أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / مكائد الاستشراق للطَّعن في الإسلام وتبرير محاربته: برنارد لويس نموذجًا 4 من 5

مكائد الاستشراق للطَّعن في الإسلام وتبرير محاربته: برنارد لويس نموذجًا 4 من 5

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

أشهر ما كتب لويس للطَّعن في الإسلام: أزمة الإسلام: الحرب الأقدس والإرهاب المدنَّس (2003)

يتناول هذا القسم من المقال ترجمة حازم مالك مُحسن لكتاب Crisis of Islam: Holy War and Unholy Terror (2003)، الذي يعدُّ من أكثر كتب لويس تعبيرًا عن نظرته الدونيَّة للإسلام وأهله. أصدر المترجم النسخة العربيَّة عام 2013 ميلاديًّا تحت عنوان أزمة الإسلام: الحرب الأقدس والإرهاب المدنَّس، مع عنوان فرعي، هو “رؤية المحافظين الجُدد واليمين الأمريكي للإسلام المعاصر”. ويعتبر المترجم أنَّ أحداث 11/9 من عام 2001 ميلاديًّا تاريخًا فاصلًا في مسيرة صراع العالم الغربي مع العالم الإسلامي، حيث تبع تلك الأحداث هيمنة أمريكيَّة تامَّة على العالم الإسلامي، بدعوى محاربة الإرهاب، الذي يجده الغرب متأصِّلًا في العقيدة الإسلاميَّة. تغيَّرت نبرة الغرب في الإعلام تجاه المسلمين، نتيجةً لاتِّخاذه مواقف سياسيَّة قاسية تجاههم، اتَّخذت شكل حروب واسعة النطاق في كلٍّ من أفغانستان والعراق. وانقسمت الآراء بعد الأحداث التي هزَّت العالم، ما بين اعتبار ما حدث عقوبة إلهيَّة على ما اقترفه الأمريكيُّون في العالم الإسلامي من انتهاكات، والحذر من تكرار تلك العمليَّة المدمِّرة المنفَّذة ضدَّ أبرياء لا ذنب لهم فيما حدث.

تباينت الآراء حول هويَّة الفاعل، وكان الأصوليُّون الإسلاميُّون المتَّهم الأول، وربَّما أسهمت الدعاية السلبيَّة لهذه الشريحة، ولعقيدة الجهاد في الإسلام، في تثبيت ذلك الاعتقاد. في حين ذهب آخرون إلى استنتاج أنَّ الولايات المتَّحدة ذاتها هي الفاعل الحقيقي؛ والمصلحة في ذلك واضحة، وإن كانت قد مُنيت بخسائر بالغة. منحت أحداث 11 سبتمبر للولايات المتَّحدة ضوءً أخضر للهجوم على المنطقة العربيَّة الإسلاميَّة من أجل “إعادة رسم خارطتها السياسيَّة، بالصورة التي تشرذم شعوبها، وتقسِّم دويلاتها إلى كيانات سياسيَّة أصغر مما هي عليه الآن، وفرض التبعيَّة إلى الولايات المتَّحدة عليها” (ص11).

يعرِّف حازم مالك مُحسن الحداثي فؤاد عجمي بأنَّه لبناني “من أصول فارسيَّة”، حصل على الجنسيَّة الأمريكيَّة، وممن نادوا باحتلال أمريكا للعراق، بحجَّة الانتصار للحقوق الإنسان وإنقاذ المستضعفين من الشيعة على يد نظام صدَّام حسين. ساند عجمي سياسات الولايات المتَّحدة في العراق، بما فيها انتهاكات سجن “أبو غريب” (ص23). اعتقد لويس أنَّ احتلال العراق من المنتظر أن يسهم في تحديث الشرق الأوسط وإخراجه من بوتقة التقيُّد بالدين. وادَّعى في كتابه What Went Wrong-أين يكمن الخطأ (2001) أنَّ كتاباته بدأ تؤثِّر في الرأي العالم الشرق أوسطي، لدرجة أنَّ اجتياح العراق لإسقاط صدَّام حسين صار مرَّحبًا في تلك المنطقة.

