بحوث ودراسات

المجتمع الإسلامي والتَّحوُّل الدّيموقراطي: أكبر تحديات زمن الحداثة 1 من 2

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

مستخلص

يتناول هذا المقال أوضاع المجتمع الإسلامي في العصر الحديث، من حيث تعذُّر التَّحوُّل التَّام إلى الدّيموقراطيَّة الليبراليَّة في نظام الحُكم، أسوةً بالمجتمعات الغربيَّة، برغم المحاولات المتكرّرة لإحداث نقلة نوعيَّة في المجتمع الإسلامي تقوم على تطبيق العلمانيَّة وتنحية الشَّريعة الإسلاميَّة بالكامل، باعتبارها لا تصلح للاتّباع في زمن الحداثة الغربيَّة. وبرغم حرْص الاستعمار الغربي خلال بقائه في ديار الإسلام لعقود طويلة على إحداث نقلة ديموقراطيَّة ترفع دولة الإسلام إلى مصافّ الدُّول الغربيَّة المتقدّمة، من خلال تطبيق القوانين الوضعيَّة، فنتائج الانتخابات البرلمانيَّة والرّئاسيَّة واستطلاعات الرَّأي في الدُّول الإسلاميَّة في الآونة الأخيرة، وبخاصَّة بعد ثورات الرَّبيع العربي، أثبتت ميل المجتمع الإسلامي إلى التَّيَّار الإسلامي في الحُكم، ولعلَّ التَّجربة المصريَّة في الانتخابات البرلمانيَّة عام 2011م، والرّئاسيَّة عام 2012م، خير مثال، الأمر الَّذي يثير مخاوف الغرب من وصول تيَّار الإسلام السّياسي إلى الحُكم. ومع تعالي أصوات تدعو إلى فصْل الدِّين عن سياسة الحُكموتجد في تطبيق الشَّريعة الرَّجعيَّة والتَّأخُّر وتحصر الدّين في القيم والأخلاق، تتحدَّى أصواتٌ أخرى ذلك الاتّجاه، وتنادي بالعودة إلى صحيح الشّريعة، كما أُنزلت قبل 14 قرنًا، وبل وتجد الرَّجعيَّة والتَّأخر نتيجة لإيقافها، وليس العكس. في حين يقترح باحثون معاصرون آليَّة للتَّقريب بين الرَّأيين المتعارضين، تتمثَّل في إعادة صياغة نصوص الشَّريعة بما يتناسب مع حاجات العصر الحديث. وأهم سؤال يطرحه المقال هو: هل يمكن تحوُّل المجتمع الإسلامي إلى مجتمع ديموقراطي يحاكي المجتمع العربي المتحضّر؟ بمنعي آخر: هل تتَّفق الدّيموقراطيَّة مع قيم الإسلام، أمَّ الفجوة بينهما لا يمكن رأبها؟

2.تقديم: مأزق المجتمع الإسلامي في زمن الحداثة

يعرّف الدكتور أحمد محمَّد زايد، أستاذ أصول الدِّين بجامعة الأزهر المصريَّة، في مقال له تحت عنوان “ما الحداثة؟”، الحداثة (Modernism) بأنَّها نظام اجتماعي متكامل، يرفض التَّقيُّد بالقوالب القديمة، ولو كانت دينيَّة، وينزع إلى التَّحرُّر العقلي والانخراط في نشاط ذهني تأمُّلي يفزر العقل خلاله نتاجًا فكريًّا أصيلًا، أجدر بالاتّباع من النُّصوص الدّينيَّة، لو تعارضت معه، عملًا برأي الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت، الَّذي كانت أفكاره محفّزًا فتح المجال أمام عصر التَّنوير الأوروبي في القرن الثامن عشر للميلاد. وهناك من المفكّرين العرب مَن رحَّب بالفكر الحداثي، ورأى فيه نهجًا جديدًا للحياة، يبتعد عن السَّلفيَّة وقيودها الصَّارمة، ومن هؤلاء الشاعر والمفكِّر اللبناني أدونيس، كما يخبر في كتابه الثابت والمتحوِّل (1973)، ويشاركه مواطنه ناصيف اليازجي، وهو من أشهر دعاة العلمانيَّة في العالم العربي، الرَّأي، بما وجد في الحداثة منفذًا للتَّمرُّد على الأعراف البالية. غير أنَّ من المفكّرين الإسلاميين مَن رأى في فِكر الحداثة تشابهًا كبيرًا مع الفكر الوثني للأمم السَّابقة، والَّذي أعاد الخارجون عن صحيح الدّين إنتاجه في القرون الأولى لدولة الإسلام، أمثال “الزنادقة والفسَّاق، وغلاة الصوفيَّة من دُعاة وَحدة الوجود، وشعراء الإلحاد، ودعاة الفلسفة اليونانيَّة”، كما يخبر الدكتور عوض القرني، أستاذ أصول الفقه والشريعة الإسلاميَّة في جامعة الملك خالد السعوديَّة، في كتابه الحداثة في ميزان الإسلام (1988، ص26). ويتلخَّص مأزق المجتمع الإسلامي فيما يُعرف بالعصر الحديث (Modern age)، في التَّمزُّق بين تيَّارين، أحدهما يدَّعي التمدُّن يطالب باتّباع نهج الغرب من خلال تعطيل الشَّريعة وتطبيق العلمانيَّة من أجل تأسيس نظام حُكم ديموقراطي، الأكثر توافقًا مع متطلّبات زمن الحداثة، كما يمتثَّل في الشَّاهر أدونيس؛ في حين يتمسَّك الآخر بثوابت الدّين ويعارض اتّباع سُنن الغرب، بل ويرى في ذلك خروجًا من ملَّة الإسلام، ويشدّد على ضرورة تطبيق الشَّريعة في الحُكمـ كما يعبَّر عوض القرني.

