أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / كيف لعب التحول الاجتماعي دوراً في فتنة عثمان رضي الله عنه!؟

كيف لعب التحول الاجتماعي دوراً في فتنة عثمان رضي الله عنه!؟

د. علي محمّد الصلابيّ

عرض مقالات الكاتب

لمَّا توسَّعت الدَّولة الإسلاميَّة عبر حركة الفتوح ، حصل تغيُّر في تركيبة المجتمع، واختل نسيجه ؛ لأنَّ هذه الدَّولة بتوسُّعها المكانيِّ ، والبشريِّ ، ورثت ما على هذه الرُّقعة الواسعة من أجناسٍ ، وألوانٍ ، ولغاتٍ ، وثقافاتٍ ، وعاداتٍ ، ونظمٍ ، وأفكارٍ ، ومعتقداتٍ ، وفنونٍ أدبيَّةٍ ، وعمرانيَّةٍ ، ومظاهر ، وظهرت على سطح هذا النَّسيج ألوانٌ مضطربةٌ ، وخروقاتٌ غير منتظمةٍ ، ورقعٌ غير منسجمةٍ ممَّا صيَّرت المجتمع غير متجانسٍ في نسيجه التَّركيبيِّ ، وبالذَّات في الأمصار الكبرى المؤثِّرة : البصرة ، والكوفة ، والشَّام ، ومصر ، والمدينة ، ومكَّة، فقد كانت الأمصار الكبيرة ـ بمواقعها وأهمِّيَّتها ـ تدفع بجيوش الفتوح ، وتستقبلها وهي عائدةٌ ، وقد نقص عددها بالموت والقتل ، وتستقبل بدلاً عنهم أو أكثر منهم أعداداً وفيرةً من أبناء المناطق المفتوحة ، فرسٌ ، وتركٌ ، ورومٌ ، وقبطٌ، وكردٌ ، وبربرٌ ، وكان أكثرهم من الفرس، أو من النَّصارى العرب ، أو غيرهم ، أو من اليهود، وأكثر سكان هذه الأمصار الكبيرة هم ممَّن شاركوا في حركة الفتح الإسلاميِّ ، ثمَّ استقرُّوا في هذه الأمصار ، وكان أغلب هؤلاء من القبائل العربيَّة من جنوبها ، وشمالها ، وشرقها ، والّذين لم يكونوا ـ عادةً ـ من الصَّحابة ، وبمعنىً أدقَّ : ليسوا ممَّن تلقّوا التَّربية الكافية على يد رسول الله (ص) أو على أيدي الجيل الأوَّل من الصَّحابة ، إمَّا لانشغالهم بالفتوح ، أو لقلَّة الصَّحابة.
1ـ المتغيِّرات في نسيج المجتمع البشريِّ :
أ ـ لقد تكوَّن هذا النَّسيج من قطاعاتٍ عدَّةٍ ، وأولها قطاع الأسبقين ممَّن بقي من الصَّحابة، ومن الّذين نالوا قسطاً وفيراً من رعاية الصَّحابة ، ولكنَّ هذا القطاع وذاك ظلَّ يتناقص إمَّا عن طريق الموت والقتل في ميادين الفتوح ، وإمَّا عن طريق تفرُّقهم في الأمصار، ممَّا جعلهم أقلَّ القطاعات حضوراً ، وكانوا موزَّعين في البلدان المفتوحة والأمصار الكبيرة المستحدثة كالبصرة ، والكوفة ، والشَّام ، ومصر ، وبعضهم في الجزيرة العربيَّة يخرجون منها ، ثمَّ يعودون إليها مرَّة أخرى.
ب ـ سكان المناطق المفتوحة ، وكانوا يشكلون الأكثريَّة بالنسبة للقادمين إليهم مع حركة الفتوح ، فقد ظلَّ القادمون قلَّةً ، وإن كان لهم حضور فعليٌّ في إدارة البلد أو التأثير السُّلوكيِّ ، والأخلاقيِّ ، والفكريِّ ، واللُّغويِّ ، إلا أنَّهم رغم ذلك يُعتبرون قلَّةً وظلَّ هذا القطاع ـ قطاع سكَّان المناطق المفتوحة ـ مقتصراً في استقراره ـ غالباً ـ على مناطقهم ، ومع هذا فقد تنقَّل بعضهم في المناطق الأخرى من بلدان الدَّولة الإسلاميَّة ، بل استقرَّ بعضهم في الأمصار الكبيرة ، وفي عاصمة الدَّولة أيضاً ، إما على شكل ما عرف بالسَّبي ، أي : يستقرُّون تابعين لمواليهم ، وإمَّا على شكل تنقُّلٍ تجاريٍّ ، ومعرفيٍّ وإداريٍّ ، حيث لا يوجد قانون يمنعهم من ذلك ، إن لم يكونوا يلقون التَّشجيع، والدَّعم، وقد كان الأعاجم الّذين جاؤوا من البلاد المفتوحة من أسرع النَّاس إلى الفتنة ؛ ذلكم لأنَّ أغلب الأعاجم من الأمم الموتورة ، والشُّعوب المقهورة ، فتكثر مسارعتهم للفتن لأسبابٍ كثيرةٍ ، منها :

