أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / تفاوت مستوى التديّن بين الزوجين ..واقع يجب قبوله

تفاوت مستوى التديّن بين الزوجين ..واقع يجب قبوله

بشير بن حسن

مفكر إسلامي.
عرض مقالات الكاتب

مضت سنة الله تبارك وتعالى ، أن أعمال خلقه متفاوتة حُسنا وقُبحا ، صلاحا وطلاحا ، طيبا وخبثا، وقد أقسم على ذلك بأقسام متعددة ، ليأتي جواب القسم مؤَكّدا ، قال عز وجل ( وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّىٰ (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّىٰ (4) ) أي مختلف .
وعلى هذا فالناس ليسوا على قلب رجل واحد ، لا في المعروف ولا في المنكر ، وهذه من حكمة الله جل شأنه ، أن نوّع أحوال العباد ليتحقق التوازن في الكون ، فهي أيضا سنة التنوع والاختلاف، كما في محكم التنزيل ( … وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ  ..) .
ومن هذا التنوع والتفاوت ، تفاوت مستوى التدين بين الأزواج ، فقلّ أن تجد الرجل و زوجته في مستوى واحد تدينا وصلاحا وتقوى ، تارة يكون الرجل أصلح ، وتارة تكون المرأة أصلح ، وهذا أمر طبيعي جدا ، لا عيب فيه ولا حرج فيه ، فإن الله تعالى حدثنا عن أنبياء كرام ، وكانت تحتهم زوجات غير صالحات ، كما هو شأن نوح ولوط عليهما السلام ، ( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ ) .
كما قد تكون المرأة هي الصالحة ، وزوجها طالح ، وهذه امرأة فرعون أبرز مثال على ذلك ، قال تعالى ( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) .
وهذه الأمثلة هي الأبلغ ، لأنها بين من حقق الإيمان وبين من بقي كافرا !! فكيف بمن كانا مؤمنَين ، والإيمان من المعلوم أنه يتفاوت أهله فيه تفاوتا بيّنا .

وهنا بالنسبة لمسألة تفاوت التدين بين الزوجين ،يتحدث عنه على مستويين

المستوى الأول :

ما قبل الزواج ، أي في فترة الخطوبة ،الذي أنصح به أن يكون الاختيار للأقرب تدينا ، وهذا داخل في الكفاءة التي ذكرها الفقهاء في الزواج ، أي مثلا اذا كان الرجل ملتزما الأولى أن يتزوج بملتزمة مثله ، والعكس بالعكس ، و هنا حتى ولو وجد التفاوت فسيكون طفيفا ،لن يشكل عائقا لهما في التفاهم والانسجام .
وعلى هذا لا تنبغي المخاطرة والمقامرة ، بأن يتزوج الشخص من لا يشببه في تدينه فيحصل من المشاكل والنفرة ما يؤول بالعلاقة الى الطلاق والفراق ، كما هو مشاهد عند بعض الناس .

المستوى الثاني :

