أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / رؤية من داخل أحداث الثورة المصرية

رؤية من داخل أحداث الثورة المصرية

أحمد هلال

كاتب وحقوقي مصري – عضو منظمة العفو الدولية
عرض مقالات الكاتب

رغم كل الأحداث الدامية التي مرت بها الثورة المصرية إلا أنها إخترقت جدار القهر والظلم وإنتقلت الحالة الثورية بسرعة ووصلت إلى قطار الانتخابات.

إمتزجت أرض الثورة بكل الدماء المصرية وظهر اللهو الخفي أو ما يسمى بالطرف الثالث ليعبث في دماء المصريين ،وينال من دمائهم عقابا لهم على مشاركتهم في الثورة ، كانت أحداث ماسبيرو الدامية لتنكسر عظام المسيحيين تحت مجنزرات الدبابات وكانت مجزرة محمد محمود ينزف فيها دماء ليبرالية و دماء وأشلاء من الاخوان المسلمين أيضا.

دهس بالسيارات وموت برصاصات القناصة،مجموعة من 6ابريل والإشتراكيين الثوريين ثم مجزرة ستاد بورسعيد ومعاقبة التراس الأهلي بقتل 74منهم
ثم التراس الزمالك ومقتل عشرين منهم،سحل للبنات وكشوف عذرية وإنتهاك لكرامة من يبحث عن الحرية و الكرامة وتأديب وتهذيب للجميع. لغة الحوار هي لغة الدم ولا شيء غيره.

صعد الرئيس محمد مرسي إلى حكم مصر محاولا إجتياز ركاما من الكراهية والإنقسام الذي أحدثه العسكر في صفوف المعارضة المصرية بكل توجهاتها وايدلوجياتها ،تلاشت كل مكونات الثورة المصريه وانزوت بعيدا عن طموحات وآمال الشعب المصري في التغيير والإنتقال السلمي المتدرج من الحكم الشمولي الإستبدادي العسكري إلى حكم مدني.

انزوي الكثير منهم وتم شراء مجموعة منهم،لإستخدامهم غطاء مدني لإنتزاع آخر قلاع الثورة المصرية و إستطاعت القوة الغاشمة إسقاط التجربة المصرية و الإنقلاب ،لكنها لم تستطيع إرهاب من قامت على أكتافهم الثورة ، رغم المجازر المتعاقبة إنتهاء باكبر مجزرة في تاريخ مصر (رابعة العدوية و النهضة).

لم يستطيعوا إقناع الرئيس محمد مرسي بالتخلي عن شرعيته بعد سجن انفرادي إستمر ست سنوات حتى قتلوه بدم بارد ظنا منهم أن الشرعية تسقط بوفاة الرئيس ، لكن الشرعية مبدء ومكتسب للشعب المصري تؤول إليه ويظل الشعب المصري حارسا لها و مسئولا عن استردادها ولا ينوب عنه فصيل مهما كانت قدراته وإمكانياته.

بعد أن انفض الجميع وآثر زعماء المعارضة السلامة خوفا وطمعا وتنازل الكل وفرطوا وباعو الشعب المصري للعسكر لم يتبقى في الميدان غير أصحاب المبادئ مهما كانت التكلفة ،أناس صنعو من الثبات و الرجولة والتضحية والفداء مالم يقدر عليه إلا النبلاء ،توقف التاريخ عند هؤلاء وحدهم وتدور الأحداث إقليميا ودوليا من أجلهم.

هم الخصم الصلب العنيد الذي لم تكسره قوة عبر تاريخهم لم يهربوا من الميدان كغيرهم ولم يصنعوا لأنفسهم مجدا مزيفا ولم يعترفوا ولو من أجل النجاة بالإنقلاب ولو لساعة واحدة.

رؤيتهم في التغيير ليست بالثورة ،لكن عندما فرضت عليهم الثورة كانوا أهلا لها ومحور إرتكاز كبير للثورة وسببا رئيسا في تغيير مسار الثورة من الفشل إلي النجاح ،بشهادة الجميع.

وفي عز إنتصارهم عرضوا كل المناصب و المكاسب والكراسي على الجميع لتكون إدارة تشاركية تعددية لكل الأطياف لكن تستمر المؤامرة ،حتي النهاية ويرفض الجميع التعاون والتنسيق معهم خوفا من بطش العسكر ،اوطمعا في جزرة العسكر أيضا.

