أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / لغة الوجوه

لغة الوجوه

بشير بن حسن

مفكر إسلامي.
عرض مقالات الكاتب

يعتقد بعض الناس أنني أثير موضوعات تافهة لا قيمة لها ،أبحث بها إمّا عن الشهرة ، أو عن ألهاء الرأي العام بسفاسف الأمور وهوامش القضايا ، مما يدل على مرض السطحية المستحكم في أمتنا مع الأسف ، وقد سألت سؤالا مفاده : هل للتدين تأثير على ملامح الوجه ؟ و هل اكفهرار وعبوسة بعض المتدينين شيء طبيعي ؟؟؟

والجواب عن هذا السؤال أن ملامح الوجه شيء فوق إرادة الإنسان ، فالله تعالى هو الخالق البارىء المصوّر ، وقد فرّق وفاضل بين عباده في الجمال والبهاء كسائر أنواع الرزق والعطاء ، سبحانه من حكيم عليم ، ” يزيد في الخلق ما يشاء ”
فلا يلام الدميم على دمامته ،كما لا يثنى على الجميل لجماله ،لأن ذلك خارج عن نطاق البشر ، و هو تبارك وتعالى لا يفاضل بين عبادة في الآخرة الا بما حققوا من إيمان وعمل صالح ( إن أكرمكم عند الله اتقاكم إن الله عليم خبير ) ، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا الى أموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم ) .
ولكن مع هذا فللايمان والتقوى الأثر على الوجوه قطعا ، ولذا كثيرا ما نقرأ عن الصحابة رضي الله عنهم ،أن فلانا رجع إلى قومه بغير الوجه الذي ذهب به من عندهم بعد أن لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فللاسلام نور خاص على الوجوه ،كذلك الصدق و الأمانة و صفاء السريرة ، كثيرا ما تظهر ملامحها على صفحات الوجوه ، كما قال عبد الله بن سلام رضي الله عنه حينما نظر الى وجه النبي صلى الله عليه وسلم قال ( عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب ) ، والعكس بالعكس، ولذا قال تعالى في المنافقين ( أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم ) ، فضغائنهم لا بد أن تخرج على صفحات وجوههم ، أو فلتات ألسنتهم .
وللوجوه لغة فيما بينها كما هو معروف ، و قد أهتم الاسلام بهذا النوع من التواصل بين الناس ، فيوم أن عبس رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجه الأعمى عبد الله بن أم مكتوم رضي الله عنه بسبب انشغاله بدعوة بعض كبراء مكة ، نزل القرآن يعاتب النبي عليه الصلاة والسلام ،ويدافع عن ذلك الرجل رغم أنه اعمى لم ير عبوسة وجه رسول الله !! قال جل في علاه( عبس وتولى أن جاءه الأعمى ….. ) وسميت سورة في القرآن الكريم بهذه الحركة !! حركة العبوسة !! لتبقى درسا للأمة الى يوم القيامة ، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا لقي ابن أم مكتوم قال : هذا الذي عاتبني فيه ربي !!
ولذا رغّب النبي صلى الله عليه وسلم أن نتواصل فيما بيننا بالابتسامة ، فقال ( تبسمك في وجه أخيك صدقة ) ، وقال أيضا ( لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلِق ) ، والأخوة ههنا عامة ، كما قال الحافظ بن رجب ،لأنها خرجت مخرج التغليب ، والقيد الاغلبي لا مفهوم له عند علماء الأصول، أي لا يقتضي التخصيص ،قال بن رجب هي الأخوة الإنسانية ” ، قلت وهو الصحيح ، المستفيض من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأخلاقه، فإنه كان لا يرى إلا ما مبتسما في أغلب أحواله ، حتى أنه لم أهدر دم خالد بن الوليد، وجاء خالد يريد أن يسلم ، كان خائفا من رَدة فعل النبي عليه الصلاة والسلام ،قال رضي الله عنه ( فلما وصلت ونظرت إليه فإذا هو يتبسم في وجهي فشرح الله صدري للاسلام ) !!
فانظر كيف أثرت هذه الابتسامة في خالد !!
إن التبسم في وجوه الناس مما يكسب الانسان وُدّهم وقلوبهم ، حتى ولو كانوا أعداء ، بل حتى ولو كانوا عصاة ،كما قال أبو الدرداء رضي الله عنه ( اننا لنكشّر أي نتبسم في وجوه أناس وإن قلوبنا لتلعنهم ) !!
وكثير من المتدينين قد غاب عنه هذا الفقه ، فلا تراه الا عبوسا قمطريرا ، في وجوه الناس الا في وجوه من هم مثله و على شاكلته ،وذلك نتيجة ما يعتبره هو دينا ، أو أنه نوع من أنواع النهي عن المنكر كما يظن ،أو أنه تصنع للجِدّية والتقوى ، أو أنه بسبب الضغط النفسي والشعور بالاقصاء من قبل المجتمع ، الشيء الذي لا أصل له الا مجرد أفكار وخواطر تلعب بعقولهم …..فلا تراهم الا في تأزم نفسي دائم ، يسبب في الغالب لهم شحوبة اللون ، و ذهاب الجمال ، و وانطفاء نور الايمان .
وهم في الحقيقة بهذا السلوك يزيدون الناس نفرة من الدين والتدين ،بل ويُخشى عليهم من المحاسبة على عبوستهم لأنه نوع من أنواع الصد عن سبيل الله عز وجل !!! دون أن يشعروا…..
واذا كان الله قد عاتب سيد الخلق على عبوسة عفوية لرجل أعمى فكيف بمن هو دائم العبوسة للمُبصرين ؟؟بدعوى الغيرة على الدين؟؟