أن يطرأ التدين طروءا بعد الزواج ، كأن يتزوج الاثنان وهما غير ملتزمَين ، فيلتزم أحدهما ، قبل الآخر ، الزوج أو الزوجة ، وهنا تكون الوضعية أكثر تعقيدا ، لماذا ؟
لأنه في الغالب اذا بدأ الشخص في التدين ، و أعلن توبته الى الله ، فإنه تعتريه ما سماها النبي صلى الله عليه وسلم بالشِرّة ، أي الاندفاع والحماسة ، جاء في الحديث ( إن لكل عمل شِرّة ولكل شِرّة فترة ” أي فتور ” فمن كانت فترته الى سُنة فقد اهتدى ومن كانت فترته الى غير ذلك فقد ضلّ ) رواه أحمد بإسناد صحيح.
و اذا لم يدرك المتدين منهما أن الأمر ليس بيده بل بيد الله ، وأن هداية الآخر هي بتوفيق الله ، فمهما بذل من جهد لينصح ويأمر وينهى فلن ينجح الا بإرادة الله عز وجل : كما قال وهو أصدق القائلين( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين ) .
ولا يعني ذلك أن هذا الطرف المتدين لا يوجّه الطرف الآخر ولا ينصحه ، أبدا ، بل هو واجب عليه عملا بقول الباري جل في علاه ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ….) وبقول النبي صلى الله عليه وسلم ( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته ) ، ولكن ما حدود هذه المسؤولية ؟؟ وكيف تكون وقاية الأهل من النار ؟؟
ههنا مكمن الداء ، ومربط الفرس ، لأن الأمر لا يتوقف على الإخلاص والحرص والخوف من المحاسبة يوم القيامة عنهم ،بل يتعلق أيضا بكيفية دعوتهم ونصحهم و ارشادهم ، وفي هذا المقام لا يصلح الا إستعمال الرفق واللين والصبر الكثير ، على الآخر ، وكثرة دعاء الله والإلحاح عليه في هدايته ، وقد أرشدنا القرآن الكريم إلى الطريقة المثالية في التعامل مع الأهل عند تفاوت التدين ، قال سبحانه (  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ ۚ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (14) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ ۚ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ  ….)
وقد ذكر غير واحد من المفسرين ، أن هذه الآيات الكريمة نزلت في أقوام تخلفوا عن الهجرة إلى المدينة واللحوق بالرسول صلي الله عليه وسلم ، ففاتهم خير كثير كالعلم والغزو ونحو ذلك ، فانطلقوا يشتمون أهليهم ويعاتبونهم ويلومونهم ، فأنزل الله هذه الايات ، ولاحظ ما أمر الله به أن نعامل به الأهل والأسرة ، ( وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ  ) !! عفو و صفح و مغفرة ،وكل مقام له معناه ، فالعفو إسقاط العقوبة عن الجاني ،والصفح إسقاطها مع عدم الامتنان عليه بذلك، والمغفرة التجاوز عنه دون ذكر الخطأ أصلا له أو لغيره من الناس !!
فأين هذا المنهج ، مما عليه كثير من الناس اليوم ، حيث يتحول المتدين (ة) الى وحش كاسر مع الطرف الآخر، يبرد في علاقته ، ويصاب بالجفاء والقسوة ، و غلظة القلب ، بدعوى الغيرة على الدين وأن الآخر لا يخاف الله !!
والسؤال هنا أوجهه وبكل جرأة : كيف كنتَ أو كنتِ قبل الزواج به أو في أول مرحلة الزواج ؟؟؟
أنسيت نفسك كيف كنت ؟؟ ارجع الى ماضيك وان شئت انظر الى صورك القديمة ، حتى تعلم من أين أتيت ؟؟
عجيب والله حال هؤلاء ، الذين ينسون ماضيهم ،وكأنهم ولدوا أتقياء أتقياء !! وفي ذلك يقول الله تبارك وتعالى ( كَذَٰلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ۚ  ) !!