بعد استشهاد الرئيس محمد مرسي أعلن الاخوان المسلمين ان الشرعية تؤول إلي الشعب المصري كله وهم جزء من مكونات الشعب المصري لا يتقدمون عنه ولا يتاخرون ،ومن ثم ليس من واجب الاخوان المسلمين المبادرة إلي صناعة ثورة لكن إذا اختار الشعب المصري طريق الثورة لإستعادة مكتسبات الثورة المصريه فإن الاخوان المسلمين سيشاركون فيها بإعتبارهم فصيلا مهما من مكونات الشعب المصري.

وبناء عليه لن يكون الاخوان المسلمين عائقا لأي عمل من شأنه التخلص من الإنقلاب بل سيدعمون أي مبادرة مهما كانت أغراضها الغير معلنة طالما أن المعلن منها القضاء على الإنقلاب واستعادة الشرعية ،
وبناء عليه انتقل الاخوان المسلمين في الداخل والخارج إلى إعادة ترتيب أوراق الجماعة بناء علي سياسة التغيير من خلال رؤيتهم هم وليس من خلال الأمر الواقع الذي يتعاملون معه بصورة مختلفة عن الجميع.

ظاهر الأحداث يوحي بأن الاخوان المسلمين فشلة وعجزة ولم يستطيعوا فعل شيء في خلال ست سنوات مضت وإنحسار وتراجع وترك للساحة مع سقوط ضحايا تفوق حد الإحتمال دون رد فعل ،
الرؤية الأحادية الآن هي تلك الرؤية التي علق عليها الجميع فشله وتخاذله وعمالته وردائته ،عندما تكون كبيرا سيكبر من هم حولك حتى الصعاليك سيكبرون من حولك ويكون لهم شأنا عظيما واسما كبيرا عندما يطعنون فيك ،

ظهرت صعاليك كثيرة ،ظن الناس فيهم الخلاص والإخلاص ،كل الصعاليك يتعايشون على مذمة الكبار
والكبار يمضون في طريقهم دون التفات إلى رأي هؤلاء أو رؤيتهم لأن الأيام وتتابع الأحداث تحدد المواقف وتكشف حجم الجميع من دون الحاجة إلى دفاع.

هناك من يفصل كيان الاخوان المسلمين بين الداخل والخارج ،وهناك من يحصر كيان الإخوان المسلمين في مجموعة تركيا أو قطر أو غيرها من دول المهجر ،وهناك من يحصر تهمة فشل الجماعة في فرد واحد أو مجموعة صغيرة ، من دون دلائل منطقية أو حجج واقعية وربما تصل إلى الطعن لمجرد خلافات شخصية ضيقة وساذجة.

إصلاح الحكومة المصرية جزء من ألف جزء من اهتمامات الجماعه الجامعه. وليس من مسئوليتهم إقناع الجميع أن إسترداد الشرعية مهمة الشعب المصري كله وليس الإخوان وحدهم فلن يكونوا مقاولين أنفار لغيرهم وأطماعهم ومن أراد ان يذهب لإسقاط الإنقلاب فليذهب من دون ضجيج.

تضحية من بالخارج لم تنقطع يوما ما لارتباطهم إرتباطا عضويا بالداخل ومعاناته ،ليس هناك عائلة تحت الإبتلاء والتضحية في الداخل إلا ولها أفراد بالخارج في نفس المعاناة والتضحية وتقاسم الإبتلاء بصبر واحتساب ،فلا يتفلسف أحد من أصحاب الرؤى القاصرة ويتهم من بالخارج بالتقصير والعجز والفشل.

كثير ممن في الخارج يعيشون حد الكفاف أو يكاد يكون أقل من حد الكفاف بعد أن كان عزيزا في مصر صاحب أملاك ومشروعات وتجارات ، ورغم ذلك لا ترى منهم غير الابتسامة والرضى.

رؤية الاخوان المسلمين (حسب استقراء الأحداث) أن قيام ثورة كاملة تطيح بالإنقلاب في هذا التوقيت غير ممكن التنفيذ لعدم توفر مكونات الثورة وعوامل إشتعالها رغم الضغوط الإقتصادية التي لم يسبق لها مثيل ،فقد عمل المجلس العسكري علي إقتلاع مقومات الثورة و تأديب كل الأطراف الداعمة لها من أقصى اليمين إلي أقصى اليسار ولم يستثني أحدا حتى لو كانوا من داعميه يوما ما ،حتى لو كانوا عسكريين أيضا فقد تم خطف مجموعة كبيرة من ضباط الجيش المصري وكان على رأسهم رئيس أركان الجيش لإنهم ليسوا من خير اجناد الارض.

