أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / كما تكونوا يوّلى عليكم أم كما يوّلى عليكم تكونوا؟

كما تكونوا يوّلى عليكم أم كما يوّلى عليكم تكونوا؟

د. فيصل القاسم

كاتب وإعلامي سوري.
عرض مقالات الكاتب

لا يمكن لشعوب سافلة منحطة أن تختار حكاماً حضاريين إنسانيين وطنيين، لأن الحكام السافلين أنفسهم هم من صنع الشعوب الوضيعة. الحاكم كما علمتنا الأدبيات الدينية والسياسية هو ليس فقط نتاج المجتمعات بل هو صانعها أيضاً. وبالتالي من الخطأ الفادح القول: “كما تكونوا يولى عليكم”، لأن المجتمعات والشعوب لا تصنع نفسها بنفسها، بل إن النخبة الحاكمة والمسيطرة في المجالات كافة هي من تصنع المجتمع كما يصنع الخبار من العجينة كل أنواع الخبز والمعجنات. الشعوب عبارة عن عجينة فعلاً تستطيع أن تصنع منها ما تشاء، وبالتالي إذا فسدت الشعوب فليس لأنها سيئة أو تحب الفساد والانحراف والسفالة. لا بداً، بل لأن حكامها وحكوماتها أرادت لها الاتجاه في هذه الاتجاه أو ذاك. ولا ننسى أن الناس في نهاية المطاف هم نتاج الأنظمة السياسية والاقتصادية والثقافية والتربوية والتعليمية والدينية والإعلامية للحكومات، على مبدأ الكومبيوتر: “أدخل زبالة تأخذ زبالة”. باختصار فإن الأنظمة والحكام هم من يصنعون المجتمعات والشعوب وليس العكس.

النظام الفاسد يصنع مجتمعاً فاسداً يناسبه، والنظام الصالح ينتج نظاماً صالحاً يناسبه. وحتى لو كان هناك مجتمع يميل إلى الخير أكثر من الشر والفساد، غالباً ما يلجأ النظام الفاسد إلى إفساد المجتمع والشعب كي يستطيع العيش فيه ومعه. وهذا ما حصل في سوريا على سبيل المثال لا الحصر، فقد اتبع النظام الأسدي منذ وصوله إلى السلطة سياسة “إفساد من لم يفسد بعد” كما سماها المفكر الراحل الطيب تيزيني. لقد مارس النظام سياسة إفساد منظم لأنه هو نفسه أصل الفساد والسفالة والنذالة والسقوط الأخلاقي، أو مطلوب منه من مشغليه أن يكون هكذا ليلعب الدور الوظيفي المناط به لحكم سوريا. وقد أخبرنا المصلح الكبير عبد الرحمن الكواكبي في كتابه الشهير “طبائع الاستبداد” أن لا قيمة للتربية والأخلاق الحميدة تحت ظل الطواغيت، فلو زرعت الفضيلة في قلب أبنائك، فإن النظام الغاشم سيقتلعها وسيزرع مكانها كل أنواع الرذيلة. بعبارة أخرى السوريون ليسوا سيئين بطبعهم، بل إن النظام أفسدهم تنفيذاً لمخطط مدروس يُرضي الذين جاءوا بالنظام إلى السلطة في سوريا وينفذ مخططاتهم.

لاحظوا مثلاً ماذا صنع الزعيم الماليزي مهاتير محمد من الماليزيين الفقراء غير المتجانسين عرقياً، لقد جعل منهم دولة لها مكانتها في العالم بين الكبار. لماذا؟ لأن الرجل يحمل مشروعاً خيراً وحضارياً، وكان همه النهوض ببلده وشعبه وليس تحويل الشعب إلى ثلة من الساقطين والسافلين والفاسدين كما فعل حافظ الأسد ومن بعده ابنه في سوريا مثلاً. وبالمناسبة عندما زار مهاتير محمد سوريا في الخمسينات قال قولته المشهورة: “سأجعل من ماليزيا سوريا أخرى”، لأن سوريا كانت في ذلك الوقت مثلاً يحتذى في التقدم والديمقراطية والحضارة، لكنها أصبحت رمزاً للفساد والسقوط بعد أن استلمها آل الأسد ليحولوها إلى مضرباً للمثل في الانحطاط، ومن ثم دمروها وشردوا شعبها بعد أن حاولت أن تنفض عن نفسها غبار الفساد والحقارة والقذارة والسفالة والنذالة الأسدية التي كانت مفروضة عليها بقوة السلاح والحديد والنار.

