أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / ثورات الربيع العربي ومستقبل المنطقة 3 من 5

ثورات الربيع العربي ومستقبل المنطقة 3 من 5

أحمد الهواس

رئيس التحرير

عرض مقالات الكاتب

ألقي هذا البحث في مدريد 26-6-2019

الولايات المتحدة وثورات الربيع العربي:

بدا الموقف العربي منقسمًا حول موقف الولايات المتحدة الأمريكية من ثورات الربيع العربي، فالأنظمة وأتباعها ومثقفوها ونخبها ادّعوا أن أمريكا دعمت هذه الثورات بغية تدمير العالم العربي، وأن تشيع فيها الفوضى الخلاقة، والغاية تقسيم المقسّم وأنّ الربيع العربي مؤامرة أو كما يصفها أحد المدافعين عن الأنظمة العربية ويرى في الثورات ربيعًا عبريًا “الآن يتبادر في ذهنكم الكلام عن مؤامرة خارجية وما إلى آخره، وحقيقة الأمر لم يعد فينا أحد لا يعرف الدور التآمري لدول كبرى في منطقتنا خلال ثورات 2011م” [1]

في حين كان لسان حال الثوّار العرب أن أمريكا وقفت ضد الثورات العربية، وأنها تعاملت بأسلوب خادع للثورات العربية التي لم تكن تعلم بها، وأنها تهدد البناء العربي الرسمي، ولذلك حرصت على إجهاض تلك الثورات، “أن الولايات المتحدة التي أجمع الكل على أنها تتبع سياسة النفاق السياسي بالمنطقة، أنها حاولت أن تحمل العصا من المنتصف في موقفها من التحولات الجارية بالمنطقة لتنظر إلى ما يمكن أن تؤول إليه الأمور، لتبدأ سياسة التقرب نحو ما يتجسد من مواقف نهائية على الأرض، وهذا ما تشهد عليه الأوضاع في مصر، فواشنطن بعد أن أيدت انتخاب مرسي الذي جاء في أعقاب الثورة ضد دكتاتورية مبارك انقلبت على مرسي وأيدت عزله بعد ذلك”. [2]

“هل كانت أمريكا وإسرائيل حاضرتين في هذا المخطط؟ لا نستطيع تأكيد ذلكَ ولكنَّ لا يستطيع أحد أن يدحضه. ولكنَّ بعض الدول العربية كانت حاضرةً بقوَّةٍ في هذا المخطَّط، والدَّليل عَلى ذلكَ، إذا لم يكن لدينا أيُّ دليلٍ، هو طريقة حضورها في المشهد المصري بعد فوز الإخوان. ولكنَّ الحقيقة التي كشف عنها وزير الدِّفاع الأمريكي روبرتچيتس هي أنَّهُ «تلقى مكالماتٍ شخصيَّة من عدد من زعماء دولٍ خليجيَّةٍ، وضغوطهم المبكرة لمنع الإطاحة بنظام مبارك، والحيلولة دون وصول الإسلاميين للحكم”. [3]

يرى كثير من السياسيين أنّ الولايات المتحدة قد فوجئت بالثورات العربية، بل إنّها وضعت خططًا تجاه تلك الثورات بما يتناسب مع كل بلد، ففي الوقت الذي استطاعت الدولة العميقة أو دولة العسكر قيادة الثورة المضادة في مصر، فإن ذلك لم يكن متاحًا في سورية، لهذا دعمت النظام الطائفي، وسمحت لقوى إقليمية بالتدخل وقوى كبرى كذلك ثم صنعت حلفًا لحرب “داعش” في حين تركت النظام ومن معه بل مدّته بأسباب البقاء حين أبقت له الشرعية كنظام قائم، علمًا أنّه سقط بالشرعية الثورية بوصف الشعب مصدر السلطات، وقيام الائتلاف واعتراف 125 دولة به ممثلًا شرعيًا وحيدًا كان يكفي لإنهاء وجود النظام بشكل قانوني وسياسي. ” قامت السياسة الأميركية على تحويل اتجاه هدف الثورة السورية من سقوط نظام الأقلية الطائفي المستبد وإقامة دولة النظام الديمقراطي والمواطنة لكل السوريين إلى نزاع أهلي طائفي وحرب ضد التطرف والعنف والإرهاب؛ لدفع الشعب السوري إلى الموازنة بين الأمن وبين الفوضى والاضطراب في عهد الثورة، بغية إعادة إنتاج النظام من خلال قيام الإدارة الأميركية بالترويج والتسويق السياسي والدبلوماسي، والإعلامي للحل السياسي والتأكيد على استحالة الحل العسكري، والحسم من قبل طرف عبر الإصرار على تطبيق بيان جنيف 1″. [4]

