أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الفساد في سورية ودوره في هدم أركان الدولة والمجتمع

الفساد في سورية ودوره في هدم أركان الدولة والمجتمع

الباحث المحامي ياسر العمر

محامٍ وباحث سوري
عرض مقالات الكاتب

الفساد هو آفة الآفات في هدم المجتمعات . ويكون من خلال الخروج على المبادئ المثلى التي يجب ان يتخلق بها الفرد والجماعة . وللفساد أنواع متعدده منها مايتعلق بالسلوك الفردي نتيجة الحركة التي يتصف بها الكائن البشري وما يقوم من أفعال تخرج عن المألوف في المجتمع الذي يعيش فيه . ومنها مايتعلق بعمل الإدارة العامة للدولة . وما يهمنا في هذا البحث هو الثاني الذي ينعكس سلبا على كافة مفاصل الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية .     ولو درسنا جميع حالات هذا الفساد لوصلنا الى تعريف شامل له وهو ( إساءة استعمال السلطة أوالمرفق العام وتسخيرهما لمصالح تتعلق بفرد أو فئة قليلة من الشعب )

و يقسم الفساد المتعلق بالدولة الى أربعة اقسام ( الفساد السياسي ، الفساد المالي ، الفساد الإداري ، الفساد الأخلاقي ) . ويتربع الفساد السياسي على التسلسل الهرمي للفساد. انطلاقا من القول المأثور ( اذا صلح الراعي  صلحت الرعية ) .

فالفساد السياسي يتمثل بجملة من الإنحرافات عن الاحكام والقوانين التي تنظم عمل المؤسسات السياسية في الدولة يمارسها من هم في قمة هرم السلطة وقد يتم لوي هذه القوانين او إيجاد  احكام جديدة تساعد على تحقيق المصلحة الشخصية ويؤدي بالنتيجة الى السيطرة على مرافق الدولة ونكون امام حالة الحكم الشمولي الذي يؤدي الى (الاستئثار بالسلطة لفئة تعد على أصابع اليد ، والابتعاد عن المشاركة الشعبية ، وفقدان الديمقراطية ) وهذا مانجده في سورية ، فقد تم لوي احكام الدستور في يوم من الأيام بمباركة وتصفيق من أعضاء مجلس الشعب للخروج على المادة المتعلقه بسن رئيس الدولة . وما تم من اصدار المرسوم رقم 49 لعام 2011 بمنح الجنسية بشكل جماعي للمسجلين في سجلات أجانب الحسكة  بالرغم من ان الجنسية لاتمنح الا بشكل افرادي باستثناء افراد العائلة الواحد ، وضمن شروط منها / حسن السلوك ، محمود السمعة ، ولم يسبق الحكم عليه بعقوبة جنائية او بعقوبة مقيدة للحرية في جريمة شائنه الا اذا أرد عليه اعتباره ، ملماً باللغة العربية قراءة وكتابة /فقرتين  د – و  من المادة 4 من المرسوم التشريعي 276 لعام 1969 المتعلق بالجنسية السورية ، ويتم من خلال تقديم طلب خطي الى وزير الداخلية  . ولو دققنا على من منحوا الجنسية بشكل جماعي لوجدنا غالبيتهم لاتنطبق عليهم شروط منح الجنسية السورية  ، فهؤلاء يطلق يطلق عليهم تسمية الاجانب (أي يجب ان تتوفر فيهم جميع الشروط لمنحهم الجنسية السورية ) ، فالكثير منهم لايجيد العربية قراءة وكتابه ، ولم يتم التدقيق بوضع كل فرد منهم وفيما اذا كان محكوما بعقوبة جنائية او مقيده للحرية ، كما لم يتم تقديم طلبات افرادية الى وزير الداخلية لمنح الجنسية . أي اننا امام مخالفة قانونية لها حساباتها الخاصة على مستقبل وحدة الأراضي السورية ، وتم ذلك لاستعطاف هذه الفئة وكسب دعمها في توطيد اركان الحكم  الشمولي . وهذا ماتم بالفعل بحيث تم كسب هؤلاء ومن ينتمون لهم بالعرق  وكان لهم الدور الأكبر في نكبة الشعب السوري عندما خرج رافضاً للفساد رافعاً شعار الكرامة والحرية .