3.محور البحث: هل هناك سبيل للتَّوفيق بين الإسلام والدّيموقراطيَّة؟ وهل في الدّيموقراطيَّة نهضة المجتمع الإسلامي؟

يشير الفيلسوف وعالم الإنسانيَّات البريطاني، تشيكي الأصل، ارنست غيلنر (Ernst Gellner) في مقدّمة كتابه Muslim Societyالمجتمع الإسلامي (1981م)، إلى أنَّ الإسلام في حد ذاته “مخطَّط لنظام اجتماعي”، يقوم على مجموعة من القواعد “المقدَّرة إلهيًّا، والخارجة عن إرادة الإنسان” من شأنها تحديد الوضع الصَّحيح للمجتمع، ومن المفترض تطبيقها في شتَّى مناحي الحياة (ص1). يعتقد غيلنر بذلك أنَّ تقسيم البنية الاجتماعيَّة إلى قسمين، أحدهما مرتبط بالنّظام الإلهي بدرجة تفوق ارتباط القسم الآخر به فكرة مرفوضة وغير منطقيَّة، خاصَّة وأنَّ قواعد بناء المجتمع، النَّابعة من العقيدة الإيمانيَّة، مفروضة على المجتمع بأسْره، وليس على طبقة دون أخرى. يعتبر الإسلام بذلك، وفقر رأي المؤرّخ والمُنظّر السّياسي الفرنسي ألكسيس دو توكفيل في كتابه Oeuvres Complètes-الأعمال الكاملة (1962م) الدّين الَّذي جمَع بين سلطتين، السُّلطة الدّينيَّة والسُّلطة السّياسيَّة، بحيث تخضع كافَّة مناحي الحياة السّياسيَّة والاجتماعيَّة إلى الشّريعة الإسلاميَّة.

لا ينكر غيلنر أنَّ اليهوديَّة والمسيحيَّة تنطويان على تأسيس نظام اجتماعي، ولكن بدرجة أقل إلزامًا ممَّا ينطوي عليه الإسلام، مستشهدًا بميل يسوع النَّاصري ذاته إلى إيقاف العمل وفق الشَّريعة الإلهيَّة بقوله، الَّذي طالما استشهد به دُعاة العلمنة “أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ” (إنجيل متَّى: إصحاح 22، آية 21). ففي رأيه، الدّين الَّذي لا يبدأ بممارسة سُلطة سياسيَّة، ينتهي به الحال إلى تسليم ذاته إلى نظام سياسي لا يقع تحت سيطرته. لا يستأثر المذهب السُّنّي بالميل إلى تطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة في شتَّى مناحي الحياة، بما فيها السّياسة، فالمذهب الشّيعي كذلك ينطوي على الأمر ذاته، ولكن هناك فصْل بين السُّلطتين الدّينيَّة والسّياسيَّة، كما ينطبق على الجمهوريَّة الإسلاميَّة الإيرانيَّة، بتخصيص منصب للمرشد الأعلى للثَّورة، والَّذي يتولَّى السُّلطة الدّينيَّة، بمنأى عن منصب الرّئاسة. وإلى جانب الاستناد إلى “أسطورة الشَّهادة المؤسّسة”، والمقصود بذلك شهادة الحسين بن عليّ في سبيل إعادة الخلافة إلى أهل البيت النَّبوي، يعتبر المذهب الشّيعي بذلك الأقرب إلى المسيحيَّة (ص2). تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ المنظّر الشّيعي أحمد الكاتب قد أشار في كتابه تطوُّر الفكر السياسي الشيعي من الشُّورى إلى ولاية الفقيه (9981، ص11) إلى أنَّ نظام الحُكم في إيران يشبه “نظام الباباوات في القرون الوسطى” في الإمبراطوريَّة الرومانيَّة، حيث يعتمد على “نظام ثيوقراطي…يمارس الديكتاتوريَّة باسم الدّين، ويلغي دور الشَّعب”.