يعيد لويس في مقدِّمة الكتاب الإشارة إلى التغيُّر المفصلي في تاريخ العالم الإسلامي بعد إسقاط الدولة العثمانيَّة، وتمزيق أراضيها، وإقامة دولة إسرائيل على الأرض المقدَّسة، مذكِّرًا بما تأسَّف عليه أسامة بن لادن في مقطع مصوَّر بُثَّ عام في 7 من أكتوبر من عام 2001، ميلاديًّا، من معاناة الأمَّة الإسلاميَّة من الهوان والإذلال وضياع الهيبة منذ 80 عامًا من ذلك الوقت، وكان يقصد إسقاط الخلافة عام 1924 ميلاديًّا. تمزَّقت الدولة العثمانيَّة، الجامعة لكافَّة المسلمين تحت لواء واحد، واحتُلَّ إقليم الأناضول من قِبل المستعمر البريطاني والفرنسي، لكنَّه حُرِّر على يد أحد أبناء التُرك، ليس تحت لواء الإسلام، إنَّما من خلال حركة علمانيَّة قوميَّة اشتراكيَّة قادها كمال أتاتورك، الذي سُرعان ما ألغى السلطنة، وأعلن الجمهوريَّة التركيَّة، وأخيرًا ألغى الخلافة الإسلاميَّة. من جديد، يتناول لويس ما تناوله من قبل في مقال License to Kill، مندِّدًا بدعوة بن لادن إلى قتال أيِّ أمريكي وُجد في جزيرة العرب، كما سبقت الإشارة. ويعيج لويس تحليل نفس الأفكار التي ذكرها في مقاله بنفس التفاصيل والأمثلة.

يتناول لويس في الفصل الأول من الكتاب علاقة الإسلام بالمسيحيَّة بنفس طريقة تناوُله لها في مقاله Europe and Islam-أوروبا والإسلام (1990)، الذي فصِّل في الدراسة السابقة عن التبشير والاستشراق، بتحديد السمات المشتركة والاختلافات الجذريَّة. من جديد، نجد المستشرق البارز يقرن الإسلام بالمسيحيَّة واليهوديَّة، باعتبار أنَّ الديانات الثلاث تشكِّل ما يُعرف بالديانات الإبراهيميَّة، لكنَّه يحرص على الإشارة إلى أهم نقطة اختلاف بين المسيحيَّة والإسلام، وهي أنَّ يسوع الناصري-مؤسس المسيحيَّة-قال ما يفيد بفصل الدين عن الدولة، بقوله في إنجيل متَّى “أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ” (إصحاح 22: آية 21)، وفي إنجيل مرقس “أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلّهِ لِلّهِ” (إصحاح 12: آية 17). تجدر الإشارة هنا إلى أنَّ السياق الذي قيلت فيه تلك الآية، بمضمون واحد وعبارة مختلفة، في نفس السياق، وهو محاولة المنافقين من أتباع الإمبراطور هيرودس إيجاد أيِّ زلَّة لسان ليسوع للتنكيل به، والوشاية به إلى الإمبراطور. سأل هؤلاء يسوع إذا ما كان من المفترض دفعهم الجزية للإمبراطور، فأجابهم بما لا يفتح المجال لجدال يؤذيه. والسياق الحقيقي تسرد هذه الآيات في إنجيل متَّى “ذَهَبَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَتَشَاوَرُوا لِكَيْ يَصْطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ. فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ تَلاَمِيذَهُمْ مَعَ الْهِيرُودُسِيِّينَ قَائِلِينَ: «يَا مُعَلِّمُ، نَعْلَمُ أَنَّكَ صَادِقٌ وَتُعَلِّمُ طَرِيقَ اللهِ بِالْحَقِّ، وَلاَ تُبَالِي بِأَحَدٍ، لأَنَّكَ لاَ تَنْظُرُ إِلَى وُجُوهِ النَّاسِ. فَقُلْ لَنَا: مَاذَا تَظُنُّ؟ أَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟». فَعَلِمَ يَسُوعُ خُبْثَهُمْ وَقَالَ: «لِمَاذَا تُجَرِّبُونَنِي يَا مُرَاؤُونَ؟ أَرُونِي مُعَامَلَةَ الْجِزْيَةِ». فَقَدَّمُوا لَهُ دِينَارًا. فَقَالَ لَهُمْ: «لِمَنْ هذِهِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ؟». قَالُوا لَهُ: «لِقَيْصَرَ». فَقَالَ لَهُمْ: «أَعْطُوا إِذًا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا للهِ للهِ»” (إصحاح 22: آيات 15-21). معنى ما قاله يسوع، كما يوضح السياق، هو “اتَّقوا شرَّ القيصر المتهافت على مُلك الدنيا، واعطوه المال الذي يرسم صورته عليه”، والسؤال: أين قال المسيح لا تتقيَّدوا بشرائع دينيَّة، ونظِّموا حياتكم وفق ما تقتضي المصلحة، بلا أيِّ مراعاة لشرع الله الضامن للحقوق والناهي عن الممارسات الضارَّة بالغير؟