  • جهلهم ، وحداثة عهد أكثرهم بالإيمان ، والمُلك ، والعزِّ الّذي كانوا عليه والذي سُلبوه .
  • قلَّة فقههم في الدِّين ، بسبب العجمة ، وغيرها .
  • العصبية ، وكراهية العرب .
  • أنَّ طوائف منهم دخلت الإسلام ظاهراً ، وخوفاً من السَّيف ، أو الجزية ، وأضمروا للإسلام والمسلمين الشَّرَّ ، والكيد ، فسارعوا إلى كلِّ فتنة .
  • طمع أهل الأهواء فيهم للأسباب المذكورة ، وتحريضهم لهم.
    ج ـ الأعراب من سكان البادية ، وهم مثل بقيَّة النَّاس منهم المسلم التَّقيُّ ، ومنهم الكافر ، والمنافق ؛ إلا أنَّهم كما قال الله عنهم : {الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ *} [التوبة: 97 ] . وذلك لأنَّهم أقسى قلوباً ، وأغلظ طبعاً ، وأجفى قولاً ، ولصفاتهم هذه فهم جديرون ، وأخلق بهم ألا يعلموا حدود ما أنزل الله من الشَّرائع ، والأحكام، والجهاد، فهم من أسرع النَّاس في الفتن ، ولمسارعتهم فيها له أسبابٌ ، منها:
  • قلَّة فقههم في الدِّين .
  • سرعة اغترار الواحد منهم بما يتعلَّمه من القرآن ، فيظنُّ : أنَّه صار عالماً بقليلٍ من العلم .
  • جفاؤهم للعلماء ، وترك التَّلقِّي عنهم ، والاقتداء بهم .
  • تمكُّن العصبية القبليَّة من نفوسهم .
  • تغرير أهل المطامع بهم ، واستغلال سذاجتهم ، وجهلهم .
  • حدَّة طباعهم ، ونفورهم من المدنيَّة ، والخلطة ، وإساءة الظنِّ بالآخرين ممَّن لا يعرفونهم ، وهذا من طباع الأعراب في كلِّ زمانٍ ، ومكانٍ .
  • تشدُّدهم في الدِّين ، وتنطُّعهم بلا علمٍ ، لذلك صار غالب الخوارج من هذا الصِّنف.
    وخرج من هؤلاء الأعراب رجالٌ عرفوا ( بالقرَّاء ) وقد اختلف مفهوم ( القرَّاء) هذا عن منطوقه ، فالمنطوق يقصد به جماعةٌ ممَّن تخصَّصوا بقراءة القرآن، إلا أنَّ المفهوم ومن خلال الواقع أنتج دلالاتٍ أخرى ، فمنهم من كان ـ على طريقة الخوارج ـ يفهمون القرآن بطريقتهم الخاصَّة ، ومنهم من كان زاهداً لا يفقه حقيقة ما يقرأ ، ولم يستطع التأقلم مع واقع المجتمع، وهؤلاء القرَّاء الجهلة يسارعون للفتن وذلك لأسبابٍ منها :
  • الشِّدَّة في نزعة التَّديُّن عندهم مع قلَّة الفقه في الدِّين ، مما يورث غيرةً على الدين بغير علمٍ ، ولا بصيرةٍ ؛ فتجرفهم الأهواء ، والعواطف باسم الغيرة على الدِّين ، دون نظرٍ في العواقب ، ولا فقهٍ لقواعد الشَّرع ، كدرء المفاسد ، وجلب المصالح .
  • الاغترار بما يحصله الواحد منهم من الآيات ، والأحاديث دون فقهٍ ، ولا بصيرةٍ ، فيتوهَّم : أنَّه صار من أهل العلم ، الّذين يحلُّون ، ويعقدون في مصالح المسلمين .
  • تعاليهم على العلماء والأئمَّة ، وظنُّهم : أنَّهم وصلوا درجة الاستغناء عنهم ، وعن فقههم وعلمهم ، تحت شعارٍ : هم رجالٌ ، ونحن رجالٌ .