أصبح المذهب السُّنّي بمرور الزَّمن والابتعاد التَّدريجي عن صحيح العقيدة، في مواجهة مع “الملل الباطنيَّة”، الَّتي تمتاز بالسّريَّة التَّامة في تكتُّم أسرار عقيدتها، وينطبق ذلك على الدرزيَّة والنُّصيريَّة، كما يذكر غيلنر (ص2). غير أنَّ تقدُّم الإسلام وتأسيسه حضارة عظيمة، وانتقال الخلافة الإسلاميَّة، الَّتي تأسَّست بعد موت النَّبيّ مُحمَّد (ﷺ)، من دولة إلى دولة، حتَّى انتهت بسقوط الخلافة العثمانيَّة في 3 مارس من عام 1924 ميلاديًّا، الموافق 26 رجب 1342 هجريًّا، أثبت نجاح تجربة الحُكم الثّيوقراطي في الإسلام، وإن تعرَّض لنكبات لأسباب مختلفة. لا ينكر غيلنر أنَّ عقيدة “أرض الميعاد” وتأسيس مملكة عالميَّة تكون أورشليم نواتها من بين العقائد الدّينيَّة، الَّتي تفرض نفسها بذلك على سياسة الحُكم، لكنَّه ينفي أن تكون تلك العقيدة المحرّك الأساسي للسّياسات اليهوديَّة بقوله “لم يكن تنفيذ الوعد سريعًا أو ثابتًا أو دائمًا” (ص2).

يضيف غيلنر أنَّ الانتشار الاجتماعي الواسع تحقَّق للإسلام بفضل عاملين: النَّجاح السّياسي المبكر والسَّريع، ومبدأ أنَّ الرّسالة السَّماويَّة اكتملت. غير أنَّ لهذين العاملين تأثير كبير في تحجيم قدرة المجتمع الإسلامي على التَّطوُّر بما يتناسب مع البنية الاجتماعيَّة للمجتمعات المتقدّمة؛ فالعامل الأوَّل، في رأيه يحظر إسناد بعض مهام الحياة إلى سُلطة غير دينيَّة، بينما يجعل الثَّاني من الصَّعب نماذج مغايرة لمخطَّط بنية المجتمع الَّذي يوفّره الدُّستور السَّماوي، ألا وهو القرآن الكريم وفي الانتشار الاجتماعي الكبير للإسلام ما يغري المتخصّصين في علم اجتماع الدّين بدراسته، مع التَّركيز على الدَّور الاجتماعي للدّين في نشأة الحضارة الإسلاميَّة وأفولها. يعتبر غيلنر أنَّ هناك سؤالين ملحَّين بشأن المسيحيَّة، طالما كانا مثار اهتمام علماء الاجتماع، وهما “هل أسهمت المسيحيَّة في سقوط الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة؟” و “هل لعبت شريحة خاصَّة من المسيحيَّة دورًا رئيسيًّا في انطلاق الحضارة الصّناعيَّة الحديثة؟” (ص2-3). يوضح غيلنر أنَّ رجال الدّين المسيحي طالما عارضوا فكرة التَّحديث والانسلاخ إلى مجتمع متمدّن بفعل القيود الدّينيَّة الصَّارمة، وانصبَّ الاهتمام في القرون الوسطى على الإبقاء على الحضارة الآخذة في الأفول، بدلًا من تأسيس حضارة جديدة. أمَّا بالنّسبة إلى مفكّري عصر التَّنوير في القرن الثَّامن عشر للميلاد، الَّذي شهد الطَّفرة العلميَّة الهائلة، والَّتي أدَّت إلى المجتمع الصّناعي الغربي الَّذي يقود العالم، فقد رأوا ضرورة تنحية الدّين، واتّخاذ مسار ليبرالي علماني يسعى إلى تحقيق النَّهضة دون تقييد من أيّ نوع. وقد رأى بعض المفكّرين أنَّ تحقيق النَّهضة لا يكون بتنحية الدّين بالكامل، إنَّما بإعادة إنتاجه بما يتَّفق مع إيقاع العصر، حيث اقتصر تعامُل الفكر التَّنويري مع المسيحيَّة على “الإعجاب بالفضائل الاجتماعيَّة والمدنيَّة للديانة الكلاسيكيَّة”، وفق تعبير غيلنر (ص4). لا يمكن طرْح السُّؤالين في حالة الإسلام؛ لأنَّه لم يولد في إمبراطوريَّة أسَّست حضارة عريقة، بل هو الَّذي أسَّس حضارة عظيمة في مجتمعات بدائيَّة كانت تعاني التَّخلُّف والعوز، لكنَّ تلك الإمبراطوريَّة العظيمة سقطت وصار العالم الإسلامي في حالة التَّأخُّر والاضمحلال والعجز عن مسايرة العالم المتقدّم