كما يتمثل الفساد يتقييد المحاسبة عن فئة تعمل بالمرفق العام ( أجهزة المخابرات وامن الدولة …) ولا تتم محاسبة هؤلاء عن الجرائم التي يرتكبوها بحق المواطنين الا بموافقة الجهات العليا التي ينتمون اليها بالرغم من أن تلك الجهات هي من سلطت يدهم على رقاب الشعب ، وبالرغم من ان أس الفساد في سورية يتمثل بتلك الأجهزة ومن يواليها ، وكافة افراد الشعب السوري يعرفون ان اصغر عنصر مخابرات يستطيع ان ينال من اعلى شخصية دون رقابة عليه ولا سيما اذا كان هذا العنصر مدعوما من رئيس فرعه .

 ويتمثل كذلك بسلب حق التضاهر والتعبير عن الرأي بشكل سلمي الا بموافقة الجهات الأمنية . وكذلك بمنع الترخيص لتأسيس  الأحزاب السياسية باستثناء التي تدور في فلك النظام . كما تمثل سابقا بمحاكم أمن الدولة والتي لاتتوفر فيها ابسط قواعد المحاكمة العادلة  والتي راح ضحيتها الاف من المواطنين السوريين بحجج غالبيتها واهية معتمدة الشك دليلا لها بالرغم من ان أهم قاعدة قانونية في القوانين الجزائية السورية تفسر الشك لمصلحة المتهم ، والاحكام تبنى على اليقين  ، وغالبية قوانين العالم تنهج هذا النهج  ، وكم من شخص تمت محاكمته بسبب ان أحد أصدقائه حلم به وهو يقوم بعمل سياسي ضد النظام . او بسبب رسالة تتعلق بالوضع العائلي جاءت اليه من أحد المطلوبين خارج البلد . وهذه التراكمات الكثيرة جعلت من غالبية فئات الشعب تنتظر الفرصة لاستعادة حقوقه المسلوبه وإيقاف سيطرت تلك الفئات على السلطة ، وهذا ماحدث عام 2011 عندما خرج غالبية الشعب السوري مطالبا بالحرية والكرامة الا أنه  جوبه بالحديد والنار وسقط الضحايا وهذا أدى الى رفع المطالب  بإسقاط النظام الشمولي .  

اما الفساد المالي : فهو المتعلق بغياب الحس الوطني والذي يتجلى بهدر ثروات البلد من خلال الصفقات المشبوهة لفئة مقربة من مركز القرار ، وتفشي الرشوة والاختلاس والتهرب الضريبي ، ويظهر ذلك من خلال اكتشاف سرقات بعضاً من الوزراء  بمئات الملايين ، او من خلال الصفقات لبعض رجال الاعمال المحسوبين على النظام والتهرب الضريبي ، ومن يخرج من سورية عبر المنافذ الحدودية وما يحدث فيها سيعرف كم من المال المهدور لمصلحة الخزينة العامة ليصب بجيوب المتنفذين في الدولة . كما لاننسى صفقة شراء الطيران القديم التي قام بها وزير النقل الدكتور مفيد عبد الكريم ، والبترول والايدي الامينة التي توضع فيها عائداته  ، ومليارات الدولارات التي أخذها رفعت الأسد من خزينة الدوله عندما اجبر من شقيقه حافظ على الخروج من سورية ، والأموال التي ذهبت في البنوك السويسرية والتي كان قد وضعها باسل الأسد في تلك البنوك ومصيرها بعد وفاته  ، وتقسيم الواردات الى سورية الى موالين النظام ، فمنهم من تخصص بمادة السكر والأخر بمادة الرز والأخر بمادة حديد البناء والقائمة تطول ، ولو رجعنا الى تقارير التفتيش المطوية في الادارج لوجدنا الاهوال في الاعتداء على المال العام ، ويتربع الاختلاس والصفقات المشبوهة على قمة الفساد المالي .