يضيف لويس أنَّ المسلمين الأوائل لم يعانوا مما عانى منه المسيحيُّون الأوائل، حيث كانوا مجبرين على عبادة القيصر، مدَّعي الألوهيَّة؛ في حين أثبتت المراجع التاريخيَّة أنَّ هيرودس نفسه اعتنق اليهوديَّة، ولم يكن رومانيَّا في الأصل، بل كان واليًا على أرض يهودا في زمن ميلاد المسيح. أضف إلى ذلك، سُمح لبولس الرسول السفر إلى مختلف أقاليم الإمبراطوريَّة الرومانيَّة لنشر المسيحيَّة، كما قال هو ذاته في رسائله المتعدِّدة إلى مُدن جنوب أوروبا وإلى تلامذته، كما تشير الوقائع التاريخيَّة إلى وفاته وبطرس الرسول في روما عام 66 ميلاديًّا، تقريبًا. سبقت في الدراسة السابقة إلى أنَّ بولس الرسول قد قُتل قتلة بشعة على يد الإمبراطور الروماني، لكنَّ المصادر التاريخيَّة أثبتت أنَّ سبب القتل كان اتهامه والمسيحيِّين معه ممارسة الشعوذة، مما يعني أنَّه مارس دعوته في روما لفترة، وعلى إثر ذلك تقرر التخلُّص منه ومن رفاقه، بغضِّ النظر عن صحَّة الاتهام من عدمها. يعني هذا أنَّ الإجبار على ترك المسيحيَّة كان بعج السماح بالدعوة إليها لفترة.

يعود لويس إلى المقارنة بين النبي مُحمَّد (ﷺ)، وسالفيه النبيِّين موشيه ويسوع، مشيرًا إلى أنَّ مُحمَّدًا حقَّق في حياته ما أراد بتأسيس دولة حكمها ومارس فيها سلطة سياسيَّة كاملة، بينما صُلب يسوع، ومات موسى دون دخول الأرض الموعودة. نسي لويس هنا أن يشير إلى أنَّ بني إسرائيل هم من همُّوا بقتل يسوع، لمَّا اختلف معهم في عقيدتهم، وهذا ما تعترف به الأناجيل، من أنَّ اليهود الفريسيِّين هم من حرَّض على قتل يسوع، وفق ما ذكرته الأناجيل. ونسي كذلك أنَّ بني إسرائيل هم من عصوا الرَّبَّ، فحكم عليهم بالتيه أربعين سنةً، وفق ما جاء في سفر العدد “فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ وَأَتَاهَهُمْ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، حَتَّى فَنِيَ كُلُّ الْجِيلِ الَّذِي فَعَلَ الشَّرَّ فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ” (سفر العدد: إصحاح 32، آية 13)، وما جاء في سفر يشوع “لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَارُوا أَرْبَعِينَ سَنَةً فِي الْقَفْرِ حَتَّى فَنِيَ جَمِيعُ الشَّعْبِ، رِجَالُ الْحَرْبِ الْخَارِجِينَ مِنْ مِصْرَ، الَّذِينَ لَمْ يَسْمَعُوا لِقَوْلِ الرَّبِّ، الَّذِينَ حَلَفَ الرَّبُّ لَهُمْ أَنَّهُ لاَ يُرِيهِمِ الأَرْضَ الَّتِي حَلَفَ الرَّبُّ لآبَائِهِمْ أَنْ يُعْطِيَنَا إِيَّاهَا، الأَرْضَ الَّتِي تَفِيضُ لَبَنًا وَعَسَلًا” (سفر العدد: إصحاح 5، آية 6).