بالإشارة إلى مسألة التَّراجع الشَّديد الَّذي تعاني منه دولة الإسلام في العصر الحديث، يبدأ تناوُل ما أثاره وائل حلَّاق، أستاذ القانون وتاريخ الفكر الإسلامي فلسطيني الأصل، في كتابه The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي (2012م)، عن استحالة تأسيس دولة إسلاميَّة تساير نهج الحداثة وتقضي على عوامل الفقر والتَّردّي، كما يشير عنوان الكتاب. يشير حلَّاق إلى أنَّ الشَّريعة الإسلاميَّة كانت بمثابة “قانون أخلاقي أسَّس مجتمعًا جيّد التَّنظيم”، لكنَّ الأمور انقلبت رأسًا على عقب منذ القرن التَّاسع عشر الميلادي، حينما فكَّك الاستعمار الغربي “النّظام الاقتصادي-الاجتماعي والسّياسي الَّذي كانت الشّريعة تنظّمه هيكليًّا”، وكأنَّما تجرَّدت الشَّريعة من مضمونها، وصارت مقتصرة على قوانين الأسرة (ص19). يشير حلَّاق إلى أنَّ السَّواد الأعظم لمسلمي اليوم يريدون العودة إلى تطبيق الشَّريعة، بشكل أو بآخر، وينبع ذلك من إيمانهم بأنَّ الدَّولة الحديثة وُجدت على مرّ العصور، ولم تقتصر على المجتمع الغربي في زمن الحداثة، وأنَّ تطبيق الشَّريعة كان أساس نهضة الأمَّة الإسلاميَّة والمحفّز على تأسيس إمبراطوريَّة الإسلام.

تعارُض تام بين تطبيق الشَّريعة والتَّحوُّل الدّيموقراطي

يستشهد وائل حلَّاق في كتابه (2012م) آنف الذَّكر برأي جماعة الإخوان المسلمين، الَّتي يصفها بـ “القويَّة”، بشأن عدم تعارُض تأسيس دولة مدنيَّة مع الإسلام، مشيرًا إلى نشرته ويكيبيديا الإخوان المسلمين تحت عنوان “الشَّريعة والدَّولة في المفهوم الإسلامي”، من أنَّ “الدَّولة المدنيَّة كتعبير عصري عن الدَّولة الحديثة لا يتعارض مع تطبيق الشَّريعة الإسلاميَّة…فالدَّولة الحديثة بما فيها من آليَّات ونُظم وقوانين وأجهزة إذا لم تكن فيها تعارُض مع ثوابت الإسلام القطعيَّة فلا يوجد ما يمنع من تطويرها…” نقلًا عن حلَّاق (ص22). ويعلّق حلَّاق على رأي جماعة الإخوان بإيضاح أنَّ مفهوم التَّطوير يقتصر على تطويع الشَّريعة لحاجات المجتمع، مع رفْض باتّ لأي محاولة لفصل الدّين عن الدَّولة، مشيرًا إلى أنَّ مؤلَّفه (2012م) يؤكّد على أنَّ محاولة تعريف مفهوم الدَّولة الحديثة في الإسلام متناقض ذاتيًّا؛ لأنَّ مفهوم تلك الدَّولة “يقوم في الأساس على مأزق الحداثة الأخلاقي” (ص24). ويطرح أستاذ القانون والتَّاريخ الإسلامي سؤالًا بشأن التَّناقض الذَّاتي في إقران دولة الإسلام بالحداثة، وهو كيف تمكَّن المسلمون في عصر ما قبل الاستعمار من تأسيس إمبراطوريَّة عظيمة حكمت ثُلث العالم في فترة من الفترات؟ ويجيب عليه بإبراز فرضيَّته النَّافية لأيّ إمكانيَّة لتأسيس دولة إسلاميَّة حديثة، الَّتي يترتَّب عليها أنَّه “لم يوجد قط أيُّ شكل للحُكم في التَّاريخ الإسلامي قبل العصر الحديث” (ص32). حُكمت البلدان الإسلاميَّة في فترة ما بعد جلاء الاستعمار الغربي وفق مفهوم الدَّولة القوميَّة، الَّذي رسَّخه الاستعمار، وعيَّن فئة من معتنقي الفكر التَّحرُّري في مناصب القيادة لمباشرة التَّحوُّل إلى نظام الحُكم الدّيموقراطي الليبرالي للغرب. غير أنَّ التَّحوُّل التَّام إلى الدّيموقراطيَّة ونمط الدَّولة الحديثة لم يتحقَّق، ومن أهم أسباب ذلك ظهور الشَّريعة في دساتير الدّول الإسلاميَّة، إمَّا بوصفها مصدرًا أساسيًّا للتَّشريع أو أحد مصادره، وقد ثبت أنَّ تلك الشَّريعة، على حدّ وصف حلَّاق في مقاله “Can the Shari’a Be Restored?-هل يمكن إعادة الشَّريعة؟” (2004م)، “ميتة مؤسَّسيًّا ومُساءة الاستخدام سياسيًّا” (ص31). وبعد استعراض تفصيلي لأسباب استحالة انسلاخ المجتمع الإسلامي إلى دولة ديمقراطيَّة، وكذلك أسباب تعارُض تطبيق الشَّريعة مع مسايرة ركب الحداثة الغربيَّة، يقترح حلَّاق نموذجًا لشكل دولة الإسلام الحديثة، وهو “ديموقراطيَّة ليبراليَّة، نظام اشتراكي، أو دولة إسلاميَّة تطبّق القيم والمثاليَّات المتأصّلة في القرآن، وتلك الَّتي حقَّقها الرَّسول في ((دولته الصَّغيرة)) في المدينة” (ص276).

