أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / يزيد بن معاوية وحكام عصرنا 4 من 7

يزيد بن معاوية وحكام عصرنا 4 من 7

د. هاني السباعي

مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن.
عرض مقالات الكاتب

الحافظ أبو الفرج الجوزي أباح لعن يزيد:

يقول ابن تيمية: “وأما أبو الفرج بن الجوزي، فله كتاب في إباحة لعنة يزيد، ورد فيه على الشيخ عبد المغيث الحربي؛ فإنه كان ينهى عن ذلك.

وقد قيل: إن الخليفة الناصر لما بلغه نهي الشيخ عبد المغيث عن ذلك قصده وسأله عن ذلك وعرف عبد المغيث أنه الخليفة، ولم يُظهر أنه يعلمه فقال: يا هذا أنا قصدي كف ألسنة الناس عن لعنة خلفاء المسلمين وولاتهم، وإلا فتحنا هذا الباب لكان خليفة وقتنا أحق باللعن؛ فإنه يفعل أموراً منكرة أعظم مما فعله يزيد؛ فإن هذا يفعل كذا وكذا. وجعل يعدد مظالم الخليفة، حتى قال له: ادع لي ياشيخ، وذهب” [23].

أقول: الحافظ عبد المغيث الحربي قد خرج بنتيجة تخالف التي وصل إليه الأستاذ الشنقيطي، وذلك من خلال رده على الخليفة: (وإلا فتحنا هذا الباب لكان خليفة وقتنا أحق باللعن؛ فإنه يفعل أموراً منكرة أعظم مما فعله يزيد)!!

بالطبع هذا الخليفة كان يحكم بشرع الله ولم يكن يدور في خلدهم أن يحكموا بقوانين وضعية من أدمغة البشر!!

أما الأستاذ الشنقيطي فيدافع عن حكام عصرنا الخارجين على الشريعة الذين غيروا وبدلوا شريعة الإسلام بقوانين من صنع البشر، بل وقدسوها وحاربوا أهل الإسلام من أجل هذه القوانين التي تنازع الله في حكمه..

هؤلاء الحكام الذين باعوا البلاد للصليبيين في جزيرة العرب وعلى مقربة من أقدس المقدسات عند المسلمين..

هؤلاء الحكام الذين يأتمرون بأمر أعداء الأمة هم في نظر الأستاذ الشنقيطي أفضل من يزيد بن معاوية!!

فلأول مرة نجد هذا الفقه الجديد: الحاكم المرتد أفضل من الحاكم المسلم الفاسق!!!

عود إلى حكاية الحافظ عبد المغيث:

وإذا أراد الأستاذ الشنقيطي المزيد فليرجع إلى ما ذكره ابن رجب في الذيل على طبقات الحنابلة للقاضي أبي الحسين بن أبي يعلى في ترجمة العلامة الزاهد ابن عبد المغيث وخلافه مع العلامة ابن الجوزي: “عبد المغيث بن زهير بن علوي الحربي، المحدث الزاهد، أبو العز بن أبي الحرب. (..) وكان صالحاً متديناً، صدوقاً أميناً، حسن الطريقة، جميل السيرة، حميد الأخلاق مجتهداً في اتباع السنة والآثار، منظوراً إليه بعين الديانة والأمانة. وجمع وحدث، ولم يزل يفيد الناس إلى حين وفاته، وبورك له حتى حدث بجميع مروياته ومسع منه الكبار (..) وقال ابن القطيعي: كان أحد المحدثين مع صلابته في الدين، واشتهاره بالسنة وقراءة القرآن. وجرت بينه وبين صاحب المنتظم – يعني: أبا الفرج بن الجوزي -نفرة كان سببها الطعن على يزيد بن معاوية. وكان عبد المغيث يمنع من سبه. وصنف في ذلك كتاباً، وأسمعه. وصنف الآخر كتاباً سماه (الرد على المتعصب العنيد، المانع من ذم يزيد) وقرأته عليه، ومات عبد المغيث وهما متهاجران” [24].

يعلق المصنف على ما ذكره ابن القطيعي قائلاً: “هذه المسألة وقع بين عبد المغيث وابن الجوزي بسببها فتنة، ويقال: إن عبد المغيث تتبع أبا الحسن بن البنا، فقيل: إنه صنف في منع ذم يزيد ولعنه، وابن الجوزي صنف في جواز ذلك. وحكى فيه: أن القاضي أبا الحسن صنف كتاباً فيمن يستحق اللعن، وذكر منهم يزيد، وذكر كلام أحمد في ذلك. وكلام أحمد إنما فيه لعن الظالمين جملة، ليس فيه تصريح بجواز لعن يزيد معيناً. وقد ذكر القاضي في المعتمد: نصوص الإمام أحمد في هذه المسألة، وأشار إلى أن فيها خلافاً عنه” [25].

أما عن رأي ابن الجوزي في الشيخ عبد المغيث:

“قال ابن الصيرفي: ولقد حكى لي شيخنا محب الدين أبو البقاء: أن الشيخ جمال الدين بن الجوزي كان يقول: إني لأرجو من الله سبحانه أن أجتمع أنا وعبد المغيث في الجنة. قال: وهذا يدل على أنه كان يعلم أن الشيخ عبد المغيث من عباد الله الصالحين، فرحمة الله عليهما”[26].