ويبدو أنَّ معرفة لويس بالتاريخ الإسلامي لم تدفعه إلى ذِكر قصَّة هجرة النبي من مكَّة إلى يثرب، وطبيعة معاناته لسنوات حتَّى هدى الله جماعة من قبيلة الخزرج إلى الإسلام، لمَّا رأوا فيه النبي الذي يتوعُّدهم به اليهود من سُكَّان يثرب، حيث عملوا على إخافة أهل يثرب بنبي قرب زمانه سيقتلهم مع اليهود “قتل عاد وإرم”، فسارع نفرٌ من الخزرج بُنصرة النبي مُحمَّدٍ (ﷺ)، قائلين “يا قوم تعلمون والله إنه النبي الذي توعدكم به يهود فلا يسبقنَّكم إليه”. وكان موقف اليهود من بعثة النبي الإنكار والتكذيب، ويصدق في ذلك قوله تعالى في سورة البقرة “وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89).

يقدِّم الإسلام منظومة شاملة تنظِّم الحياة العامَّة والاجتماعيَّة، وهذا لا يتوفَّر في ديانات أخرى. ويرى لويس أنَّ المسلمين ترسَّخ في أذهانهم مفهوم جمْع زعيم القوم بين السلطة الدينيَّة والسلطة السياسيَّة وما تستتبعه من قرارات عسكريَّة. يطرح لويس هنا سؤالًا، هو “هل الإسلام ثيوقراطيَّة”-أي دولة تقوم على الحُكم الديني-والإجابة هي نعم، إذا ما اعتُبر الله مالك المُلك وأنَّ الحاكم خليفة يحكم بما أمر به؛ والإجابة لا، إذا ما كانت الثيوقراطيَّة تعني حُكم مباشر للمؤسسة الدينيَّة. يعتقد لويس أنَّ المؤسسة الدينيَّة لعبت دورًا بارزًا في السياسة في الأزمنة الأخيرة في الإسلام؛ بأن انغمست في ممارسات باباوات روما في القرون الوسطى، بالحُكم بحسب ما يحقق المصالح. ويعتبر رئيس إيران منذ إعلان الجمهوريَّة الإسلاميَّة عام 1979 ميلاديًّا، خير نموذج للحاكم الثيوقراطي في الإسلام في العصر الحديث.

يعرِّف لويس “الأصوليَّة الإسلاميَّة” بأنَّها ليست “حركة واحدة متجانسة”، إنَّما هي “أنواع مختلفة في البلدان المختلفة، بل في البلد الواحد أحيانًا” (ص56). تلقى هذه الأشكال من الجماعات الأصوليَّة دعمًا من أنظمة بعض البلدان الإسلاميَّة لخدمة أهدافها، ولكن أنظمة أخرى تشجِّع التيارات الدينيَّة المحافظة، حرصًا على الحدِّ من تأثيرات الأصوليِّين، ومن ثمَّ دحر حركاتهم. ويعتبر الغرب العدو الأوَّل للأصوليِّين، وإن كانت أهدافهم الأساسيَّة توجَّه ضدَّ دولتهم. وبرغم التأثير الحضاري للعالم الإسلامي على الغرب، وبرغم اعتناق شريحة ليست بالهيِّنة في العالم الإسلامي مفاهيم الغرب، واشتراكهم معه في الخلفيَّة العقائديَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة والأخلاقيَّة، فإنَّ مشاع الكراهية التي يعبِّر عنها قسم آخر من أبناء العالم الإسلامي تجاه الغرب يؤرقه ويضايقه كثيرًا. يلخِّص لويس موقف مسلمي اليوم من الغرب بانقسامهم إلى ثلاث فئات؛ الأولى ترى ألَّا سبيل للتفاهم مع الغرب والتصالح معه، لتعارُض مفاهيمه مع مفاهيم الإسلام، وعداوته القديمة له؛ أمَّا الثانية، فهي ترى في التعاون مع الغرب مصلحة ومنفعة، فتستفيد من منجزاته الفكريَّة والعلميَّة، مع الاحتفاظ بهويَّتها الدينيَّة. في حين تجد الثالثة في الغرب عدوَّها الألد، لكنَّها تحذر محاربة، في انتظار الوقت المناسب لذلك، والمعركة الأخيرة-على حدِّ وصف لويس-معه.