  • اتِّخاذهم رؤساء جُهَّالاً من بينهم دون العلماء والأئمَّة .
  • أهل الأهواء ، ورؤوس البدع ، والفتن ـ وغالبهم من الدُّهاة ـ يفزعون إلى القرَّاء ، فيغوونهم ، ويستدرجونهم ، ويستغلُّون نزعة التَّديُّن فيهم ، ويستثيرون غيرتهم بلا بصيرةٍ .
  • جهلهم بقواعد الاستدلال ، وأحكام الفتن.
    د ـ وفصيلٌ ، أو قطاعٌ آخر في نسيج المجتمع الإسلاميِّ ، وهو ممَّن سبقت لهم ردَّةٌ ، وكانت حياتهم في الإسلام قصيرةً ، وانتماؤهم إليه ضرورةً ، ولا ننفي أنَّ منهم من زَكا، وصلُح، وكان من الفضلاء إلا أنَّ منهم من لم يتذوَّق حلاوة الإسلام، فظلَّ ـ رغم انتسابه للإسلام ـ يعيش بعقليَّته السَّابقة ، ونفسيَّته الّتي عاشها قبل الإسلام الفعليَّة القبليَّة ، تناوشه العصبيَّات ، وكأنَّ الإسلام لم يدخل فيهم ، أو أنَّهم ظنُّوا عدم التناقض بين ما يعرفونه من إسلامٍ، وما يتعاملون به في الواقع من دوافع قبليَّةٍ.
    لقد شكلت طوائف من المرتدِّين عنصراً ساهم في تهيئة أجواء الفتنة ، والمرتدُّون كانوا على عهد أبي بكرٍ، وعمر، رضي الله عنهما، ولكنَّ الشَّيء الجديد هو اختلاف سياسة عثمان رضي الله عنه عن الخليفتين قبله تجاههم ، فأبو بكر رضي الله عنه يكتب إلى عمَّاله : ألا يستعينوا بمرتدٍّ في جهاد العدوِّ ، ويؤكِّد على خالد بن الوليد ، وعياض بن غنم ألا يغزو معهم أحدٌ قد ارتدَّ حتَّى يرى رأيه فيهم ، فلم تشهد أيَّامه مرتدّاً ، ويقول الشَّعبيُّ : كان أبو بكر رضي الله عنه لا يستعين في حروبه بأحدٍ من أهل الردَّة ؛ حتَّى مات، ولذلك كان بعض من ارتدَّ ، وحسن إسلامهم بعد ذلك ، يستحيون من مواجهة أبي بكرٍ رضي الله عنه ، فطليحة بن خويلد ـ مثلاً ـ يذهب إلى مكَّة معتمراً، وما استطاع مقابلة أبي بكر حتَّى مات، وفي خلافة عمر رضي الله عنه تخفُّ هذه السِّياسة ، تجاه المرتدِّين ، فيندب أهل الردَّة ليرمي بهم الشَّام، والعراق .
    وقد كان في مسيرة جيش سعد بن أبي وقَّاص في القادسية قيس بن مكشوح المرادي ، وعمرو بن معد يكرب ، كان يحمِّس النَّاس ، ويحرِّك مشاعرهم ، وهذا كلُّه كان بعد أن أذن عمر لأهل الردَّة في الغزو، ولكنَّ هذا التَّجاوز عن سياسة أبي بكر عند عمر يصحبه نوعٌ من الحذر ، والحيطة ، ولا ينفكُّ عن الضَّوابط ، والشُّروط المقيَّدة ، فأهل الرِّدة لا يولَّون على مئةٍ ، ولهذا اضطرَّ سعد أن يبعث قيس ابن المكشوح في سبعين رجلاً فقط ، في أثر الأعاجم ثاروا بهم في ليلة الهرير. ويأتي عثمان رضي الله عنه فيتجاوز سياسة التقييد الّتي فرضها الخليفتان قبله تجاه المرتدِّين، ويرتئي: أنَّ عامل الزَّمن ـ الّذي مضى على عهد الردَّة ـ كافٍ لأن يتخلَّص من كان قد ارتدَّ من رواسبها، ويجتهد عثمان، فيستعمل أهل الردَّة استصلاحاً لهم، فلم يصلحهم ذلك ، بل زادهم فساداً، وجعل قائلهم يتمثَّل قول القائل :