وباقتراح وائل حلَّاق تحويل المجتمع الإسلامي إلى دولة ديموقراطيَّة ليبراليَّة، بوصف ذلك حلًّا لمشكلة التَّردّي الَّتي يعانيها المجتمع، يوضح إدوارد شناير، أستاذ العلوم السّياسيَّة بجامعة مدينة نيويورك الأمريكيَّة، في كتابه Muslim Democracy: Politics, religion and society in Indonesia, Turkey and the Islamic world الديمقراطية الإسلامية: السّياسة والدّين والمجتمع في إندونيسيا وتركيا والعالم الإسلامي (2015م)، أنَّ المجتمع الإسلامي لم يتَّخذ إلى عصرنا هذا خطوات مفصليَّة في طريق التَّحوُّل الدّيموقراطي. يختصُّ شناير بالذّكر منطقة الشَّرق الأوسط وشمال إفريقيا، مهد الإسلام، التَّي يرى أنَّه “برغم المكاسب الضَّئيلة للرَّبيع العربي الزَّاوي، لم تزل دول المنطقة معزولة في الطَّريق إلى الدّيموقراطيَّة، ليس فقط في العالم الإسلامي، إنَّما في العالم بأسره” (ص232). ويلقي شناير الضُّوء على ما أظهرته نتائج الاستفتاءات في شتَّى أنحاء العالم الإسلامي، عن تفضيل المسلمين للحُكم الإسلامي على العلمنة، وإن اعترف أنَّ الأصوليين المنتمين إلى مختلف العقائد يعارضون فكرة فصْل الدَّين عن السّياسة. يشترك شناير مع حلَّاق في رأيه الَّذي يفترض أنَّ تضمين الشَّريعة الإسلاميَّة في الدَّساتير الوضعيَّة هو الحائل دون التَّحوُّل الدّيموقراطي، وإن كان يضيف إلى ذلك عوامل أخرى، على رأسها عجْز أنظمة الحُكم عن أداء مهامّها الأساسيَّة، وتحقيق الُّلحمة الاجتماعيَّة من خلال التَّركيز على القيم والعادات المشتركة.

ومع اعتبار الحركات الإسلاميَّة الأصوليَّة الشَّريعة مجموعة من القواعد الجامدة، غير القابلة للتَّعديل، فهناك منظور مختلف للشَّريعة يرى إمكانيَّة استنباط القوانين والأحكام المتوافقة مع كلّ زمان. يضرب شناير المثل في ذلك بتركيا الكماليَّة، المطبّقة للعلمانيَّة الغربيَّة بحذافيرها، مشيرًا إلى رأي أحد مؤيّدي الحُكم الدُّستوري لعام 1937م، الخاص بتطبيق العلمانيَّة، بأنَّ الدّين ينبغي أن يقتصر على وجدان المواطنين ودور عبادتهم، “دون تدخُّل في الحياة المادّيَّة والشُّؤون الدُّنيويَّة”، كما ينقل شناير (ص251). في المقابل، يوجد نموذج المملكة العربيَّة السَّعوديَّة، الَّتي تعتبر الشَّريعة “دستور البلاد، والمصدر الرَّسمي الوحيد للشَّرعيَّة السياسيَّة، وقانون البلاد أو القانون العام” (ص251). وبما أنَّ العلمانيَّة، أو على الأقل ضمان عدم تحكُّم الدّين في صياغة السّياسات، من شروط تطبيق الدّيموقراطيَّة، ستظلُّ الشَّريعة عقبة في طريق التَّحوُّل الدّيموقراطي للمجتمع الإسلامي؛ وهذا يعني أنَّ تنحيتها ضرورة واجبة. لا يستبعد شناير نجاح التَّجربة التُّركيَّة في التَّحوُّل الدّيموقراطي، برغم محدوديَّة خطواتها في هذا الصَّدد، ويرى أنَّ “السُّلطة المتنامية لحزب العدالة والتَّنمية…ضاعفت إمكانيَّة أن يتحكَّم دينٌ واحدٌ في الدَّولة” (ص254).

 يواجه تعزيز الدّيموقراطيَّة في المجتمع الإسلامي صعوبات بالغة، على رأسها الاعتقاد بأنَّ العلمنة مفهوم غربي من مخلَّفات الاستعمار، الأمر الَّذي أكَّده الدَّعم الغربي لأقطاب التَّيَّار العلماني في العالم الإسلامي. لم تزل هناك جماعة من المسلمين تطالب بإحياء الخلافة الإسلاميَّة، وتقترن دعواتها بأعمال العنف المسلَّح، ويعتبر تنظيم الدَّولة الإسلاميَّة في الشَّام والعراق (داعش) من أحدث نماذج ذلك الفكر. الشَّريعة، في رأي شناير، ليست قوالب جامدة من النُّصوص القرآنيَّة والأحاديث النَّبويَّة، إنَّما هي نصوص دينيَّة يُستدلُّ بها في التَّشريع، وتخضع لقوانين التَّغيُّر، وطالما عُدّلت بحسب الظُّروف. يحصر أستاذ العلوم السّياسيَّة التَّطبيق الصَّارم للشَّريعة على فترة الخلافة الرَّاشدة، التَّالية لزمن النُّبوَّة مباشرة، والمنحصرة في الخلفاء الأربعة الأوائل، ويعتقد أنَّ “جمعها بين السُّلطتين الدّينيَّة والدُنيويَّة لفرض تفسيرها للشَّرع الإلهي ليس له سابقة تاريخيَّة” (ص257). في النّهاية، يؤكّد شناير أنَّ عبارة “الدّيموقراطيَّة الإسلاميَّة” لا تحمل “تناقضًا لفظيًّا”، أي أنَّ الإسلام والدّيموقراطيَّة ليسا متعارضين، موضحًا أنَّ في رأيه أنَّ الدُّول الإسلاميَّة تتَّجه نحو الدّيموقراطيَّة بنفس الوتيرة تقريبًا، خاصَّة في وجود عوامل تشجّع ذلك، من بينها حرية المجتمع الإسلامي في زمن ما بعد الاستعمار، والتُّطوُّر الاقتصادي (ص258).