قارنوا أيضاً بين تركيا قبل أردوغان وتركيا بعد أردوغان. لقد انتقل البلد خلال فترة وجيزة من حكم حزب العدالة والتنمية من مصاف البلاد المتخلفة إلى مصاف الدول المتقدمة، وصارت تركيا رقم ١٧ على مؤشر الاقتصاديات العالمية القوية، بينما كانت إسطنبول أكبر مدينة تركية قبل ذلك تفوح منها الروائح الكريهة لأنها لم تمتلك وقتها شبكة صرف صحي. وحتى الإنسان التركي نفسه لم يكن محط احترام وإعجاب العالم قبل قدوم أردوغان، لكن تركيا أصبحت رقماً صعباً خلال فترة وجيزة، وصار التركي يحظى باحترام كبير على الساحة الدولة، وصارت تركيا منارة في التقدم البشري والحضاري والعلمي، لأن الحزب الحاكم والقائد أرادا انتشالها وانتشال شعبها من قاع التخلف إلى سنام الحضارة. ولولا حزب العدالة والتنمية ولولا أردوغان لما صارت تركيا على ما هي عليه الآن. وبالتالي يجب أن نقلب القول الشهير: “كما تكونوا يولى عليكم” رأساً على عقب ليصبح: “كما يولى عليكم تكونوا”.

هل نلوم السوريين الذين يصفقون للنظام بعد أن قتل وشرد الملايين ودمر سوريا؟ أم نلوم النظام نفسه الذي أنتج هذه الحثالات التشبيحية المجردة من كل القيم والأخلاق والنواميس الإنسانية. “إذا كان رب البيت للدف ضارباً فشيمة أهل البيت كلهم الرقص”. هذه هي أخلاق وقيم النظام الحاكم، فلا عجب أن يكون مناصروه وأتباعه من الطينة نفسها ثلة من الأوغاد والأنذال والسافلين والساقطين يصفقون لاستخدام السلاح الكيماوي ضد أشقائهم في الوطن ويرقصون ويشربون نخب حرق المدن وتهجير الملايين.

لا حظوا اختلاف القيم والأخلاق بين إسرائيل والنظام السوري مثلاً. إسرائيل احتفلت باسترجاع ساعة كوهين الجاسوس الإسرائيلي المدفون في سوريا، وربما يفوز نتنياهو بالانتخابات تقديراً له إذا استرجع جثمان الجاسوس، بينما بشار الأسد يعتبر تشريد واعتقال نصف الشعب السوري وقتل الملايين نصراً مبيناً ويحتفل بذلك ليل نهار، بينما نصف شعبه لاجئ أو نازح أو مقتول أو معتقل. على العكس من ذلك، الإسرائيليون يكرمون حكومتهم على استرجاع جثة مواطن لأنهم يقدرون الإنسان الإسرائيلي ويحافظون على كرامته وخصوصيته، وفيما لو نجح رئيس الوزراء في استرجاع جثة الجاسوس سيكافؤونه بالتصويت له للفوز بالانتخابات، لأنهم يعتبرون استرجاع جثة شقيقهم في الوطن قيمة أخلاقية وإنسانية وسياسية عظيمة، بينما على العكس من ذلك فإن مؤيدي بشار الأسد وعصابته يصفقون له على تدمير سوريا وتهجير أشقائهم في الوطن وحرق الأخضر واليابس في البلد، لأنهم يعتبرون الوحشية والنذالة والقذارة والسفالة والهمجية قيمة عظمى، لأن هذه هي أخلاقهم وأخلاق رئيسهم ونظامهم. قارنوا بين المخابرات السورية التي تتفنن في إهانة وتعذيب الإنسان السوري، بينما تعمل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية ليل نهار لاسترجاع جثة إسرائيلي وتكريمه ودفنه في بلده، أو لإنقاذ مخطوف حتى لو كان في أقاصي الدنيا. نتنياهو يحاول استعادة المدفون ليكرمه، بينما بشار وجيشه وزبانيته ينبشون قبور السوريين لينتقموا من الموتى وأهلهم وليثبتوا للعالم أن هذا النظام ومؤيديه لا ينتمون للبشرية ولا حتى للحيوانية.

لقد قالها الفيلسوف الصيني الشهير كونفوشيوس منذ زمن بعيد: “إذا صلُحَ الحاكم فمن يجرؤ على الفساد؟” لا أحد طبعاً، لأن الثلم الأعوج من الثور الكبير، ولأن غسيل الدرج يبدأ من الأعلى إلى الأسفل، ولا ننسى أن الناس على دين ملوكها. وعندما يرى المواطن البسيط أن النظام يسرق البلد، فلا شك أنه سيتحول هو نفسه إلى حرامي. وَإِنَّمَا الأُمَمُ الأَخْلاقُ مَا بَقِيَتْ * فَإِنْ هُمُ ذَهَبَتْ أَخْلاقُهُمْ ذَهَبُوا.

هذا المقال منشور بإذن خاص من الكاتب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الشرق الأوسط الكبير وعودة ظاهرة الأحلاف!

صلاح قيراطة كاتب وباحث سياسي كنت جريئاً عندما كنت سبَّاقاً وربطت بين  الربيع …