    وَكُنْتُ وَعَمْراً كَالمُسَمِّنِ كَلْبَهُ ……. فَتَخْدِشُهُ أَنْيَابُهُ وَأَظَافِرُهْ
    وكانت من نتائج استعمال عثمان لأهل الردَّة في الكوفة أن تبدَّل أهلها، وأصيب قائدهم عبد الرَّحمن بن ربيعة في غزوة للتُّرك ، وهو الّذي كان يقاتلهم في عهد عمر فيفرقون منه ، ويقولون : ما اجترأ علينا هذا الرَّجل إلا ومعه ملائكةٌ تمنعه من الموت، وتظهر الآثار بشكلٍ واضحٍ في الفتنة الّتي انتهت بقتل عثمان ، وذلك حينما نجد في أسماء المتَّهمين في دم عثمان رجالاً ينتسبون إلى قبائل كانت في عداد المرتدِّين أمثال : سودان بن حمران السُّكونيِّ، وقتيرة ابن فلان السُّكونيِّ ، وحكيم بن جبلة العبديِّ.
    ه.ـ اليهود ، والنَّصارى ، وكان بعضهم ـ وهم كثيرٌ ـ قد خرج ، أو أخرج من جزيرة العرب ، فاستقرُّوا في الأمصار الكبيرة ، ومنها : الكوفة ، والبصرة ، وكان اليهود خاصَّةً ـ حسب طبعهم ـ ظلُّوا في تلك الأمصار المطلَّة على ميادين الفتوح يمارسون مهنتهم المشهورة المزدوجة ، السَّيطرة الماليَّة بوسائلهم المختلفة ، والتآمر على قطع اليد الّتي تمدُّ لهم المساعدة.
    إن حصول مثل هذه التغيُّراتٌ في نسيج المجتمع البشريِّ المكوَّن من جيل السَّابقين ، وسكَّان البلاد المفتوحة ، والأعراب ، ومن سبقت لهم ردَّةٌ، واليهود ، والنَّصارى ، وفي تكوين نسيج المجتمع الثَّقافيِّ ، وفي بسطة عيش المجتمع، وفي ظهور لونٍ جديدٍ من الانحرافات ، وفي قبول الشَّائعات . ساهم في حدوث تغيُّراتٌ اجتماعيَّة عميقةٌ ، ظلَّت تعمل في صمتٍ ، وقوَّةٍ لا يلحظها كثيرٌ من النَّاس ، حتَّى ظهرت على ذلك الشَّكل العنيف المتفجِّر بدءاً من النِّصف الثاني من خلافة عثمان ، وبلغت قمَّة فورانها في التمرُّد الّذي أدَّى إلى استشهاد عثمان رضي الله عنه.

المصادر والمراجع:

  • علي محمد محمد الصلابي، تيسير الكريم المنان في سيرة أمير المؤمنين عثمان بن عفان، دار الفجر للتراث، القاهرة، ط2، (2010)، صفحة 347:34.
  • ناصر بن عبدالكريم العقل، دراسات في الأهواء والفرق والبدع وموقف السلف منها، مركز دار إشبليا، ط1، (1997)، صفحة 161، 163.
  • عبدالرحمن الشجاع، دراسات في عهد النبوة والخلافة الراشدة، دار الفكر المعاصر، صنعاء، ط1، (1999)، صفحة 381:379.
  • سلمان بن حمد العودة، عبدالله بن سبأ وأثره في أحداث الفتنة في صدر الإسلام، دار طيبة، الرياض، ط3، صفحة 157:155.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

ثورتنا بين العسكرة والسياسة وطريقة القيادة واختيار القادة – 4 من 5

أ. د. عبد المجيد الحميدي الويس سياسي وأكاديمي سوري قال رسول الله صلى …