كانت الحضارة الإسلاميَّة في القرون الوسطى حضارة عالميَّة، حققت إنجازات هائلة لا تُنكر؛ بل وأثَّرت علومها واكتشافاتها في الفكر الأوروبي، حتَّى أخذ عنها الأوروبيُّون الكثير في تكوين حضارتهم الممتدَّة إلى اليوم. وبرغم ما أنجزه الفكر الإسلامي من إبداعات يُشهد لها إلى اليوم، فقد ظلَّ مقيَّدًا بأفكار تبدو عدائيَّة، مثل الجهاد. يعتبر لويس أنَّ أمر الله تعالى في القرآن الكريم، في سور مثل التوبة والأنفال والممتحنة، بالجهاد قد أساء المسلمون تطبيقه، وإن كان فريضة نصَّ عليها القرآن. وبرغم أنَّ بعض المفسرين يرون في الأمر بالجهاد المقصود به جهاد النفس في البعد عن المحرَّمات، والالتزام بالطاعات، يعتبر التفسير الأكثر شيوعًا للجهاد، وفق رأي لويس، هو القتال في سبيل الله. يتعجَّب الكاتب من حرص المسلمين على محاربة “الكفَّار والمرتدِّين” وحدهم، بينما يأمر الشرع الإسلامي بقتال هذين الصنفين، ولكن معه العصاة وقطَّاع الطرق. ويذكر لويس دعوة بن لادن، التي نشرتها جريدة القدس العربي في فبراير من عام 1998 ميلاديًّا، كمثال للدعوة إلى الجهاد، بما يعرِّض أرواح الأبرياء إلى الخطر. سبق التعليق على دعوة بن لادن، وإبداء أسباب عدم مشروعيَّتها، وأهم تلك الأسباب إثارة الفتنة، وإشاعة الفوضى، وتعريض أرواح المسلمين-المفترض أنَّ دعوة بن لادن في صالحهم-إلى خطر مماثل؛ لأن الخصم سيردُّ من جانبه. والأهم من ذلك، نهى النبي عن السعي إلى لقاء العدو، في حديثٍ في صحيح البخاري وصحيح مسلم “يَا أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ وَاسْأَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ”.

إذا كان لويس يرى في آيات الجهاد في القرآن الكريم تحريضًا غير مباشر على العُنف، فكيف لنا أن نقرأ الآيات (15-17) في الإصحاح 24 من سفر العدد، التي تعد ببطش بني إسرائيل بجميع الأمم، بعد ظهور المخلِّص الذي سيُردي “كلَّ بني الوغى”؟ وكيف لنا كذلك أن نقرأ وعد الربِّ لبني إسرائيل في مخطوطة حرب أبناء النور ضد أبناء الظلام، بتأييدهم ومع ملائكته في حربهم ضدَّ سائر الأمم في آخر الزمان، في معركة تدور في دمشق، التي يعودون إليها بعد عودتهم من “صحراء الأمم”؟ وكيف نفهم كذلك أمر الربِّ في مخطوطة الهيكل بعرض السلام على الأمم التي يغزوها بنو إسرائيل، وبإبادتهم إبادة جماعيَّة في حال عدم الاستجابة؟ وكيف يبدو أمر الربِّ بعدم عرض السلام على أيِّ أمَّة من الأمم التي أعطاها لبني إسرائيل ميراثًا: “…ولكن بالنسبة إلى مدن الشعوب التي أعطيتكم إيَّاها ميراثًا، عليكم ألَّا تدعو فيها حيًّا أيَّ مخلوق كان، في الحقيقة عليكم محق الحثيين والآموريين، والكنعانيين والحيوتيين، واليبوسيين، والجرجاشتيين والبيرزيتيين محقًا كاملًا، حسبما أمرتكم، حتَّى لا يعلِّمونكم ممارسة الضلال الذي مارسوه نحو أربابهم…” (مخطوطة الهيكل: 62)؟ أليس من العنصريَّة اعتبار بني إسرائيل وحدهم “أبناء النور”، بينما يُعتبر أبناء الأمم الأخرى “أبناء الظلام”؟ والسؤال الأهم، ما مدى مشروعيَّة الأمر بإبادة الأمم التي أُعطيت أرضها ميراثًا لبني إسرائيل، أي المذكورة في سفر التكوين “لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات” (سفر التكوين: إصحاح 15، آية 18)، إذا كانت هناك دلائل على بُطلان عهد الربِّ لأبرام العبراني، من العهد القديم قبل القرآن الكريم؟