يعبّر المستشار محمَّد سعيد العشماوي في مؤلَّفه الخلافة الإسلاميَّة (1992م) عمَّا ألمح إليه شناير عن اقتصار المفهوم الصَّحيح للخلافة في دولة الخلافة الرَّاشدة، نافيًا بالكليَّة أن تكون الدَّولة الأمويَّة، ومن بعدها العبَّاسيَّة، والفاطميَّة، وأخيرًا العثمانيَّة، نماذج لنظام الخلافة الإسلاميَّة. يبدأ العشماوي بالإشارة إلى أنَّ تناوُل الشقِّ السياسي في الإسلام “هامٌّ جدًّا، ووعر للغاية”، على اعتبار أنَّ الخلافة الإسلاميَّة نظَّمت حياة المسلمين على مدار قرون، وهي بمثابة “محور التاريخ الإسلامي كلِّه، ومحيط الفكر الإسلامي بأكمله”، ويحذِّر العشماوي من أنَّ عدم فهم الخلافة حقَّ فهمٍ يؤدِّي إلى عدم فهم التاريخ الإسلامي فهمًا سليمًا (ص11). ويسعى العشماوي بهذا المؤلَّف إلى تقديم أقرب صورة صحيحة لأصل الخلافة بهدف “استخلاص وجهة نظر صحيحة وصائبة، أو أدنى ما تكون إلى الصحَّة، وأقرب ما تكون إلى الصواب”، من خلال التدليل على أنَّ إدارة الدَّولة الإسلاميَّة، بعد زمن الخلفاء الأربعة على وجه الخصوص، “نظام سياسي، وليست نظامًا دينيًّا…تحتوي على كلِّ ألاعيب السياسة، وكلِّ دناياها، وكلِّ أخطائها، وكلِّ مساوئها” (ص12). يصل الأمر بالعشماوي في نقده لأصل الخلافة بعد صحابة نبيِّنا مُحمَّد (ﷺ)، بأن اعتبر أنَّ في نعتها بـ “الإسلاميَّة” إساءة للإسلام، وأنَّ في ذلك ما يتنافى مع حقيقة أنَّ دولة الإسلام تلك كانت تحكم وفق الهوى، وبمعايير دنيويَّة بحتة.

يردُّ العشماوي على منتقدي كتابه، ممَّن وصفوه بأنَّه “انتقائي…يقدِّم نفايات التاريخ وأوساخه”، بقوله أنَّ في إظهاره مواطن العور والسوء في تاريخ الأمَّة الإسلاميَّة تطهير لهذا التاريخ، وتحرير من أوهام تكوَّنت في الأذهان نتيجة تسليط المؤرِّخين الضوء عادةً على الأمجاد والعظمة؛ “ونتيجة لذلك، بقيت نفايات الواقعات وأوساخ التاريخ داخل جسم المجتمع الإسلامي، وفي صميم حشاياه”، وربَّما لهذا دوره في إصرار بعض المتمسِّكين بالعودة إلى أصول الدِّين على استعادة دولة الخلافة، ظانِّين أنَّها الحل للمشكلات الاجتماعيَّة الحاليَّة (ص12). في رأي العشماوي أنَّ الاعتقاد بأنَّ دولة الخلافة فيها حلُّ مشكلات المسلمين “مناقَضة غريبة”؛ كون نظام الخلافة، في رأيه، “لا يختلف عن أيِّ نظام سياسي متخلِّف في السطوة والسيطرة والغشومة والظلم والاستبداد والتنكُّر لحقوق الإنسان” (ص13). من هنا، يجتهد العشماوي في تسليط الضوء على “ما أخفاه الكثيرون” من أحداث التاريخ، سعيًا منه من أجل تبيان الحقيقة. يقسِّم العشماوي كتابه إلى ثلاثة أقسام رئيسة: الأوَّل “الأصول العامَّة للخلافة الإسلاميَّة”، وهو يتناول فلسفة الخلافة وأسسها؛ والثاني “تاريخ الخلافة الإسلاميَّة “، وتركيزه ينصبُّ على تحديد علاقة الخلافة بالنظام السياسي السائد في الجاهليَّة؛ والثالث “فقه الخلافة”، وفيه تأمُّل لحقيقة إذا ما كان هناك ما يمكن تسميته “فقه الخلافة”، مشيرًا إلى انتشار دعوى بهذا الاسم تستهدف استبدال الأنظمة السياسيَّة في زمن الحداثة وما بعدها، “لا بنظام أرقى وأسمى وأكثر تحديدًا وأشدِّ شمولًا، ولكن بنظام الخلافة الإسلاميَّة الفاسد والمعيب بعد حجب كلِّ نقد عنه، ونزع كلِّ مثلب منه” (ص14).