وإن مما لاحظته من الفوارق الشاسعة بين أخلاقنا وأخلاق الأوروبيين في البيع والشراء مثلا ، أو داخل الإدارات بأنواعها ،الخاصة والعامة ، فيما يتعلق بالهشاشة والبشاشة والتبسم من قبل الباعة أو الموظفين ، ليحتار فيه العقل ، ويحزن بسببه القلب ، على ما نحن عليه من التعاسة والانحدار الأخلاقي !! طبعا سيقول قائل لا يغرنك تبسمهم فهذا داخل في آلية العمل ، وابتسامتهم تجارية لا علاقة لها بدين أو خلق !!
طيب !! تبسموا أنتم يا أهل الإسلام والإيمان ،دينا وخلقا !!

انك تدخل بعض محلات العرب ،مطعما أو ومتجرا أو مقهى لتستعيذ بالله من سوء الأخلاق ، وانغلاق الوجوه ،وبرودة الاستقبال ، إلا من رحم الله عز وجل !!
ومما هو جدير بالذكر أيضا في هذا الموضوع ،أن كثيرا من المؤسسات والفضاءات العامة، يوضع على ابوابها من الداخل ثلاثة أزرار ، بألوان ثلاثة ، أخضر ووجه باسم ،واصفر ووجه متوسط ،و أحمر ووجه عبوس وما عليك بعد أن تنتهي من معاملتك الا أن تضغط على الزرّ الذي تقيّم به أخلاق هذا الموظف أو البائع أو نحوه !! وهذا يحسب له أو عليه !!
ويتم مراقبته من قبل الإدارة فإذا توالت الملاحظات السلبية على الشخص يفصل من عمله ،حتى لا يسيء لسمعة المؤسسة !!
فلا أدري لو وضعنا هذه الأزرار في اداراتنا و متاجرنا كيف سيكون التقييم ؟؟؟

إننا نعاني فعلا من هذا النكد ، الذي سيطر على السلوك والأخلاق ،الا من رحم الله ،
كما لا يفوتني أن من المسلمين بحمد الله من وفقه الله لهذاةالخلق الحسن ،خلق الابتسامة ،فقد وقع تكريم سائق حافلة في لندن السنة الماضية ، وهو رجل ملتحي ولكن الابتسامة لا تفارقه ، حتى أحبه كل مسافري الخط الذي يشتغل فيه ، وأشادوا بحسن خلقه ، ووسموه ،وهذا شيء مشرف .

فهل من متبسم ؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

إذا كان آدم (عليه السلام) قد أخطأ فما ذنب ذريته حتى يتوارثوا خطيئته من بعده!؟

د. علي محمّد الصلابيّ هذا مبدأ قد نهت عنه كل الشرائع، وهل …