمد عمارة فيقول: “عندما أكتب اليوم عن ثورة الزنج، وقائدها علي بن محمد (270هـ/883م) فإنني أحقق بذلك أمنية تمنيتها منذ ما يزيد على ربع قرن من الزمان. فلقد قرأت يومها صفحات كتبها المرحوم الدكتور طه حسين (1889م ـ 1973م) عن هذه الثورة، قارن بينها وبين ثورة سبارتكوس Spartacus (73 ـ 71 ق.م) لتحرير العبيد من مظالم الدولة الرومانية واستعبادها وتمنى في بحثه ذاك أن تحظى ثورة الزنج بما حظيت به ثورة سبارتكوس، في حقل الأدب والفن عندما استلهمهما عدد من عمالقة هذا الميدان في حضارة الغرب، فقدموا لشعوبهم تراثهم القديم في الثوب الذي يعين هذه الشعوب على تحقيق المزيد من الحرية والتقدم لحاضرها الذي تعيشه ولمستقبلها المأمول. فمنذ ذلك اليوم تمنيت أن أكتب عن ثورة الزنج هذه. وكبرت الأمنية ونمت مع السنوات، وخاصة بعد أن أصبح التراث العربي الإسلامي، وصفحاته المشرقة بالثورة، وبأحلام العدل الإجتماعي، وبإعلاء سلطان العقل كي يطارد الخرافة، هي الميدان الذي وقع عليه أغلب الجهد الذي قدمته وأقدمه في التأليف والتحقيق”[6]

ويقول د. عمارة في موضع آخر: “نعم انتهت ثورة الزنج وطافت الدولة العباسية برأس الثائر الشاعر العالم علي بن محمد في المدن والأمصار والآفاق، ولكن حلم الإنسان العربي المسلم بالعدل لم ينته بنهاية هذه الثورة”[7]

أقول: مما لا شك فيه أن د. محمد عمارة له جهد واضح في الرد على العلمانيين وخاصة في مناظرته لفرج فودة في معرض الكتاب الذي عقد بالقاهرة عام 1992 وكذلك كتابه في الرد على العلمانيين ودحض شبهاتهم، ومناظرته لنصر حامد أبي زيد التي عرضتها قناة الجزيرة الفضائية. وهذا كله جهد يعلمه المتتبع لكتابات د. عمارة ومقالاته في جريدة الشعب المعارضة بمصر.. لكن الحقيقة التي لم ينكرها د. عمارة أنه يسير في أفكاره على منظومة المعتزلة في تقديم العقل على النقل، واهدار سلطة النص القرآني والإستشهاد به وأحاديث الآحاد وحتى المتواترة على سبيل الإستئناس الذي يعضد ويوافق فكرته العقلية.. فالدكتور محمد عمارة رغم أنه ليس علمانياً بالمعنى الاصطلاحي إلا أنه ينطلق من نفس منطلقات العلمانيين في تقديم العقل على النقل.. حيث يعتبر الدكتور عمارة أن العصر الذهبي للحضارة الإسلامية كان في عصر المأمون والمعتصم والواثق: “ولقد كان هؤلاء الخلفاء الثلاثة من أنصار التيار العقلاني في الفكر الإسلامي، إذ كانوا على مذهب المعتزلة؛ أهل العدل والتوحيد.. وفي ظل حكمهم استخدم التيار العقلاني جهاز الدولة في إشاعة مفاهيمه، وتدعيم القسمات التي تميزت بها حضارتنا في عصرها الذهبي”[8]

هكذا اختزل عمارة التاريخ الإسلامي في هؤلاء الخلفاء الثلاثة ناسياً من سبقهم من خلافة راشدة وأمويين أجداد هؤلاء الخلفاء حتى هارون الرشيد خرج من العصر الذهبي طبقاً لتحديد الدكتور عمارة!! أما عصر الإنحطاط والتخلف فيأتي من بعد هؤلاء الثلاثة!! فيتهم د. عمارة الخليفة المتوكل بالتخلف والجمود لأنه نصر أهل السنة وقضى على فتنة خلق القرآن: “وهكذا تحولت الإدارة التي أرادها المعتصم حصناً للحضارة العقلانية، ضد (العامة)، تحولت إلى حصن للفكر المتخلف، انطلقت منه (العامة) وفقهاؤها ليصيبوا ذلك المد الحضاري العقلاني، بالتوقف، فالجمود، فالتخلف، فالتراجع، وذلك بمجرد استيلاء الخليفة المتوكل (232هـ ـ 247هـ) على السلطة بعد موت الخليفة الواثق! .. ولقد رضيت العامة وفقهاؤها من النصوصيين، لقصر نظرها، عن هذا الإنقلاب”[9]

أقول: هكذا يصب د. عمارة في نفس قناة العلمانيين!! ففي نظره أن الخليفة المتوكل استولى على السلطة رغم علمه أن الحقيقة غير ذلك وأنه بويع بيعة صحيحة.. ولا ندري لماذا سكت عن كيفية وصول الخلفاء الثلاثة: المأمون/ المعتصم/الواثق.. إلى الحكم!! ولماذا لم يتكلم عن الملك الوراثي وهل يوافق على ذلك؟! ألأنهم انتصروا لمذهب المعتزلة وسلموا عقولهم لابن أبي دؤاد الذي أثار هذه الفتن.. يغض الطرف عنهم؟!!

والعجيب أن عمارة يشيد بالخليفة المعتصم في قضايا الفكر والحضارة رغم علمه أن الخليفة المتوكل يعتبر من الخلفاء الأدباء فقد كان يمتحن الفقهاء والشعراء ويناقشهم في مسائل شرعية ولغوية عويصة .. عكس الخليفة المعتصم الذي كان مشغولاً دائماً بالجهاد في سبيل الله ولم يكن يعبأ كثيراً بمذهب الإعتزال لولا وسوسة ابن أبي دؤاد له!!

ولكن لماذا تحامل د. عمارة على الخليفة المتوكل وفقهاء الأمة في ذلك الزمان وهم الإمام أحمد بن حنبل وابن راهويه والبخاري ومسلم وأبوزرعة الرازي وأصحاب السنن وغيرهم من العلماء الذين نتشرف بذكر أسمائهم والإنتساب لهم بل إن جل أحاديث الأحكام والعقيدة مأخوذة عنهم ومنهم.. لماذا تحامل عمارة على هؤلاء جميعاً؟! ألأنهم دافعوا عن منهج السلف الصالح وقدموا النص على العقل.. أم لأنهم دحضوا شبهات المعتزلة وأصولهم الخمسة: التوحيد/ العدل/ الوعد/ الوعيد / المنزلة بين المنزلتين/ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… أعتقد أن الأمر صار جلياً!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

دولة الفاتيكان كشخص من أشخاص القانون الدولي العام

المحامي محمد نادر العاني باحث في مجال حقوق الإنسان القانون الدولي العام يعتمد …