بعد أن بلور الباحث فكرته أنَّ الخلافة لم تكن سوى أمر دنيوي استهدف فرض الرياسة على المسلمين، بدأ في سرد مآخذه على الخلافة، حتَّى في زمن الخلفاء الأربعة الأوائل. لم تنل سهام العشماوي أبا بكر أو عُمر، اللذين وصفهما بالنزاهة والشدَّة في الحقِّ، بينما وجَّه انتقاده لعثمان-ذي النورين-بادئًا بوصفه بـ “الأموي”، في إشارة ضمنيَّة لتكالُب بني أميَّة على السُّلطة، ثمَّ متطرِّقًا إلى تغييره سياسة عُمر في استبقاء المسلمين في المدينة، خشية أن يفتنهم متاع الدنيا وتحصيل المغانم، ناهيك عن “محاباة القرابة” وتفضيل بني أميَّة في المناصب، وكذلك عن إيذاء بعض صحابة النبيِّ (ﷺ)، ومنهم عبد الله بن مسعود (ص112). لا يحصر العشماوي التجاوز في حقِّ الأمَّة في بين أميَّة، بل يشير كذلك إلى تكرار الأمر في عهد عليٍّ بن أبي طالب، وعلى يد عبد الله بن عبَّاس (رضي الله عنهما). يروي العشماوي ما ورد عن شكوى أبي الأسود الدؤلي، صاحب بيت المال في البصرة، إلى عليٍّ من تعدِّي ابن عبَّاس، والي البصرة وقتها، على مال المسلمين، وقد اعتبر تلك الواقعة “خطيرة غاية الخطورة”، بأن شهدت إصرار ابن عبَّاس على النهب، مستعينًا بأخواله من بني هلال (ص113-114).

ويختتم العشماوي كتابه (1992م) بقسم خصَّصه لتناوُل ما يُعرف بـ “فقه الخلافة”، أي العلم الخاص بأصول الخلافة ونشأتها ومعايير اختيار الخليفة ونطاق عمله ومسبِّبات عزله، وغير ذلك من المسائل المتعلِّقة بمنصب الخليفة. ينفي العشماوي بالكليَّة أن يكون هناك ما يمكن وصفه بفقه الخلافة، ويسوق لإثبات ذلك أسبابًا أربعة؛ أوَّلًا، نشأة الخلافة في أمَّة أميَّة لا تُحسن القراءة، وبالتالي لم يكن من المفترض وجود علم ينظِّم الخلافة وقتها؛ ثانيًا، كانت الخلافة، وفق رأيه، “مستبدَّة غاشمة…عاملت العلماء بقسوة شديدة”؛ ثالثًا، لم تهدأ حروب الخلافة الخارجيَّة، كما لم تتوقَّف الصراعات الداخليَّة على المُلك، وفقه الخلافة حينئذ يكون “فقه حروب ومجتمعات مضطربة”؛ رابعًا، تقيَّد علماء الإسلام، في رأيه، بقوالب جامدة ضيِّقة الأفق، لم تضع معايير واضحة تنظِّم مهمَّة اختيار الخليفة وتضبط عمله (ص233-234).

آراء مفكِّري الغرب عن سبيل اقتران الإسلام بالدِّيموقراطيَّة الليبراليَّة

يتناول هذا القسم من الدِّراسة آراءً مختلفة لمفكِّرين غربيِّين حول علاقة الإسلام بالدِّيموقراطيَّة، وسبيل اقترانهما؛ بهدف إنهاض العالم الإسلامي من كبوته، ومساعدته في الارتقاء إلى مصافِّ الدُّول المتقدِّمة. المثير للانتباه أنَّ آراء مختلف المفكِّرين الغربيِّين في هذا الصَّدد تؤكِّد إمكانيَّة تطويع الإسلام لقيم الدِّيموقراطيَّة، لكنَّ التشدُّد الدِّيني الذي تمثِّله الحركات الإسلامويَّة، وهي الحركات المطالِبة بتأسيس نظام حُكم يقوم على الشَّريعة، أسوةً بالخلافة الإسلاميَّة التي استمرَّت 13 قرنًا، يحول دون إقران الإسلام بالدِّيموقراطيَّة. أمَّا عن الحلِّ، فهو مسانَدة أقطاب الفِكر الليبرالي في العالم الإسلامي؛ لكي تطغى أصواتهم على أصوات دعاة تطبيق الشَّريعة، الذين تثبت الانتخابات التَّشريعيَّة في مختلف أنحاء العالم الإسلامي حصدهم التَّأييد الجماهيري الأكبر وفوزهم بأعظم قسط من ثقة النَّاخبين.