الثورات المضادة:

كما أسلفنا فإن أمريكا لم تكن راغبة بالتغيير في العالم العربي، بل نستطيع أن نقول بكل ثقة – نتيجة الأحداث التي جرت – إن أمريكا تحارب الديمقراطية في العالم العربي، وتحرص على النظم المستبدة، كما تحارب التجارب النهضوية التي مرّت على المنطقة ومنها – العراق – فالديمقراطية تأتي بحاكم يستمد شرعيته من الشعب، وأمريكا تريد حكامًا شرعيتهم بمقدار رضاء عنهم.

هددت الثورات العربية – كما أسلفنا – البناء الرسمي العربي، وهذا يعني أن خللًا سيحصل في هذا البناء المحكم، وأن وجود إسرائيل بات مهددًا بالبقاء، فانتقلت إلى أمرين:

الأول: العمل على الانقضاض على ثورات الربيع أو ما بات يُعرف بالثورات المضادة.

والثاني: تحريك إيران لتعبث بالمنطقة وترتكب أبشع الجرائم مما يكسر الحاجز النفسي تجاه الصهاينة والذين سيبدون حمائم سلام أمام جرائم إيران، وتحويل الصراع مع الصهاينة إلى صراع سني شيعي، وصناعة تنافر مجتمعي سيؤدي إلى كانتونات طائفية ومذهبية هشّة في المنطقة.

ويذهب عدد من الخبراء والسياسيين أنّ الثورة المضادة بدأت بعد سقوط الرؤوس الهشّة في الأنظمة القوية، وأنّ هذه الثورات المضادة كانت تتحين الفرصة فقط للانقضاض على الثورة وأن ثمة تمويلًا قد تلقته تلك الفئات من أنظمة دعمت – فيما بعد – دموية تلك الثورات المضادة، ومنها نظام أبوظبي، “فقد دعمت إمارة أبوظبي مُبكرًا قوى الثورة المضادة في مصر وليبيا واليمن، علي سبيل المثال، من خلال الأذرع المالية والأمنية والعسكرية والسياسية للأنظمة التي ضربتها أمواج الثورات، حيث آوت عددًا هائلًا من القيادات التابعة للنظام القديم بدول الثورات العربية، وشكّلت بشكل سريع غرف عمليات معقّدة لإجهاض تلك الثورات وضرب المسارات الانتقالية، وإعادة المنظومات القديمة إلى سدة الحكم”. [5]

وقد جاء الانقلاب على الرئيس المنتخب محمد مرسي فاتحة للثورات المضادة، وقد اتخذ أسلوبًا خادعًا من حيث خلق أزمات كبيرة من قبل الدولة العميقة التي تسيطر على مفاصل الدولة المصرية، وشيطنة جماعة الإخوان المسلمين وتخويف الشعب المصري، وتصنيع منظمة مخابراتية تخفت تحت اسم تمرد تعمل على تهيئة الرأي العام لإسقاط حكم مدني منتخب مع ضخ إعلامي هائل عمل على صناعة فوبيا الإخوان وضياع الدولة المصرية على أيديهم. يرى الكثيرون وهمًا أنَّ الانقلاب عَلى حكم الإخوان، وإسقاط حكم الإخوان كانت نتيجة لإخفاقهم في السلطة، أو لكذبهم في وعودهم، أو لأنَّ محمد مرسي وعد بما سُمِّيَ خطة المئة يوم ولم ينجح فيها، أو بسبب الإعلان الدستوري، وقيل بسبب أخونة الدولة، كلُّ ذلكَ لا أساس له من الصِّحة، وما ذلكَ كلُّه إلا الأدوات الظاهرة للحقيقة المضمرة الجاهزة سابقًا قبل نجاح الإخوان فيما لو نجح الإخوان في الوصول إلى السلطة. [6]