يدَّعي لويس أنَّ النبي أعلن الجهاد على أهل قريش فور هجرته إلى يثرب-التي تحوَّل اسمها إلى المدينة المنوَّرة حينها-وتأسيسه دولة صار زعيمها. يكفي الاستشهاد بما ذكرته موسوعة ويكيبيديا الرقميَّة عن سبب غزوة بدر، أولى غزوات النبي في المدينة، “من المؤكد أنه حين خرج الرسول محمد من المدينة لم يكن في نيته قتال، وإنما كان قصده عيرَ قريشٍ التي كانت فيها أموالٌ كان جزءٌ منها للمهاجرين المسلمين من أهل مكة، وقد استولت عليها قريش ظلمًا وعدوانًا“. ويسرد لويس كيفيَّة توسُّع الإسلام في المناطق المجاورة للجزيرة العربيَّة، ووصوله في سنوات معدودة إلى الشام وفارس ومصر واليمن، بالإيحاء بأنَّ عقيدة الجهاد كانت وراء شحذ الهمم، ومنح المبرر والدافع للقتال، متجاهلًا عداء الأمم غير المسلمة لرسالة الإسلام، وتآمرها على المسلمين سرًّا وعلنًا، وسعيها المستمر لإخماد جذوة الدين بالمعاندة في الكُفر ونشر العقائد الباطلة. لا يشير لويس إلى أنَّ أول فتح للمسلمين خارج الجزيرة العربيَّة كان في حياة النبي، حينما بعث الحارث بن عمير الأزدي -رضي الله عنه-إلى أرض البلقاء في الشام لدعوتها إلى الإسلام، فقتله واليها المعيَّن من قِبل قيصر الروم، فأمر الرسول بشنِّ غزوة مؤتة. يذكر لويس يذكر في مقاله ترخيص بالقتل: إعلان بن لادن الجهاد، الذي نشرته مجلَّة الشؤون الخارجيَّة-Foreign Affairs في عددها 77، الصادر في نوفمبر/ديسمبر عام 1998 ميلاديًّا:

أي “من الواضح أن الغرب يتحتَّم عليه الدفاع عن نفسه بأيِّ وسيلة تثبت فعَّاليتها، ولكن مع ابتكار استراتيجيَّات لمحاربة الإرهابيِّين، سيأتي فهْم الدوافع المحرِّكة لهم، بلا شكٍّ، بالنفع”؛ ويعني هذا إباحته اتِّخاذ التدابير اللازمة للتصدي للإرهاب. ويعود لويس في أزمة الإسلام (2003)، ويبيح الاستعمار الغربي للعالم الإسلامي، باعتباره وسيلة وقائيَّة لمواجهة عقيدة الجهاد الإسلاميَّة. السؤال: لماذا يبيح هذا لبلاده، ولا يبيح الحملات الإسلاميَّة في بداية الدعوة، التي استهدفت تحصين حدود دار الإسلام من تهديدات الأمم غير المسلمة حينها؟

يعيد لويس في هذا الكتاب ما سبق وأن أشار إليه في دراساته التي سبقت الإشارة إليها، وهو عُقدة النقص لدى المسلمين تجاه الغرب لعجزهم عن استيطانه، وخروجهم من بعض الأجزاء التي استوطنوها في أوروبا، بلا عودة، وعلى رأس شبه الجزيرة الأيبيريَّة. وتجدر الإشارة إلى أنَّ شبه الجزيرة الأيبيريَّة، كما جاء في كتاب القانون الدولي الإسلامي في ضوء كتابات واجتهادات الإمام الأوزاعي والإمام الشيباني (2011)، من تأليف مجمع الفقه الإسلامي في الهند، كان يقطنها قبائل الفندال، “الذين طردوا الرومان، وأسسوا على نهر الوادي الكبير (في قرطبة الإسبانيَّة) مملكة باسمهم (الفندال)، ومنها جاءت كلمة “فندلس”، التي نطق بها العرب “أندلس”، وأطلقوه على هذه البلاد” (ص144). ويذكر المفكِّر الإسلامي الفلسطيني، دكتور عبد الله أبو عزَّة، في كتابه حوار الإسلام والغرب (2006) أنَّ قبائل الفندال كان نصارى على المذهب الآريوسي، وهو مذهب توحيدي نبذ التثليث، وآثر عبادة الله تعالى وفق رسالة نبيِّه عيسى بن مريم الحقَّة. ويُفسَّر قبول شبه الجزيرة الأيبيريَّة الإسلام واستقراره فيها لقرون بتشابُه العقيدة الإسلاميَّة مع العقيدة التي جاء بها إنجيل عيسى المنزَّل من السماء؛ والأمر نفسه ينطبق على مصر، التي آمنت فئة من أهلها برسالة عيسى الصحيحة، وشكَّلت نواة مسلمي مصر الأوائل. 

