أخبار عاجلة
الرئيسية / دين ودنيا / الاستفزاز والإذعار هل هما من الدين؟؟

الاستفزاز والإذعار هل هما من الدين؟؟

بشير بن حسن

مفكر إسلامي.
عرض مقالات الكاتب

نعيش عصرا مليئا بسوء المفاهيم المغلوطة، التي تنعكس في الغالب الى سلوكيات ، تُحسب على الدين ، ولكن الدين بريء منها ، من ذلك هاتان الآفتان على الإسلام و أهله ، ومشاريع الدعوة إليه ، وهما آفة الاستفزاز و الاذعار ، أما الاستفزاز فمعروف في معناه ، وهو استثارة لحفيظة الآخر باللفظ أو الفعل ، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ، و كثير من المتدينين يعتقدون أن استفزاز من يخالفونهم –الذين هم أكثر الناس —يعتقدون أنهم يدعون إلى الله عز وجل بهذا الأسلوب ، أو أنه نوع إغاظة مطلوبة شرعا ، وربما استدلوا على ذلك بقول الله تعالى ( … وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم …)
وجهل هؤلاء أن الآية نزلت في ظرف الحرب لا في ظرف الأمن ، ولهذا لما نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى رجل من أصحابه يمشي متبخترا بين صفوف العدو قال ” إنها لمِشية يبغضها الله الا في هذا الموطن ” أي موطن المواجهة العسكرية وليست في كل الأحوال !!
وانك ترى اليوم بعض السلوكيات العجيبة والغريبة ، يفعلها بعض هؤلاء الناس ، لا لشيء إلا للاستفزاز المجاني للمجتمع ،كمخالفة ما عليه أغلب الناس في اللباس، بأن يلبس لباس الأفغان أو لباس أهل الخليج أو غيرهم في بلد لا يلبسه الناس ، بل هو غريب عنهم ، لكن هذا المستفزّ عنده نوع ميل الى الشذوذ و المخالفة ، بل هو مصاب بنزعة الاستعلاء على الخلق ، حيث خالفهم ، ليقول بلسان الحال : أنا أفضل منكم ، وأتقى لله منكم ، وأكثر تدينا وورعا منكم ، واعظم حياء وحشمة منكم ….انه يقولها بلسان الحال ولو لم ينطق بها لسانه ، و يحسب هذا الصنف أنه على منهج الحق ، وملتزم بمنهج النبوة !! والنبوة منه براء ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يخالف ما عليه قومه في لباسهم ، رغم أنهم مشركون ، ولم يعتبر موافقتهم فيما يلبسونه تشبها بهما اصلا ، خلافا لما يعتقده هؤلاء المستفزون !!
بل جاء في صحيح البخاري أن الرجل كان يدخل على الصحابة وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول أفيكم محمد ؟؟؟
وهذا إن دلّ على شيء فقد دل على أنه لم يكن يتميز عن الناس بلباس خاص ، لم يضع تاجا ، ولا ” مشلحا ” ، ولا غطاء رأس من نوع آخر غير سائد في مجتمعه ، لأن ذلك مع كونه لباس شهرة محرم ، كما في سنن أبي داود بسند صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( من لبس لباس شهرة ألبسه الله لباس ذل يوم القيامة ثم ألهبه عليه نارا ) !! هو أيضا استفزاز مجاني حقير ، لعامة الناس ،يتسبب في نفرتهم من الدين أكثر من اقبالهم عليه ،لو كان يدري هذا المستفز ، ويكفي أنه يضع حواجز في وجوههم أمام طريق التوبة الى الله تعالى ، لأنه يقول بلسان الحال : هكذا يجب أن تكونوا اذا اردتم أن تكونوا مؤمنين متقين !!
والناس لهم من الأحوال والظروف ، ما يجهلها هذا الذي يعيش خارج السياق التاريخي والجغرافي ، و لكنه كما قال تعالى ( وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ) !!
كما رأينا منهم من يضع عصابة على رأسه قد كتب عليها لا إله إلا الله محمد رسول الله ، على شكل ما يلبسه” لاعبو الننجا ” ، وآخرون يرفعون علما أسود كتب عليه كلمة التوحيد أيضا ، بدعوى أنها راية العقاب ، التي لم يصح حديثها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهلم جرا من هذه الأفعال الصبيانية ، والتصرفات اللامسؤولة ، والتي لا نفع فيها على الاطلاق ، لا للمستفِزين ولا للدين ولا للمستفَزّين ، بل ما تزيد الأمور الا تعقيدا ، و تضع العقبات الكؤود في طريق الدعوة والدعاة إلى الله سبحانه.
والاستفزاز في الغالب يتسبب في الاذعار ، وهو تهييج الناس ، و جرّهم الى المواجهة التي نحن في غنية عنها من الأساس ، ولذا لما ارسل النبي صلى الله عليه وسلم حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ليلة الأحزاب ليحسب عدد جيش المشركين قال له ( لا تُذعرهم علينا ) !! أي لا تهيجهم علينا !
قال حذيفة رضي الله عنه ، وقد أبصرت ابا سفيان يصول ويجول بين الصفوف ، فاستخرجت سهما من كنانتي ،ووضعته في كبد قوسي ،ووالله لو رميته لأصبته بين كتفيه ،فذكرت قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لا تذعرهم علينا ) فرددت السهم حيث كان !!

لكن هؤلاء المستفزين يحبون تهييج المجتمع ، واذعارهم ، بأنواع شتى من التصرفات التي يعتقدون أنها حسنة ، أو أنها من السنة دون نظر في العواقب والمآلات ، و دون فقه للموازنات بين المصالح والمفاسد ، والأخطر من ذلك أنهم اذا قيل لهم لا تفعلوا ودعوكم من هذا الاستفزاز الذي ليس له مسوغ شرعي طعنوا في نيتك ، و اتهموك بأنك منبطح للكفار أو للعلمانيين ، وأنك شخص تعطي الدنية في الدين أو تسعى إلى تمييعه !! و اعتبروا أنفسهم الغرباء الذين بشرهم النبي صلى الله عليه وسلم ب ( طوبى للغرباء ) ونزّلوا هذا النص على ذواتهم وأنفسهم ، في خطأ فاحش تأويلا وتنزيلا !!! ( تلك أمانيهم ) .

ولذا على المسلم الذي يريد أن ينفع غيره بالنصيحة والإرشاد وتعليم الخير ، أن يتجنب خلق الحواجز بينه وبين المجتمع الذي يعيش فيه ، مسلما كان أم كافرا ، وأن يفقه فقه التعايش مع الذين يخالفهم عقائديا ، كما يجب أن يعلم أنه توجد مساحات واسعة للالتقاء رغم الخلاف ، كما أنه يجب تصحيح معيار ومقياس التدين عند كثير من الناس ، بحصره في السلوكيات المتعلقة باللباس والمظهر ، فإن المظاهر ليست بشيء أمام الأخلاق والمعاملات ، لأن الدين المعاملة .

والله ولي التوفيق .

شاهد أيضاً

حكم عرض صور المرضى وجثث في أحداث (كورونا)

د. أكرم كساب كاتب ومفكر إسلامي في كثير من الأحيان يكون الهدف عند …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.