بل إنّ الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي رأى أن الثورات المضادة تُدار من غرفة واحدة أطلق عليها غرفة أبوظبي، وأنّ مهمتها العبث بكل مكان وصلت إليه الثورة “غرفة العمليات المضادة للربيع العربي في الإمارات تريد إيقاف كل ما له علاقة بالربيع العربي، واتخذت قرارًا استراتيجيًا على هذا الأساس، ووفرت الرجال والأموال لذلك. بالنسبة لهم يجب تعفين الوضع ومنع عودة التيار الثوري إلى الحكم، وهذه قرارات استراتيجية أعرفها وأنا واثق منها”. [7]

بدا جليًا أن محور – الرياض أبوظبي – يعمل على إجهاض الربيع العربي، خوفًا من انتقال عدوى التغيير إلى بلادهم، فضلًا عن تأدية الدور الوظيفي الذي عُرف عن تلك الأنظمة في تحقيق رغبة أمريكا بإبقاء المنطقة كما تريد أو أن تجعل أهلها يتحسرون على أيام الاستبداد التي ثاروا عليها.

وهذا الأمر بات ينطبق على كل دول الثورات حيث التدخل الإماراتي السعودي، وإن بدا الإماراتي أكثر وضوحًا، وبغية ألا تمتد الثورات إليهم ولكي يجعلوا من شعوب الثورات عبرةً لشعوبهم ولهذا أطالوا عمر مأساة الشعب السوري، “كانت الأنظمة العربية طوال السنوات الثماني الماضية تتهافت على أخبار المجازر والدم في سوريا، إذ كانت دماء أطفال سوريا تهبط بردًا وسلامًا على حكام العرب، لأن تلك الدماء هي الطريقة الوحيدة لتخويف الشعوب من التغيير”. [8]

ولم يتوقف الأمر على إجهاض الثورات العربية بل وصل الأمر إلى حربٍ خفية تارةً علنية تارةً أخرى طالت الدول التي تعاطفت مع الثورات العربية، وكادت تلك الدولة أن تفقد استقلالها، كما حصل لحصار قطر وكاد أن يتطور إلى غزو من جوارها، أو أن تتعرض لاحتراب مجتمعي داخلي يهدد وحدتها السياسية وهو ما حصل لتركيا من انقلاب فاشل، ومن ثم حرب اقتصادية طالت الليرة التركية والاقتصاد التركي بشكل عام، وهو الاقتصاد الأسرع نموًا في العالم بعد الصين، ويحتل المركز السابع عشر عالميًا كقوة اقتصادية.


[1] فادي زغيب، بعد ثمانية أعوام من الربيع العبري كسينجر يصحح العدالة الإلهية بالشرق الأوسط، الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية والاستراتيجية.

[2] صحيفة الراية القطرية، جدل حول الموقف الأمريكي من ثورات الربيع العربي وتحولاتها , 17- 6- 2014

[3] د. عزت السيد أحمد، خنقوا مرسي ليخنقوا الأمل في أول الطريق، موقع رسالة بوست 19- 6- 2019

[4] د. قصي غريب، السياسة الأميركية تجاه الثورة السورية، 23- 2- 2016 مركز الشرق العربي، لندن.

[5] د. جمال نصّار، أبوظبي ودعم الثورات المضادة، بوابة الشرق , 11- 4- 2019.

[6] د. عزت السيد أحمد، خنقوا مرسي ليخنقوا الأمل في أول الطريق، رسالة بوست , 19-6- 2019

[7] – الرئيس المنصف المرزوقي: الإمارات غرفة عمليات أفشلت الربيع العربي وأراقت الدم التونسي، موقع ليبيا المختار الإخباري.

[8] محمد عايش، ستفشل هذه المرّة، القدس العربي، 15- 4- 2019

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

نوال السعداوي: نموذج للنُّخب الفكريَّة من أرباب الماسون 2 من 6

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. استهزاء صريح بالإسلام وأحكامه …