والفساد الإداري :  هو آفة الافات لهدم كيان الدولة .ولو بحثنا عن الأسباب لوجدنا ان هناك عدة أمور تقود الى هذا الفساد ، فعندما تضعف مؤسسات المجتمع المدني ، وتهمش المؤسسات الرقابية ، وتغيب الديمقراطية ، وتهمش السلطة التشريعية والقضائية ، وتغيب المنافسة السياسية من خلال منع الأحزاب بممارسة عملها بحرية ، وتحكم السلطة التنفيذية بالحياة السياسية والاقتصادية ، وسوء صياغة القوانين بحيث يكتنف بعضها الغموض الذي يعطي الموظف الفرصة للتفسير وفق ماتقتضي مصلحته وتعارض مصالح المواطنين .   ومن انعكاسات هذا الفساد ظهور العداء بين المواطن والدولة مثلما يحدث الان في سورية . فعندما لايأخذ المواطن ابسط الحقوق فهذا يقوده الى التفكير في الحصول عليها بوسائله الخاصة . فالموظف في وظيفته يفكر بالطرق التي يستطيع من خلالها الحصول على بعضا من هذه الحقوق فيجيز لنفسه عندما يتحلل من الرقابة  بأخذ ماتقع يده عليه من أموال المرفق العام  . والموظف الاخر يفكر بالطرق التي يتهرب بها من أداء عمله الوظيفي ليستطيع ان يمارس عملا آخر يدر عليه قسما من المال وكم من موظف عندما تسأله لماذا لايواظب على أداء عمله الوظيفي فيجيب بأنه يداوم على قدر الاجر الذي يتقاضاه ولا يبالي بالاثر السلبي الذي ينعكس على العمل الوظيفي ومن ثم على المواطن . وموظف الضرائب يحاول الالتفاف على القوانين المالية بالاشتراك مع دافع الضريبة من الأغنياء  ليخفف عنه الضريبة مقابل رشوة تقدم لهذا الموظف . والمدير الإداري الفاسد يستغل وظيفته لتحقيق مطامعه الشخصية . وهناك فئة من العمال تقوم على اهدار المال العام نتيجة الحقد على من تسلط على ادارة المرفق العام . وأخرى لاتلتزم بأوامر رؤسائها نتيجة دعمها من احد المتنفذين في السلطة .  وما ذكرناه هو غيظ من فيض في سورية .

اما السلبيات على مستوى المرفق العام فيظهر من خلال تراجع معدلات النمو الاقتصادي . وارتفاع تكاليف الخدمات الحكومية ولا سيما للخدمات الأساسية من سكن وكهرباء وماء وصرف صحي وخدمات النقل البري والجوي والبحري . وهروب الكفاءات العلمية الى الخارج . وعزوف الشركات الأجنبية وبكافة مجالات الاستثمارالداخلي وهذا ينعكس سلبا  ولا سيما مايرد من ضرائب الى خزينة المرفق العام . سواء من تلك الشركات او بقية المواطنين المعنيين بدفع الضرائب .

واذا اردنا البحث في الطرق التي تكشف لنا معدلات انتشار ظاهرة الفساد الإداري فيتوجب علينا الرجوع الى الاستبيانات والتقارير والإحصاءات الصادره عن المنظمات والمؤسسات الإقليمية والدولية . ولا بد لنا من الرجوع الى منظمة الشفافية الدولية في برلين لمعرفة معدلات الفساد في بلدنا التي لديها مؤشراً دوليا لقياس الفساد  الذي تعده كل خمس سنوات ويسمى الرقم القياسي للشفافية الدولية وهو الدليل لكافة المستثمرين في العالم لمعرفة مدى تفشي الفساد في الدول ، وفي هذا المقياس تم ترتيب سورية بأواخر الدول من حيث الشفافية ومن أوائل الدول في تفشي ظاهرة الفساد .  

اما الفساد الأخلاقي : هو الفساد الأخطر الذي يهدم كيان المجتمع من خلال هدم الفرد والذي هو يدير المرفق العام ،وبهدم هذا الفرد فقد انعكس سلبا على أداء المرفق العام ، فإذا اخذنا عمل  مؤسسات الاعلام وما يقدمه افرادها من برامج سنجد الزيف والكذب والمحاباه وقلب للحقاق واصبح لدينا الاعلام وسيلة للهدم وليس للبناء ، وكذلك المرفق التعليمي والانحطاط الأخلاقي في غالبية دوائره ، وكم من فرد استحصل على درجة الدكتوراه باختصاص ما وهو لايعلم من هذا الاختصاص شيئا ، وكم من معلم خان عمله التعليمي ولم يؤدي دوره كاملا من اجل تحقيق المكاسب المادية من خلال الدروس الخصوصيةعلى حساب حقوق الفقراء من الطلاب من العملية التربوية  ، وكم من صفقة مادية مشبوهة تمت من خلال بعضاً من موظفي السلك الإداري والمالي حرم نتيجتها الطالب الذي خصصت له الاعتمادات اللازمة لإنجاح تعليمه سواء بالوسائل الفنية او امكنة تلقيه العلوم ، وكللت تلك الصفقات أخيرا باكتشاف وزير هذا المرفق الدعو هزوان الوز باقدامه ومجموعة ممن يلتف حوله وبمن دعمه لتولي هذا المنصب بالإقدام على سرقة مئات ملايين الليرات السورية من المخصصات التي تدعم العملية التربوية . ولو دخلنا الى سلك الشرطة والجيش فنجد غالبية ممن يدير هذين المرفقين لايملكون من اخلاق العمل المهني شيئا ، فكم من صفقات عقدت ومع اعتى المجرمين لتحقيق مكاسب مادية على حساب امن الوطن والمواطن. ولا يسعنا المجال هنا للحديث عن بقية المرافق العامة وما يحدث بها لان الامر يحتاج الى مئات بل آلاف الصفحات وان ماذكر هو غيض من فيض .

 اما عن كيفية  إيجاد البيئة الملائمة للقفز على هذه الحالة المرضية  فيقتضي منا نحن كأفراد وبمواجهة مؤسسة الحكم الشمولي ان نعمل على إشاعة ثقافة مكافحة الفساد من خلال تسخير التطور العلمي في مجالات الانترنت  والصحف والمجلات . والعمل بكل الوسائل لربط الدولة بالثقافة العالمية لمحاربة الفساد والمنصوص عليها بالمواثيق والاتفاقيات الدولية  وهذا يؤدي الى إجبار الدولة  بعكس ذلك على التشريعات الوطنية وإيجاد القوانين الموائمة لتلك الاتفاقيات والملزمة لمكافحة هذا الفساد ولا سيما الفساد السياسي ،وتسليط الضوء على عمليات الفساد لإجبار الدولة على تحقيق العدالة بين فئات الشعب ليأخذ كل ذي حق حقه  وذلك من خلال اشراك  كافة الفئات الشعبية ولا سيما المرأة لاداء هذا الدور بعد ان أصبحت منهن الدكتورة والمهندسة والمحامية والقاضية والمعلمة والاديبة والإعلامية . والعمل على تنشيط العمل الرقابي وإجراء وتشجيع التفتيش الوقائي من خلال الجولات التفتيشية الدائمة  وتشجيع الدولة على إدخال الأنظمة الالكترونية والتي تمكن من اكتشاف السلبيات في العمل .وتسليط الضوء على كيفية توعية العاملين وعقد الاجتماعات للحث على القيم والمبادئ السامية وزرع الحس الوطني مع إيجاد الالية الجيدة لتقييم الأداء ومن ثم تقديم الحوافز الإنتاجية ، وان نجحنا في ذلك  فنكون قد عملنا على قضم النظام الشمولي بشكل تدريجي ، وسنصل الى الدولة الديمقراطية التي تنعم بالامن بكل جوانبة . مع اعتقادي الكامل أن مااطرحه الان من حلول هو خلاف مبدأ الثورة والتي هي انقلاب على الواقع الفاسد وتغييره من جذوره ، ولكن ما شاهدناه ولا زلنا نشاهده ونعيشه يثبت لنا ان هكذا أنظمة وبتوغلها ضمن منظومة الاضطهاد العالمي والدعم اللامحدود الذي يقدم لها بشكل مباشر او غير مباشر يجعل من تحقيق اهداف الثورة أمر شبه مستحيل ، والصورة القاتمة التي تعيشه الحالة السورية من اعتقال وتعذيب وقتل وتدمير وتشريد والاستهانه بأرواح مؤيديه ومن يقاتل بصفوفه  يثبت لنا ذلك ، لذلك يتوجب علينا التفكير بطرق أخرى لقضم هذا النظام الشمولي ، وقد يكون ماأطرحه أحد الافتراضات للحلول .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

زراعة الخوف وزراعة الحياة

حسام نجار كاتب صحفي ومحلل سياسي مقالي هذا يختلف في عرضه وطريقة طرحه …