تبقي الخيارات الثورية رهينة بإختيار الشعب المصري ومدى جاهزيته لنزول الشارع بكل أطيافه ورجوع الحاضنة الشعبية للثورة التى تحمي الجميع،
وتبقي محاولات النزول للشارع في ذلك الظرف مجرد محاولات عبثية تؤدي إلى مزيد من الإحباط والخسائر أيضا ولن يكتب لها النجاح إلا بشرط دعمها من داخل المؤسسة العسكرية نفسها بعدم التعرض لها حتي تكبر كرة الثلج ويصعب السيطرة عليها.

إتجه الإخوان المسلمين في الداخل والخارج إلى إعادة هيكلة وتأسيس جديد للقوة الصلبة التي تستوعب أبعاد المعركة الحقيقة ومدى قدرتها على الصبر و الإحتمال وعدم الاستعجال وحسن قراءة المشهد السياسي من جديد ،برؤية جامعة قائمة علي أيدولوجية إسلامية ،وإعداد وتربية أجيال تتفهم طبيعة دعوة الاخوان المسلمين الجامعة ،
هناك أجيال انحسرت رؤيتهم عن جماعتهم في الصراع الدائر اليوم مع العسكر ،ولم يتلقى قسطا وافرا من التربية تحميه من منعطفات الطريق ،وقصور الرؤية ،
لذا وجب تطوير أساليب التربية وإعداد جيل فريد متميز يصنع من محنته تاريخ أمته.

هناك مجموعات عمل مختلفة تبدع وتبهر الجميع بحركتهاوأثرها الفعال بين الطلاب ومدي تأثيرهم وأثرهم ،ارى بعيني جهدا كبيرا يبذله مجموعات تربوية تحتضن شبابا كثيرا في الغربة رغم إنحراف البعض الآخر لكنه قليل وسيعود يوما ما لأن بين جنبات نفسه الخير الكبير.

عطاء الدعوة مستمر رغم المحنة وكثير لم يشغله إحتياجاته عن دعوته وأصحاب الأثر والعطاء يتزايدون كل يوم ، ورغم وجود الأخطاء إلا أن الدعوة تشق طريقها ولن تتوقف في الداخل والخارج على السواء
هناك أيضا من يسعى إلى عالمية الدعوة وينتشر بها بالحكمة والموعظة الحسنة بين الجاليات والعرقيات المختلفة والثقافات المتنوعة ،وهناك نجاحات كبيرة بدءت تظهر وتؤتي ثمارها.

إننا أمام جماعة تحمل الخير للعالمين ولن يتوقف أثرها عند حدود مصطنعة ولن توقفها جرائم السفلة من العسكر وأعوانهم ،
لمن يطالبون الجماعة بالتنحي والاعتذار وترك الميدان ،عن أي ميدان يتنحى صاحب الدعوة العالمية والغاية الكبرى ؟وعن أي شيء يعتذر ويترك ؟!
أصحاب الغايات الكبرى لا يتنازلون عنها رغم الألم ورغم المعاناة ورغم المحن.

فمن كان في داخل الجماعة وليس من رؤيته تلك النظرة الشمولية فليراجع موقع قدمه ، وليحدد لنفسه دورا مهما من دون إنتظار تكليف وليسعى بدعوته ولو كان منفردا ، ومن كان خارج الجماعة فليعيد نظرته من خلال قراءة منهج الإخوان المسلمين في التغيير ودعوتهم العالمية.

إنها دعوة الإسلام بشموله وكماله فلا تنجرف أقدامنا لنغرق في بحر السياسة من دون مرجعيتها
ولا تنحرف رؤيتنا لننظر إلى الواقع السياسي المصري بأنه جريمة كبرى وخطأ كبير يجب أن تنسحب الجماعة من مستنقع السياسة لفشلها ،
ولو انسحب الاخوان المسلمين واعترفوا بالإنقلاب لو ساعة واحدة لما تبقى من إسم الثورة المصريه غير ذكراها وما أسهل الإنسحاب وما أطيب المكاسب التي سيحصل عليها الاخوان مقابل حرياتهم.

إن من سنة الله في التغيير هو التدافع والمواجهة بين الحق و الباطل وسيبقى الصراع إلى أن يأذن الله بالتغيير ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم
والله غالب علي أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون

شاهد أيضاً

هل نصبح تحت سطوة الذكاء الاصطناعي.. بعد كورونا؟

ياسر الحسيني كاتب وإعلامي سوري في إحدى التغطيات الإخبارية عن جائحة كورونا ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.