أقول: ذكر ابن مفلح ثناء العلماء على الحافظ عبد المغيث قائلاً: “عبد المغيث بن زهير بن علوى الحربي المحدث لصاحب أبو العز سمع من أبي القاسم بن الحصين وأبي غالب والقاضي أبي بكر الأنصاري وخلق وعنى بهذا الشأن وقرأ على المشايخ وكتب بخطه وحصل الأصول وتفقه على القاضي أبي يعلى وكان صالحا متدينا صدوقا أمينا حسن الطريقة جميل السيرة حميد الأخلاق مجتهدا في اتباع السنة والآثار جمع وصنف وحدث ولم يزل يفيد الناس إلى حين وفاته وبورك له حتى حدث بجميع مروياته وسمع منه الكبار وأثنى عليه الأئمة منهم المنذرى وابن القطيعى ووقع بينه وبين ابن الجوزي نفرة بسبب الطعن على يزيد بن معاوية فإن عبد المغيث كان يمنع من سبه وصنف في ذلك مصنفا وأسمعه وصنف ابن الجوزي مصنفا وسماه الرد على المتعصب العنيد المانع من ذم يزيد وقرىء عليه ومات الشيخ عبد المغيث وهما متهاجران وللشيخ عبد المغيث تصنيف في حياة الخضر في خمسة أجزاء وله كتاب الدليل الواضح في النهى عن ارتكاب الهوى الفاضح يشتمل على تحريم الغناء وآلات اللهو توفي ليلة الأحد ثالث عشرى المحرم سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وكانت جنازته مشهورة ودفن بدكة قبر الإمام أحمد مع الشيوخ الكبار” [27].

قصة سبي نساء الحسين رضي الله عنه وسبي بني هاشم:

ذكر الأستاذ الشنقيطي قصة استباحة جنود المدينة المنورة وقال (ويفتضون الفروج المحرمة) بدون أن يذكر رأي علماء الجرح والتعديل في هذا الشأن ودون أن يذكر حتى رأي ابن تيمية الذي نقل عنه هذه الرواية!!

وها نحن أولاء نذكر له ما قاله ابن تيمية في منهاج السنة: “وأما ما ذكره (يقصد ابن المطهر الحلي) من سبي نسائه والذراري، والدوران بهم في البلاد، وحملهم على الجمال بغير أقتاب، فهذا كذب وباطل؛ ما سبى المسلمون ولله الحمد هاشمية قط، ولا استحلت أمة محمد صلى الله عليه وسلم سبي بني هاشم قط، ولكن أهل الهوى والجهل يكذبون كثيراً، كما تقول طائفة منهم: إن الحجاج قتل الأشراف، يعنون بني هاشم.

وبعض الوعاظ وقع بينه وبين بعض من كانوا يدّعون أنهم علويون، ونسبهم مطعون فيه، فقال رجل على منبره: إن الحجاج قتل الأشراف كلهم، فلم يبق لنسائهم رجل، فمكنوا منهن رجالاً، فهؤلاء من أولاد أولئك.

وهذا كله كذب؛ فإن الحجاج لم يقتل من بني هاشم أحداً قط، مع كثرة قتله لغيرهم، فإن عبد الملك أرسل إليه يقول له: إياك وبني هاشم أن تتعرض لهم، فقد رأيت بني حرب لما تعرضوا للحسين أصابهم ما أصابهم. أو كما قال.

ولكن قتل الحجاج كثيراً من أشراف العرب، أي سادات العرب، ولما سمع أنه قتل الأشراف وفي لغته أن الأشراف هم الهاشميون أو بعض الهاشميين، ففي بعض البلاد أن الأشراف عندهم ولد البعاس، وفي بعضها ولد علي.

ولفظ الأشراف لا يتعلق به حكم شرعي، وإنما الحكم يتعلق ببني هاشم، كتحريم الصدقة، وأنهم آل محمد صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك (..) وفي الجملة فما يعرف في الإسلام أن المسلمين سبوا امرأة يعرفون أنها هاشمية، ولا سبي عيال الحسين، بل لما دخلوا إلى بيت يزيد قامت النياحة في بيته، وأكرمهم وخيّرهم بين المقام عنده والذهاب إلى المينة، فاختاروا الرجوع إلى المينة، ولا طيف برأس الحسين. وهذه الحوادث فيها من الأكاذيب ماليس هذا بسطه” [28].

لكن هل يرضى مسلم بقتل الحسين رضي الله عنه:

يقول ابن تيمية: “فلا ريب أن قتل الحسين من أعظم الذنوب، وأن فاعل ذلك والراضي به والمعين عليه مستحق لعقاب الله الذي يستحقه أمثاله، لكن قتله ليس بأعظم من قتل من هو أفضل منه من النبيين، والسابقين الأولين، ومن قتل في حرب مسيلمة، وكشهداء أحد، والذين قتلوا ببئر معونة، وكقتل عثمان، وقتل علي، ولا سيما والذين قتلوا أباه علياً كانوا يعتقدونه كافراً مرتداً، وأن قتله من أعظم القربات، بخلاف الذين قتلوا الحسين؛ فإنهم لم يكونوا يعتقدون كفره، وكان كثير منهم أو أكثرهم يكرهون قتله، ويرونه ذنباً عظيماً، لكنهم قتلوه لغرضهم، كما يقتل الناس بعضهم بعضاً على الملك.

وبهذا وغيره يتبين أن كثيراً مما روى في ذلك كذب مثل كون السماء أمطرت دماً، فإن هذا ما وقع قط في قتل أحد، ومثل كون الحمة ظهرت في السماء يوم قتل الحسين ولم تظهر قبل ذلك؛ فإن هذا من الترهات، فما زالت الحمرة تظهر ولها سبب طبيعي من جهة الشم فهي بمنزلة الشفق.

وكذلك قول القائل: (إنه ما رفع حجر في الدنيا إلا وجد تحته دم عبيط). وهو أيضا كذب بين” [29].

شاهد أيضاً

ابن عربي وكتابه الفصوص (26)

محمد عبد الحي عوينة كاتب وداعية إسلامي. إندونيسيا. الباب الثالث ذكر العلماء الذين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.