يستعرض لويس نماذج متنوِّعة من تغلغُل عقيدة الجهاد في ذهن المسلمين، مشيرًا إلى أنَّ الجهاد اعتُبر في فترة من الفترات موازيًا للصليبيَّة، التي شنَّت حروبًا في العالم الإسلامي في سبيل عقيدة دينيَّة. غير أنَّ الصليبيَّة من وجهة نظر لويس تمثِّل انحرافًا عن صحيح ما جاءت به الأناجيل ورسالة يسوع الناصري. يعتبر لويس أنَّ الحروب الصليبيَّة بدأت في القرن الحادي عشر الميلادي، بعد أربعة قرون من الزحف الإسلامي على أراضٍ خضعت لسلطان الإمبراطوريَّات غير المسلمة-إمبراطوريَّة فارس والإمبراطوريَّة الرومانيَّة-مما منح أهل تلك الإمبراطوريَّات على الانتفاض في سبيل تحرير الأراضي التي فقدوها. سبقت إيضاح أسباب الحروب الصليبيَّة من قبل في أكثر من دراسة؛ وتذكيرًا بها، فقد جاء على رأس تعطيل الزحف الإسلامي من آسيا الصغرى تجاه الإمبراطوريَّة الرومانيَّة الشرقيَّة، والاستفادة من خيرات العالم الإسلامي إبَّان عصور الظلام الأوروبيَّة وتردِّي الأوضاع هناك.

يعود لويس إلى إبراز أهميَّة عقيدة الجهاد في الشريعة الإسلاميَّة، من خلال الإشارة إلى أنَّ الشريعة منحتها اهتمامًا كبيرًا، ونظَّمتها بتحديد الفئات المستهدفة في الحروب، باستثناء النساء والشيوخ والأطفال، والأمر بحُسن معاملة الأسرى، وعدم التمثيل بجُثث القتلى. وعنيت الشريعة كذلك بالفصل في حليَّة استخدام الصواريخ والحروب الكيميائيَّة في القتال منذ العصور الوسطى، حينما استُحدث استخدام المجانيق والأسلحة المسمومة، واختلف آراء الفقهاء ما بين التحريم والإباحة، سواء إباحة تامَّة أو بحذر. ويبرز لويس منظوره لدولة المسلمين بأنَّها تمثِّل لدى أهلها “دار الإسلام”، وما عداها “دار الحرب”، وكأنَّما شاغل المسلمين الأساسي هو الخروج في حروب واسعة لإخضاع الأمم الأخرى إلى سلطانهم بالقوَّة.

يتطرَّق لويس إلى مسألة بناء المسجد الأقصى على أنقاض هيكل سليمان في عهد الدولة الأمويَّة، ويجد في ذلك تحديًا سافرًا للهويَّة المسيحيَّة لبيت المقدس، وإن كان يرى في ذلك نتيجة طبيعيَّة لسيادة المسيحيِّين على اليهود أو يسودهم المسلمون، بما يشكِّل “تحديًا واضحًا للمسيحيَّة في عقر دارها” (ص71). نعيد التذكير بتطابق مواصفات الهيكل، المذكورة في سفر الملوك الأوَّل، ومعابد تقديس آلهة الشمس، وبخاصة الإله البابلي بعل، وبوعد يسوع الناصري في إنجيل متَّى (إصحاح 24: آيات 15-22) بهلاك اليهود نتيجة تكذيبهم دعوته، فيما أطلق عليه “رجسة الخراب”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

فتح القسطنطينية – 4 من 11

أ.د. أحمد رشاد أكاديمي مصري المشهد الثالث إذكاء روح الجهاد للجند وفى أواخر …