تأسيس “الدِّيموقراطيَّة الإسلاميَّة” ممكن بشروط

يتناول الكاتب والمشرِّع القانوني وأستاذ القانون في كليَّة هارفارد للقانون نوح فيلدمان في كتاب After Jihad: America and the Struggle for Islamic Democracy-بعد الجهاد: أمريكا والصراع من أجل الديموقراطيَّة الإسلاميَّة (2003م) الصّراع من أجل الدّيموقراطيَّة في العالم الإسلامي، معتبرًا أنَّ المسلمين “يريدون الحريَّة بقدر ما يريدها أيُّ شخصٌ آخر” (ص11)، وأنَّ الإسلام السّياسي في طريقه من العصيان المسلَّح إلى السياسة الانتخابيَّة، موضحًا أنَّ الدَّعم الغربي للأنظمة الديكتاتوريَّة ينال من قيمه الدِّيموقراطيَّة ويخلق له أعداءً من الشعوب المقهورة، ومفترضًا أنَّ تغيير ذلك النهج من شأنه أن يجعل من العالم الإسلامي ديموقراطيًّا؛ وحينها سيسهل “قبول ديمومة الوجود الإسرائيلي وشرعيَّته” (ص14).

يرى فيلدمان أنَّ الإسلام والدِّيموقراطيَّة يشتركان في ثلاثة خواص أساسيَّة، هي العالميَّة والمرونة والبساطة. وبينما يعني الإسلام الخضوع لله، تشير الدِّيموقراطيَّة إلى حُكم الشَّعب، ممَّا يعني إمكانيَّة تطبيق المفهومين في كلِّ مكان، وفي ذلك دليل على العالميَّة والبساطة معًا. تعدَّدت وسائل تعريف الدِّيموقراطيَّة، من المفهوم الإغريقي الأصلي، إلى المفهوم الخاص بالجمهوريَّة الأمريكيَّة، إلى المفهوم الذي حدَّدته الجمهوريَّات الشيوعيَّة. أمَّا عن الإسلام، فقد وجد تعبيرات له مختلفة الأشكال، من إندونيسيا إلى المغرب إلى المجتمعات المسلمة الناشئة في الغرب. يعتقد فيلدمان أنَّ التَّفاعل بين هذين المفهومين قد ينشأ عنه نُظُم حُكم جديدة، يمكن للناس في ظلِّها أن يسلكوا طريقًا إسلاميًّا في الحياة، دو تقييد من نظام حُكم ديكتاتوري. ويعتقد المشرِّع الأمريكي أنَّ هناك طرقًا كثيرة يمكن من خلالها التأليف بين الإسلام والديموقراطيَّة، مشيرًا إلى أنَّ تعيين خليفة وانتخابه من قِبَل جماعة من أهل الحلِّ والرَّبط، يمنح تلك الجماعة إمكانيَّة خلْع الخليفة، إن لم يلتزم بما عاهد عليه. ويضرب فيلدمان المثل بالدولة العثمانيَّة في سنِّ قوانين تتوافق مع الشَّريعة الإسلاميَّة، ويقترح كذلك أن يُقام نظام حُكم إسلامي من خلال تعيين لجنة قضائيَّة تفحص مدى التزام القوانين الوضعيَّة بالشَّريعة، موضحًا ألَّا معضلة في عدم انتخاب لجنة مثل تلك؛ إذ أنَّ لجنة مشابهة تتولَّى دراسة دستوريَّة القوانين في النظام القضائي الأمريكي والبريطاني (ص56).

سبيل نهوض دولة الإسلام لدى فيلدمان: صياغة الشَّريعة وفق معايير الدِّيموقراطيَّة

تناول نوح فيلدمان علاقة الإسلام بالدّيموقراطيَّة في كتابه The Fall and Rise of the Islamic Stateسقوط الدولة الإسلاميَّة ونهوضها (2008م) بمزيد من التَّفصيل. يبدأ فيلدمان كتابه بالاستشهاد بعبارة من كتاب The History of the Decline and Fall of the Roman Empire-تاريخ ضعْف الإمبراطوريَّة الرومانيَّة وسقوطها (1776م)، والذي يقتبس منه عنوان كتابه، تقول “من المحيط الأطلسي إلى نهر الغانج، يُعدُّ القرآن (الكريم) التقنين الأساسي، ليس للدِّين فقط، بل للفقه المدني والجنائي. والشَّرائع التي تحكم تصرُّفات البشر وممتلكاتهم تحميها إرادة الله المعصومة التي لا تتغيَّر” (الفصل 50، 5: 325). يتحدَّث المؤرِّخ البريطاني، مؤلِّف تاريخ ضعْف الإمبراطوريَّة الرومانيَّة وسقوطها (1776م) عن احتكام خلفاء الدولة العثمانيَّة إلى الشَّريعة الإلهيَّة، معترفًا بأنَّها وحدها القادرة على تصريف أمور البشر، دون زيغ أو نقصان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى