أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الرفض والعزلة في ميزان الشرع

الرفض والعزلة في ميزان الشرع

بشير بن حسن

مفكر إسلامي.
عرض مقالات الكاتب

مما يُلاحَظ على كثير من متديني هذا الزمان الأغبر ، أنهم يقعون في جملة من السلوكيات التي يعتقدون أنها من الدين بل يعتقدون أنها من أسس وأركان العقيدة ، ومن ذلك سلوك رفض الآخر ووجوب اعتزاله ، والمراد بالآخر سواء كان الكافر أو المسلم المخالف في المذهب والمشرب ، و ضرورة اعتزاله بعد رفضه ورفض ما عنده جملة وتفصيلا ….
وهذا قد يكون نتاج خطاب ديني معروف ، يتسم بالاستعلاء الفكري تارة ، و بالتحذير من كل وافد أو جديد تارة أخرى ، فكم صدّعوا رؤوسنا بأن الأمة الإسلامية أغلبها من أصحاب الفرق التي ضلت الصراط المستقيم ، وأنها معدودة من ضمن الاثنتين والسبعين فرقة في النار ، الا واحدة وهي خاتمة الثلاث والسبعين في الجنة ! ويقصدون بذلك أنفسهم ، ويسمونها الفرقة الناجية ، والطائفة المنصورة ، فقد عمدوا تكلّفا الى تنزيل النصوص على شيوخهم وذواتهم و مدارسهم ومناهجهم !! ( وغرّهم في دينهم ما كانوا يفترون ) ، ومن ثَمّ ، آلوا إلى تصنيف من خالفهم ، فهذا يصفونه بأنه : خارجي مارق، والثاني إخواني ضال ، والثالث مرجىء ملبّس ،والرابع أشعري معطل، وهلم جرا……. في قائمة طويلة من هذه المصطلحات …….
بل حتى على مستوى العلوم الإنسانية والتجريبية التي تأخر فيها المسلمون ، ينظرون إليها نظرة الاحتقار ، ويعتبرون الغرب الذي تفوق فيها وأقام بها حضارة كاملة يعتبرها هؤلاء ” حقارة ” رغم أنهم يعيشون بجميع وسائلها في كل الميادين بدءا بملابسهم المخيطة بآلة غربية !!
ورحم الله الشيخ الغزالي الذي قال ( لو قيل لما في أيدي المسلمين ارجع من حيث أتيت لخرج المسلمون من بيوتهم عراة !! )
إنها نزعة الاستعلاء الفكري ، والغرور بالنفس ، وغمط الحق ، وبطر الناس ،
زد على ذلك يتصورون أن الخير كله فيهم قد انحصر ، فلا خير في غيرهم البتة ، ولهذا نجد عندهم حساسية من كل ما يأتي من غيرهم ، دون تمييز بين الحسن والقبيح ، والنافع والضار ، فلا تسمعهم الا محذرين مما يسمونه غزوا !! بل إنهم يعيشون كابوس هذا المصطلح مصطلح “الغزو ” في الوقت الذي نجد فيه الإيجابي والسلبي ، لكن ماذا تصنع مع قوم لا يرون إلا سوادا وقتامة في كل شيء ، فلا إيجابية عندهم ، لا في النظرة ولا في التحليل ولا في الطرح !!
إن هؤلاء ينتظرون ان تسقط حضارة الغرب ليبنوا على انقاضها حضارة الإسلام !!
وهذا التصور خطير جدا ، حيث أنه يخالف سنن الله في الكون ، التي منها تسلسل العلوم ، ودوام المعارف، و اتصال الناس بعضهم ببعض ، واستفادة بعضهم من بعض ، وهذا الذي فهمه المسلمون الأوّلون ، لما فتحوا بلدانا شتى ، و احتكوا بمجتمعات اخرى ، واصطدموا بحضارات اخرى ، أخذوا منها النافع وطوروه ، وردوا منها الضار و أهملوه ، ولم يعمدوا الى محو كل شيء ، وهذا في الحقيقة هو منهج النبوة ، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ) فاذن هنالك اخلاق سبقته لكن فيها نقصا ، فجاء فتممه ، و نراه في سيرته و سلوكه لم يرفض الآخر ابدا الا ان يكون كفرا أو معصية صريحة، أما المباح ، وما هو من الوسائل، أو المرافق ، أو حتى العادات، لم ينظر إليها بسلبية ولم يردها ، فمثلا دية القتيل ومقدارها مائة ناقة كان حكما من أحكام العرب في الجاهلية ، جاء الاسلام فأقرّه !!
وكذلك حكم القسامة ، وهو قسم خمسين رجلا من قبيلة ادُّعي عليها أنها قتلت رجلا من قبيلة اخرى ، أنها لم تقتل ، كان معمولا به قبل الإسلام ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فأقره ،
وهكذا العقيقة للمولود ، وصيام عاشوراء في مكة ، وكذلك القيم الكونية ، كالصدق و الوفاء بالعهد وبر الوالدين ، وصلة الرحم و غيرها ، لا توجد الا عندنا نحن المسلمون بل هي في كل دين ، وفي كل عرف ، وفي كل مجتمع !! فهي ليست حكرا علينا !!
كذلك لما قيل له إن أهل الحبشة يخطب الخطيب فيهم على المنبر فهل نتخذ لك منبرا ؟؟ قال اصنعوا منبرا !! ولم يقل لا هم نصارى وهذا تشبه بهم !!
ولما قيل له إن الملوك لا يقرؤون كتابا الا اذا كان مختوما أي موقعا ، فلو صنعنا لك خاتما تختم به ؟؟ فقال لا بأس و وضعه في إصبعه الشريف يختم به الرسائل!! ولم يقل هي عادة ملوك الكفر !!
ولما أشار عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه بحفر الخندق يوم الأحزاب وأن الفُرس يفعلون ذلك لم يرفض الفكرة بل أمر أصحابه بحفر الخندق و نزل بنفسه يحفر معهم ، ولم يقل هذه عادة مجوسية !!
وهكذا في لباسه ،وجد الناس على عادات معينة ، ويلبسون لباسا يتناسب مع مناخ بلادهم الحارة ، فوجدهم يغطون رؤوسهم من الشمس بالعمائم والقلانس فغطى رأسه مثلهم ،ووجدهم يلبسون القمُص الواسعة لأنها أريح في الجو الحار فلبسها ، ولم يقل هي ملابس الكفار !! ولا يجوز التشبه بهم !!

اذن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، التعامل بإيجابية مع الآخر، وعدم رفض كل شيء ياتي منه ، ولا حتى اعتزاله ،حيث أنه خالط المجتمع الذي عاش فيه ، وسلم عليهم و جالسهم ، ونصحهم ودعاهم بالتي هي أحسن ،وبحسن أخلاقه !!
فأين هذا من هؤلاء الذين ابتلينا بهم في زماننا ؟؟ ممن يرفض كل شيء ، ويحبذ العزلة و الوقوع في قطيعة مع المجتمع الذي يعيشون فيه ، بدعوى المخالفة ، أو الزجر بالهجر ، أو خوفا على إيمانهم أن يطير من قلوبهم !!
إن هؤلاء يعيشون إعاقة فكرية قاتلة ، تؤدي بهم في أغلب الأحيان إلى الاكتئاب النفسي ، و كره كل ما حولهم ،فيخالفون بذلك ما جبل الله تعالى الخلق عليه ألا وهو “المدنية ” التي قال فيها ابن خلدون رحمه الله ( الانسان مدني بطبعه ) أي لا يمكن أن يعيش وحده !!
وهؤلاء ربما آثروا العيش في إطار ضيق ، ونطاق محدود جدا ، وذلك بمخالطة الا من كان مثلهم ، في المشرب والمذهب ، والمظهر و الفكر !!
ومثلهم يحتاج إلى علاج نفسي ، طويل المدى ، حتى يرجعوا و يُشفوا من مرض السلبية و الانغلاق .

اللهم اهدنا فيمن هديت ، وعافنا فيمن عافيت .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

لعنة حروب اليمن !

محمد عماد صابر برلماني مصري سابق قوات التحالف العربي المكونة من قوات متعددة …