وقال أيضا (  ۗ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ) فقال ( أَتَصْبِرُونَ ۗ ؟ ) فلا بد من الصبر على الآخر ،مهما كان الوضع ،خاصة إذا كان بينهما أبناء فإن الأمر أكثر تعقيدا ، لأن أخذ القرار بالمفارقة يعني ضياع الأسرة وتشتيت الأولاد ، خاصة في عصرنا هذا !!
ولكن كيف تفعل حين يصغي هذا المتدين (ة) لعلماء السوء ،وفقهاء البدو ، الذين لا يجاوزون مجرد حفظ النصوص دون فهمها ولا تاويلها ،فضلا عن معرفة تنزيلها !!
يذهبون إلى مشايخ ” الدمار والتدمير ” يستفتونهم في وضعهم ، فإذا بهم يفتونهم بالطلاق ، دون نظر في العواقب والمآلات ، بدعوى أن هذا المتدين (ة) لا يجوز أن يبقى مع تارك الصلاة لأنه كافر !! في مخالفة لأقوال جماهير العلماء قديما وحديثا ، ( أعرف أحاديث ترك الصلاة جيدا لا تقلق ) ،والتي حملوها على الكفر العملي الذي لا يخرج من ملة الاسلام ، أو أفتوه بوجوب طلاق المرأة لأنها غير محجبة ، وإلا كان” ديوثا ” ولا أدري هل فقهوا معنى الديوث أم لا ؟؟ فقد فسره العلماء بأنه الذي يقرّ الفاحشة أي الزنا في أهله !! وهل هذه الغير المحجبة زانية ؟؟ سبحانك هذا بهتان عظيم !! وهل يعني أنها غير محتحبة أن سيرتها سيئة ؟؟
وهل اذا كانت محتجبة فقد تقلدت تاج العفاف ؟؟؟
إن هؤلاء يعيشون خارج السياق ، ولذا أنا لا أقلل من شأن الحجاب ، كما لا اعتبره عنوانا للصلاح والتقوى مطلقا ، كما لا اتهم الغير المحجبة في عرضها أو شرفها ، فإن ذلك من القذف ،والقذف من السبع الموبقات المهلكات !!

ولكن دعونا نكون أكثر واقعية وصراحة ، وانا اعرفهم جيدا، إن هؤلاء ” الملتزمين ” أذا شدد الواحد منهم على امرأته في لبس الحجاب فليس هو من باب الخوف عليها من عذاب الله دائما ، بل هو الخوف من العار والفضيحة أمام أقرانه وأصحابه ، من أن يقال انه ديوث أو أنه” لا يحكم في امرأته ” !!
إذن صارت مطالبتها بالحجاب ليست لله بل لأنظار الناس ،وخوفا من ألسنتهم !! وهل هذا هو الإخلاص والتوحيد ؟؟؟
لا أبدا……
إن قضية تفاوت التدين بين الأزواج اذا لم نحسن فهمها واستيعابها ، وحسن الترشيد فيها ، ستكون من الأسباب المضافة الى قائمة أسباب الطلاق ،الذي حطمنا فيه الأرقام القياسية ، وجاوزنا حتى المجتمعات الغربية !

ولذا حتى لا أطيل عليكم أيها القراء الكرام، الصبر الصبر، و العفو العفو، والصفح الصفح، والمغفرة المغفرة ،واللين اللين ، و صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال

( عليكم بالرفق فنا كان الرفق في شيء إلا زانه ولا نزع من شيء إلا شانه ) وقال أيضا ( إن الله يعطي على اللين ما لا يعطي على العنف ) .

شاهد أيضاً

هل نصبح تحت سطوة الذكاء الاصطناعي.. بعد كورونا؟

ياسر الحسيني كاتب وإعلامي سوري في إحدى التغطيات الإخبارية عن جائحة كورونا ، …

تعليق واحد

  1. كما ذكر الكاتب فإن الديوث الذي يقر الفاحشة في أهله. او الخبث .
    والخبث أعم من الفاحشة .
    اذ يدخل فيه التعري ويدخل مادون الزنى ويدخل فيه الميوعة والتهتك …الخ

    ويكون الرجل ديوثا كاملا ان علم بزنى زوجته فأقرها أي رضي بفعلها أو حتى سكت .
    وأما إذا علم عنها مادون الزنى مما ذكرناها فرضي أو سكت ففيه دياثة بقدر سوء الفعل المسكوت عنه .
    لكن كيف ينفي الرجل عن نفسه صفة الدياثة ان علم بارتكاب زوجته الفاحشة أو مادونها من سوء .؟

    الجواب بأن لا يرضى .
    والجواب كما ترى واسع جدا
    فغضبه عليها وتنبيهها وتحذيرها درجة
    وهجرها وعدم الكلام معها درجة
    وضربها درجة
    وتطليقها درجة .

    المهم أن لا يسكت .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.